الجمل ضحك في عمره مرة..

، بقلم فتحي العابد

زعموا في قديم الزمان.. أن جملا جاء لكي يستضل تحت شجرة الخروب الذي تعود أن يقيل تحتها، هربا من الحر عند مروره من تلك البقعة، فوجد أن الشجرة قد ذبلت وتساقطت أوراقها.. فسألها: خير شجرتي! ما أذبلك؟

قالت له الشجرة: حينما كان القوي يأكل الضعيف، استوطن فأرا بأرضنا هذه، وكان حقير الشأن بين سكان الغابة، ضعيف الحيلة.. تطارِده الحيوانات في كل مكان فتمنعه من جمع القوت حتى جاع صغاره واشتكت أمهم فأغلظت في الشكوى..

فلما كان يوم خرج الفأر كعادته في ذعره المألوف، بحثا عن نصيب من طعام يحصله في غفلة من سباع الغابة ووحوشها، وصيحات ألم أبنائه الجوعى تتردد في أذنيه بقوة.. لم تبارحه أيضا صورة أصغر أبنائه وأحبهم إلى قلبه وقد ذبل جسمه وانفتح فمه في أنين خافت متواصل.
لمح ثمرة تفاح أسفل شجرة فأشرقت ملامحه وهو يتخيل فرحة الصغار وأمهم بهذا الطعام..
حث خطواته نحوها وقد أعمته الفرحة فلم ينتبه لعينين ترصدانه.. قفز مسرعا نحو التفاحة ولكن العينين قفزتا بسرعة أيضا، فإذا بقط بري أمامه ينظر إليه في اشتهاء، فزع الفأر من هذا العدو وتملكه الرعب، لكنه أحس بقدر هائل من القهر والغيظ، وكيف هذا الحيوان يحاوِل منعه من إطعام أبنائه، وأنين صغيره مازال يطن في رأسه، دون أن يدري كيف يتصرف.. فاستجمع شجاعته وأظهر أنيابه، ووجد نفسه أمام حلين لا ثالث لهما: إما أن يواجه القط ويموت بشرف، خير له من أن يهرب ويموت في جحره كما تموت الفئران.. تمالك نفسه.. فواجه القط بثبات، وصاح في وجهه أن يتركه وشأنه وإلا سيمزقه إربا..

بهت القط، فلم يكن يتوقع إلا فزع الفأر وهروبه.. فكشر عن أنيابه، واقترب من فريسته المفترضة مبالغا في إظهار شراسته، لكن الفأر وقد انتفش شعره، حدق فيه بعينين محمرتين غيظا، ونفخ صدره منذرا بويل عظيم..

ارتج القط وأحس بخوف حقيقي وفكر في الهرب، لكنه خجل، إذ تخيل ما يمكن أن يقال عنه في الغابة.. فحاول التهديد مجددا، لكن الفأر الغاضب كان حاسما..

أطلق القط ساقيه للريح لا يفكر إلا في سلامته.. أما كلام الحيوانات فلن يكون أسوأ مما قد يقع له على يدي هذا الحيوان الغاضب..

أحس الفأر بسعادة عظيمة وهو يرى القط عدوه الأول يسابق الريح هاربا، وإن ظل متعجبا منه، ومن نفسه أعظم.. ثم عاد يحمل الطعام إلى الأسرة، وقص عليهم قصته مع القط، فتعجبوا كثيرا.. وناموا ليلتهم مطمئنين..

أما القط فبات في أسوإ حال، وهو يستمع لهمسات سخرية من هنا وهناك.. لكن نمرا جلس في منزله وفكر: ما الذي يقع لو انتصر عليه الفأر هو أيضا؟.. وأزمع فـي نفسه الهرب ليلا، فحاولت الإمساك به وتهدئة خوفه، لكنه في محاولة نزع يده مني بقوة انشق إلى نصفين ومات..
وتظاهر الأسد بضعف البصرِ حتى ظن الفأر أنه لا يراه حقيقة.. وعزم أن يتجنبه وألا يحاول التحرش به، تجنبا لإهتزاز صورته.. وقد فكرت مثله بقية وحوش الغابة..

ومنذ ذلك الحين استأسد الفأر وصار يخرج وقتما يشاء إلى الإقتيات، وقد أدرك أن السباع قد هابته، مصطحبا أبناءه أحيانا في جولاته، يريهم فيها الغابة ويعرِفهم على حيواناتها.. بل إن الأسد سمح لهم مرة بالصعود على ظهره.. فهو يحب إسعاد الصغار!! هكذا أجاب باضطراب واضح لمن لامه على فعلته تلك..

فتعجب الجمل من هذه القصة الغريبة العجيبة، التي لم يفهم منها شيء، وضحك ضحكة كبيرة انشقت فيها شفته العليا..