بين مخالب الصقر

، بقلم غزالة الزهراء

رن الجرس عاليا، فاضت البراعم المزهرة كالشلال الجارف من رحم أقسامها، عملية روتينية كهذه دأبت عليها الصغيرات مذ أن وطأت أقدامهن الطرية رحاب المدرسة الأم، تفرقن كغيوم بيضاء إلى حيث سبيلهن مثنى وثلاث ورباع إلا فدوى أبت تماما أن تبرح موقعها الإستراتيجي المألوف، ركنت وحيدة هناك تحت أيكة متعانقة أفنانها، اللهفة الحقيقية نطت من عينيها الزمرديتين كريم يمرح بين المروج، إنها بانتظار قدوم والدها الغالي.

الوقت ينسحب متذبذبا متكاسلا، ولحظات الانتظار العسيرة في عسر الولادة تتعفن وتطول، ضئيل جدا ذلك الأمل الذي تمسكت به حاليا، لقد أخذ في التبخر رويدا رويدا من محيطها الزئبقي البهيج، نصيحة والدها تنغرس عنوة في أذنيها كغصن زيتون يانع: لا تغادري مكانك المألوف، انتظريني هناك.

كيف لها أن تجسر على العودة إلى البيت بمفردها وهي التي اعتادت امتطاء سيارة أبيها الفارهة؟ مقر سكناها يبعد عن مدرستها بكثير، لا أمل لها في العودة إذن، فماذا عساها فاعلة؟

قيل عن والدها أنه تعرض لحادث رهيب قبل وصوله.

تلفتت يمنة ويسرة، أرجفتها كومة الظلام التي أنشأت تدثر المدينة بدثارها الأشد قتامة، أخيرا تيقنت بحدس الطفلة البريئة أنها واقعة في شر ورطة غير محمودة العواقب.

دنا منها شخص غريب الملامح، تنبثق من عينيه الخبيثتين كل أنواع الشر البغيضة، سألها متلهفا كأنما وقع على كنز: لماذا تنتحبين يا صغيرتي الجميلة؟

ردت عليه باقتضاب: والدي.

- والدك؟ ما الذي ألم به؟
- لم يأت لاصطحابي إلى البيت كما عودني، أظن أنه نسيني، ولم يعد يحبني كما كان من ذي قبل.
ضحك ملء شدقيه وقال: أيعقل أن ينسى أب ابنته الحبيبة؟

غاب بين طيات الصمت للحظات كأنه يفكر في شيء ذي أهمية بالغة، ثم انبرى قائلا بتفاؤل: أتودين الذهاب معي؟

- لا، لا أريد.

واستمرت البرعمة الغضة تنتحب بصعوبة ينفطر لها القلب الآدمي.

هدأها بقوله الذي يفوح استخفافا وقذارة: لا تنزعجي مني، أنا أحب الصغار حبا جما، صدقيني.

لم تولي لقوله أدنى اهتمام حيث قالت عندئذ بصوت يتخضب أملا: سأبقى هنا ريثما يأتي والدي.

- كوني متأكدة أيتها العنيدة أنه لن يأتي في وقت متأخر كهذا، وإذا مكثت هنا بمفردك ستفتك بك الكلاب الضالة، ولن تعثري على من يهب للذود عنك آنذاك.

تحت وطأة الخوف واللاأمان اللذين تملكاها اندفعت هاتفة بثقة: ليس أمامي خيار آخر، سأذهب معك إلى حيث تريد يا سيدي.

تمر الشهور متتالية، لا بصيص أمل يتلألأ في الأفق البعيد، غياب فدوى عن المدرسة صار حديث الخاص والعام، كما أنه أثار تساؤلات عدة من قبل معلميها وزميلاتها، غيبتها المفاجئة غدت لغزا حير عقول الجميع.
- من اليوم فصاعدا اعتبريني بمثابة والدك، سأمثل دور الفقير الضرير، ساعديني على عبور الطريق، واجلسي بجانبي لنستجدي قلوب المارة.
- أنت لست بوالدي، لست بوالدي.
- ابتلعي لسانك أيتها القطة اللئيمة وإلا ستحتضرين جوعا بين مخالبي، أتفهمين؟

ثم صوب نظراته النارية نحو البقية، وأمطرهم بوابل من التهديدات: وأنتم كذلك إن لم تنصاعوا لأوامري الانصياع الأعمى ستتلقون العقاب الذي تستحقون.

ومضى بلهفة الظمآن يعد ما حصدوه من مال في هذه الأمسية المشؤومة، لم يكن راض البتة عما بين يديه، قطع نقدية يتيمة لا تكاد تسد جوعة ثلاثة منهم.

رفع رأسه نحوهم بتحد كبير، تفرسهم واحدا واحدا كأنما يسعى لابتلاعهم، صرخ في وجوههم كالرعد القاصف: هذا غير كاف أيها البلهاء، لقد صرتم متقاعسين في أداء مهمتكم، أو تظنون أنني سأطعم بطونكم الخاوية من غير مقابل؟

وقهقه عاليا حتى بان ضرسه المسوس الذي نخره التعفن.

تبادلوا النظرات القلقة فيما بينهم، اكتست وجوههم ظلال دهشة، وحيرة، ووجوم، إنهم يفتقرون إلى الشجاعة التامة للتصدي لهذا الصقر الجارح، مازالوا يرتعون في ميعة الطفولة، لم يبلغوا أشدهم بعد
- أنت (وأشار بأصبعه إلى رضوان): تعال، هيا تقدم، لم تعد نشيطا كسابق عهدك، ماذا دهاك أيها الأحمق؟

إذا تماديت في خمولك هذا فلن تحصد شيئا، ولن أطعمك، سأدعك تذوي أمامي، وتموت شر موتة.
- أعدك يا سيدي أن........
- اخرس أيها الشقي.

وعرك أذنه بقوة حتى كاد الدم يطفر منها.

وأشار إلى آخر وآخر وهو يرغد ويزبد، إنه كتلة من غضب ساحق، ومن حريق مهول.

كان يصطحب معه فدوى للتسول بعد أن لقنها قواعد اللعبة وفنونها كما يجب، أما البقية فقد تدربوا أحسن تدريب على يديه النجستين حتى صاروا من المحترفين المهرة، وهو بدوره يجني من ورائهم ما لذ وطاب من النعم.

كالعادة أخذ يعد ما استحوذ عليه الصغار طيلة اليوم، المبلغ كبير لا يمكن الاستهانة به، سيطر عليه الفرح سيطرة تامة، كاد يغني، وكاد يرقص، لا، لن يرقص، ربما هذا سيقلل من شأنه أمام الصغار، ويجعلهم ينفجرون ضحكا.

انبلج الصبح وضاء، ضاحك الثغر، مبشرا بمقدم يوم جديد، ياله من يوم رائق، وشائق، وجميل !

الصقر ممدد فوق سريره، يصدر من أحشائه أنينا مروعا، ويهذي من شدة الحمى التي أنهكت جسده، وفتتت أضالعه.

هب وائل من رقاده مذعورا، اقترب منه بضع خطواتك أنا هنا ياسيدي، ماذا تريد يا سيدي؟ أنا رهن إشارتك يا سيدي.

فتح عينيه الملتهبتين كالجمر اللاسع، نطق كأنه على وشك الاحتضارك هات لي ماء يا وائل.

- سمعا وطاعة يا سيدي.

سقاه ماء عذبا حتى ارتوى ثم انفرجت شفتاه عن صوت خفيض: أنت كبيرهم يا وائل، أنت المسؤول عنهم جميعا، لا تدع أحدا يغيب عن عينيك ولو لحظة، كن لهم بالمرصاد يا وائل، أتسمعني؟
- نعم يا سيدي.
- انصرف الآن، واعمل بنصيحتي.

كان الصقر يعتمد عليه في كثير من الأمور حتى صار ساعده الأيمن، ولكنه ينال جزاءه أضعافا مضاعفة إذا انحرف بعض الشيء أو أخطأ معه.

انزوى وائل غارقا في ممرات تفكيره حول هؤلاء الذين يحتسون نقيع المرارة مثله، وفي سيده المتغطرس الذي طال مرضه، ولم يعد يقوى على مفارقة سريره، أخيرا عنت له فكرة تعتبر الملاذ قد حفزته على تطبيقها دون تراجع.

اجتمع بهم وحدثهم كالكبار: أنتم تعرفون الصقر أنه جبار عنيد، وإذا تفطن لمكيدتنا ضده سينقلب علينا الانقلاب العسير، وحينها لن ننفلت من قبضته، لن يرحمنا، أتفهمون؟ يجب علينا أن نتحد يا إخوان، أن نتكاتف مع بعض، ونفر من هذا المكان المقرف، ومن سيدنا الشره الذي لازال يطالب بالمزيد، سنشتكيه للشرطة لأن الشرطة في خدمة الصالح العام. هل توافقونني يا جماعة؟

انطلقت الأصوات من الحناجر قوية مبتهجة: نعم، نعم، نعم.
- اخفضوا أصواتكم لأن الصقر مريض ونائم، اهدأوا، لا تثيروا الضوضاء يا صغار.

تقدم منه بحذر شديد، مد يده في خفة عجيبة، واختلس من جيبه المفتاح.

كان الصقر آنذاك غارقا في غيبوبة عميقة.