تكريم الأديب المبدع وهيب نديم وهبة

، بقلم محمد خليل

* يقول جبرا إبراهيم جبرا «على الناقد أن يجعل العملَ المنقودَ ذا مغزىً لعصره مرتبطًا بالتجربة البشرية، مطهِّرًا للنفس»! بكلماتٍ أخرى ضرورةُ ارتباطِ الفن وتعميقِ صلته بالحياة الاجتماعية، وتحويله إلى معايشةٍ فعلية للناس فرادى وجماعات، الأمرُ الذي يعني تحقيقَ إحدى أهمِّ وظائفِ الفنِّ كلِّ فن، وهي الوظيفة التواصلية. هذا ما سنحاولُ توضيحَهُ في المقاربة الآتية.

*مفتتح: يمكن تصنيف هذا الأثرِ/الرباعيةِ ضمنَ الإبداع الحداثي من حيثُ المبنى، الذي يتضمّنُ بحسب الترتيب الزمني الصحيح، الكتبَ الآتية:

* الكتاب الأول: المجنون والبحر-1995، يتحدّث الكتاب بلسان المجنون عن إنسانية الإنسان في هذا الزمن، عن الجوع والفقر، عن العدالة المطلقة، وعظمة الخالق وإبداعه، كقوله "أليس الخالقُ أكبرَ فنانٍ، وأفضلَ مبدعٍ، وأحلى رسام؟!" ذلك هو المجنون الذي يقول فيه جبران: لا يكسرُ الشرائعَ البشريةَ إلا إثنان: المجنون والعبقري.. وهما أقرب الناسِ إلى قلب الله!

* الكتاب الثاني: خطوات فوق جسد الصحراء-1999 ويحكي الرحلةَ النبويّة الخالدة، من الجاهليّةِ إلى حِجّةِ الوداع، فيها يتداخل الأدبي بالتاريخي والشعري والمسرحي، بما تحمله في ثناياها من نفحات نورانية إيمانية.

* الكتاب الثالث كتاب الجنة-2006، وقد جاء ترتيبه في الرباعية في المرتبة الرابعة. فيه يرصد المؤلف الجنة جغرافيًا، ويحدد بواباتِها ألخمسَ كما يراها هو. يرمز كتاب الجنة إلى وحدانية الخالق وخلوده بإزاء وجود الخلق وفنائه، والبحثِ عن الإنسان في الجنة، كذلك، يُرشد الإنسانَ إلى معالم الطريق إليها، طريقِ الهدايةِ
والنور.

* الكتاب الرابع: مفاتيحُ السماء-2012، وقد جاء ترتيبُه في الرباعية في المرتبة الثالثة. فيه، يستعرضُ الشّاعرُ رحلةَ الفادي السيد المسيحِ عليه السلام منْ أرضِ كنعانَ إلى أرضِ الكِنانةِ، والعودةَ لنشرِ رسالةِ السماء والعدلِ والمحبّةِ. وقد نرى شاعرَنا مبدعًا محلقًا في فضاءٍ لا متناهٍ، فهو يستمد طاقته الإبداعيةَ ربما من وحي العناوين الأربعة ذات الإيحاءات المتعددة!

*المسرحة: مفهومُ المسرحةِ حديثُ العهدِ نسبيًا إذ ظهر في بداية القرن العشرين وتعني من بين ما تعنيه، تكييفَ العملِ الفني وإعدادَه أو تحويلَه إلى عملٍ سردي أو شعري بتقنيَّةٍ درامية. فإذا كان الشعر يعتمد في الأغلب السردَ والوصفَ، فإن المسرحيّة تعتمد الحوار أساسًا. وهو شكل من أشكال الكتابة لا يقتصرُ على فنٍ معين، أو أدبٍ معين، بل يطالُ كلَّ الفنون والآداب تقريبًا. وقد شاع هذا اللونُ في العصر الحديث مع تداخل الفنون بعضِها ببعض، وزوالِ الحدودِ بينَ الأجناس الأدبية والفنية، ومع تطور الإمكانات الفنية التي أتاحتها التكنولوجيا الحديثة. كان الفيلسوف والناقد الأدبي الفرنسي رولان بارت أولَ من استخدم المصطلح في أوروبا الغربية وذلك من خلال دراسته حول مسرح بودلير في عام 1954.

*البحرُ والصحراء: يعدُّ كتابُ "البحرُ والصحراءُ" فيما بلغَهُ علمُنا، نَتاجَ تجربةٍ إبداعية رائدة شكلاً ومضمونًا، تنضافُ إلى مجمل إبداعاته السابقة، ونقلة نوعية ليس في مسيرة أديبنا فحسب، بل وفي مشهدِ حركتِنا الأدبية المحلية. وأديبُنا، كما يبدو، لم يدخر جهدًا أو وسعًا بُغيةَ أن ينميَ ملكتَه الُّلغويةَ أو مخزونَ ثروته أللفظية والدلالية، وذلك من خلال سعةِ القراءةِ والخبرة والتأمل، في مختلف ألوان المعرفة وليس في مجال تخصصه أو هوايته فحسب، فكان مما لا شك فيه، أنَّ ثقافةَ شاعرِنا فنيًا ومعرفيًا هي المؤهلُ الذي مكنه من الإبداع الفني الذي يتجلى في الكثير من إبداعاته المتعددة. وقد انعكس ذلك بوضوح تام في ولوجه طقوسَ "البحر والصحراء" أو إلى حالةِ الصوفي العارفِ في تأملاتِه! فالشعرُ ليس مجردَ بوحٍ وتعبيرٍ فقط إنما كشفٌ وانطلاقٌ ورؤيا! وإننا لنراه يميل إلى التخلص من الصور الفنية التقليدية والمألوفة، إلى صورٍ فنيةٍ مبتكرةٍ تقدِّم المشهد، مع ما فيها من إيحاءاتٍ معبِّرةٍ ومثارِ خواطرَ وتداعي أفكارٍ، تتناغم إلى حد كبير مع المضمون. وهو في ذلك المنحى إنما نراه متأثرًا بالمتصوفة وبجبران لكن بأسلوبه الخاص به! يقول المرحوم محمد الماغوط في آخر لقاء صحافي معه: أنا شاعرُ الصورة لا الفكرة! وهو ما يلمسُهُ القارئُ في الرباعية.

*صورةُ الغلاف: قد يكون من المفيدِ بمكان، قبل الولوج إلى لذةِ عالمِ النص، التوقف عند لذةِ مكنونات صورةِ غلافِ الكتاب، البصريةِ والُّلغويةِ على حدٍ سواء. والتي يمكن أن تساعد في تفكيك العُنوانِ عتبةِ النصِّ الأولى، ووضعِ تصورٍ عن عالم الشاعر وفضاءاته، وجدانِه ومعاناتِه!
يُرى أديبنا الصوفي في رسمه، منطلقًا من وعيه بالذات وبالواقع من حوله وهو يزينُ لوحةَ الغلافِ الخارجي في حضرة العُنوان، مفكرًا متأملاً، أمام محرابِ "البحر والصحراء" اللذين غابا، للأسف، عن صورة الغلاف، ما أدى، برأيي، إلى انقطاع التواصل الدلالي بينهما وبين العُنوان! في عالمِ التناقضات ألمتنافرة وقد جمعتها لوحةٌ فنيةٌ مُتَخيلَةٌ واحدة. هذه الثنائية المتناقضة تتكرر كثيرًا لدى الشعراء! فالبحر وكذا الصحراء حمالٌّ كلاهما دلالاتٍ متعددةً ربما أهمُّها: أن البحرَ رمزٌ للحياة، حياةِ الفطرة، فهي حياةٌ نقية وبسيطة وجميلة في آن، بإزاء حياة العصر المعقدة. وقد كان البحر وما زال أحدَ المصادر التي ألهمت ألشعراءَ بالتأمل، وحبِّ الحياة والخيال، فيه يقول على لسان هالة "لكَ البحرٌ سفينةٌ للخيال"! وقد خاطبه الشعراءُ في حالاته المتعددة: الصخبِ والهدوء، الشفافيةِ والعمق، الخوفِ والأمان!

أما الصحراءُ فتأتي مناقضةً للبحر، فإذا كان البحر رمزًا للارتواء والعطاء والحب فإن الصحراءَ، رمزٌ للظمأ والحرمان وسعةِ المدى. وثمةَ معنيان: معنى حقيقيٌ وآخرُ مجازيٌ وهو معنى المعنى! والمجازي، برأيي، أصوب وأبلغ. فالصحراء مرادفةٌ لما يعانيه مبدعنا من ظمأ وحرمان، وهو مترعٌ بحالةٍ من الوجد والكشف عن روح متعطشةٍ لمعرفة السؤال أو بالأحرى حداثةِ السؤال، فالسؤالُ مِفتاحُ المعرفة والبحثِ عن إجابة له.. هي روحٌ تحلق في فضاء الوجود، وجناحاها: العقل والخيال! والخيال أعلى مرتبةً ومتعةً من العقل كما يقول شلي (في كتابه دفاعٌ عن الشعر) هذا من جهة. في الوقت نفسِه، ارتبطت الصحراءُ، ذلك الفضاءُ الواسعُ الممتد، منذ أقدم العصور، مع حياة الإنسان كحياة العرب وسواهُم، من جهة أخرى. يقول إبراهيم الكوني في إحدى تجلياته: وطني صحراءُ كبرى! إنه العشق الصوفي المتناغمُ مع الوجود الكوني!

*البحر والصحراء، القيمةُ المضافة: قد لا أراني مجانبًا للصواب أو مبالِغًا إذا قلت: إنَّ العنوانَ "البحرُ والصحراءُ" يحملُ دلالاتٍ متعددةً تحيل على الواقع الذي يعيش فيه الأديب، وتساهم في تغييره، ناهيك بأنه قد جمع من عناصرِ تكميلِ الأثر الأدبي صدقَ العاطفة، وسِعةَ الخيال، والمعنى، ومعنى المعنى وما إلى ذلك، في لبوسٍ فنيٍ جديد، على شكل تأملاتٍ تصدر عن أعماق مبدعٍ مسكونٍ بالقلق، مرهفِ الإحساس، من روحٍ مفكرة متأملة تبحث عن خلاص في حياة إنسان العصر أو ربما عنِ انسجامٍ وتوازنٍ بين الروح والجسد في أقلِّ تقدير! أما اللفظُ فعذوبتُهُ بسلاستِهِ، قياسًا على قول الجاحظ: "فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان"! وكذلك المعاني، وهي هُوِيتُه، فإنها تشبه صاحبَها إلى حد كبير، كما تُظهرُها خصائصُ النص البنائية. يقول الجرجاني "فإن سلاسةَ اللفظ تتبعُ سلاسةَ الطبعِ، ودماثةَ الكلام بقدرِ دماثةِ الخِلقةِ"! (الجرجاني: الوساطة ص17).

"البحرُ والصحراءُ" صورةٌ فنية لثنائيةٍ متنافرة، فالحياةُ جوهرُها التناقض! وقد تكون متجاذبةً أيضًا، لكنها في الحالتين، هي صورةٌ مبتكرة ومؤثرة لأنها ذاتُ طاقةٍ انفعاليةٍ وأخرى إيحائية. يقول وليم بليك في كتابه "زواج السماء والجحيم": "لا تقدمَ بدون أضداد. فالجذبُ والدفع، والعقل والعزيمة، والحبُ والبغضاءُ، كلُّها ضروريةٌ للوجود الإنساني"!

ويقول ابن منظور: إنما "سمي الشاعر شاعرًا لأنه يشعر بما لا يشعر به غيرُه"! من هنا يُخيَّلُ إلينا بأنَّ مبدعَنا (ربما بفعل المرحلة العمرية التي بلغها) قد سئم العالم الواقعي المألوف، توقًا إلى عالم افتراضي جديد، وهما على طرفي نقيض، على ظهر طائر جناحاه: خيالٌ جامح وعقلٌ متأمِّل، لكي يرى واقعًا آخرَ أكثرَ غنىً واتساعًا، واقعًا يُلهم على التأمل والخيال وروحِ المغامرة في فضاء مغاير، وذلك فرارًا من المعاناة من أحداث هذا العالم، بعد أن ضاق بهما ذرعًا. الأمرُ الذي قد يعني من بين ما يعنيه رحلةَ اللجوءِ أو العودةِ إلى الجذور إلى الإيمان، وكذلك رحلة البحث عن الحرية والانعتاق، عن الحقيقة والمعرفة الروحانية، وحبًا بتغيير الواقع. فالفن الجيد هو الذي يطمح دائمًا إلى التغيير! وإن كنتُ أخشى ما أخشاه عليه وعلينا، من
تلكَ الشياطينِ التي تكمن في التفاصيل!

في خضم أجواء العولمة والحداثة وأمواجِ القلق والشك، وشقاء الإنسان بينهما! يضع
مبدعُنا، في مركز اهتمامه، محاولةً جادَّة لإعادة الإنسانِ إلى انسانيته، بعد أن ابتعد عنها أو كاد، واستغرق في متاهات التشظي من جشع وشهوة وأنانية ومادية ونفاق، كفعل جبرانِ في روحانيته التي استقاها من كافة الأديان، إذ ينزه نفسه عن الكذب والخداع والتملُّق في الشرق، وعن المادية الطاغية في الغرب! بحثًا عن تجليات الحق والخير والجمال، يقول الدكتور عبد الواحد لؤلؤه في دراسته الرائعة "البحث عن معنى" (بغداد، 1973) "لكي يكونَ العملُ الأدبِيُّ ناجحًا، يجبُ أن يتوافر فيه صدقُ التعبير عن واقع الحياة ودقة التصوير لمشكلات المجتمع"! لكي تصبحَ حياتُنا أسمى وأرقى وأجملَ، وهذا ما فعلَه مبدعُنا في رباعيته الخالدة!
أخيرًا، هنيئًا لنا ولك هذا الإنجاز الإبداعيُ الرائع، مع ما فيه من حرارة التجربة والكشف والتجاوز، فلا نضبَ دمُ يراعِكَ، ولا جفَّ معينُ إبداعِكَ! وشكرًا لكم!

(الكلمة التي ألقيت في حفل تكريم الأديب المبدع وهيب نديم وهبة الذي عقد في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسية، حيفا، يوم الخميس الموافق 16/01/2014 وقد شارك أيضًا كل من د. فهد أبو خضرة، والشاعرة سعاد قرمان. أما عريف الأمسية فكان الأديب والإعلامي نايف خوري).


محمد خليل

الدكتور محمد خليل: ناقد وباحث أدبي فلسطيني

من نفس المؤلف