غدير، يوسف.....

، بقلم عبد الجبار الحمدي

كان لخرير الماء على سمعها سمفونية البحيرة الزرقاء... نظرت الى غدير الماء الذي ينساب مسترسلا يعبر بين مروجه التي عاش بينها، يتلمس نضارتها من روحه متى ما أضفاها عليها... راق لها ذلك البئر حين تطلعت الى عمقه وهو يخبيء للعطاشى ماء الوجود، رمت بالدلو لتسمع صوت ارتطامه بصدر الحياة التي افترشها رغم قمعه الماء في سجن بباطن مظلم... تذكرت يوسف حين رموه هناك في غياهبه متسائلة؟

ترى كيف هي لحظات الصمت التي قضاها أول مرة بعد أن صاح على من يمكنه أن يساعده؟ أن ينقذه؟!! ما هي صورة الحياة التي جسدها عقله؟ مخيفة الوحدة لاشك التي أحسها بعيدا عن كنف الحب الذي عاشه، الحب؟؟؟ هو الماء للروح التي تبحث عن خليل لها، أمسكت غدير بالحبل.. سحبته ليصعد الدلو وقد طفت على سطحه وردة... يا إلهي إنها وردتي التي احب!!! ما أجملها... ولكن!! من الذي رمى بك الى هناك؟ نَفَضَت الماء الذي غطى أوراقها على عينيها لتعيد صورة حبيبها مع ابتسامة وهي تقول: منكَ أروي عبق صورة حبيبي الذي طالما قدم لي الوردة التي أحب، أتراها صدفة... ان تكوني نوع الورد الذي أعشق؟ ها أنا انتظره منذ برهة وهي طويلة علي، لكنه لابد سيأتي، كم هو جميل حين يحمل بيده وردتي المفضلة، تلك التي جعلت علاقتي به نفحات عطر لا ينضب، إني أحبه بل أتبخر جوا وأنا بين أحضانه، ربما أكون مجنونة به!؟ لكنه مجنون بي أيضا... نظرت الى ساعة يدها... يا لقلبك القاسي يوسف؟! كل هذا الوقت تضيعه بعيدا عني، كيف أصبحت قاسيا هكذا...

كان خلفها يسمع هديلها حين قالت هذه العبارة.. مد يده إليها بالوردة وهو يقول: أبدا أني لا أستطيع أن اتنفس الهواء دون أن يدخل صدرك أولا، إني عاشق لك، غدير... أنت معي حتى النفس الأخير، هكذا قلت لك وسأبقى أرددها... ثم أمسك بيدها وسارا الى ذلك المكان الذي زامن همس ووجع قلوب شغفت الحب، طبع على شفاهها قبلة الحياة.. هكذا هي بالنسبة لهما أكسير الأمل حتى اللقاء التالي...

يوسف: غدير لقد جئتُ قبلكِ الى هنا، لكني جلست أتأمل البئر وأنا أسمع صداه حين أنادي بأسمك بداخله فيرجعه لأنتعش بترانيمه التي لا أملها، وقد هامت نفسي بعبق روحك، تراخت كل أعضائي، أسقطت الوردة وردتك التي احبها دون قصد... فانتبهت بعدها... تحسرت وقلت ماذا تقول إن رأتني دون تميمة عشقي لها؟؟ فعاودت مسرعا لجلب واحدة أخرى لك...
ضحكت وقد رمت بنفسها على صدره وهي تسمع ضربات قلبه تردد لحن حبها بداخله... استغرب يوسف منها!! فقال:

يوسف: ما الذي يضحكك؟؟

غدير: لقد كنت يا حبيبي أساير نفسي معك على هذا الغدير، سرت حتى منبعه كالمعتاد، رأيت البئر وقد تذكرتك... وتلك القصة عن يوسف النبي عليه السلام، الذي كانت بداية حياته من عمق مثل هذا البئر، فبرغم ما يحمله من حياة للآخرين إلا أن ظلمته كادت تقتله، بيد أن حكمة من خالق الكون جعلت من واقعه ذاك بوابة الى عالم الحياة الابدية.. فدلوت الماء وإذا بالوردة هاته تطفو على سطحه...

يوسف: يا للصدفة إنها الوردة التي سقطت من يدي!!!

غدير: أجل لكني لم أتوقعها كذلك، لذا دلفت احدثها عنك بالكثير مما دار بيننا حتى فاجأتني!؟
يوسف: غدير ستبقين أنت لي الى الأبد وسيرتبط اسمك كما ارتبط اسم البئر مع اسم يوسف، فأنت يا حياتي غدير يوسف، فلا حياة لأرضي التي حرثت دونك، فمعك أرويها لتثمر سنونا يقدر الله لها ان تكون، لقد صليت كثيرا من أجل ذلك...

غدير: وأنا كذلك يا حبيبي... صليت لأن تكون نصفي ... لا بل كلي حتى نكتمل معا روحا واحدة، إني دونك لا أدري من أكون؟؟ فكثيرا ما حاورت نفسي، قلبت صفحات أيامي الماضي طفولتي، صباي، فترة تفتحي كعذراء إنسية لم أجد في عيون الكثير ممن اختطلت معهم في مجتمع مترامي سوى صورتك أنت... أنت فقط، فكل حروفي الابجدية في الحب كانت معك، برغم أنَا كنا نتهجئها دون وعي، إلا أن تراكمها والسنون التي فارقت بيننا قد حفرت جملة واحدة هي أنك لي وأنا لك... هكذا قدر الله، وإلا أية صدفة غريبة جمعت بيننا بعد كل تلك الايام رغم أنحنائها وتعرجاتها مع تخبطات الاقدار التي رمت بك في وطن غير وطنك، كذلك فعلت معي عادت لترمي بمرساتنا في مكان واحد لنلتقي من جديد... دون حسبان ربما إلا من ذلك الخيط الرفيع الذي كان يربط بيننا، لكن الحروف التي كنا نرددها ونجمعها عشوائيا، تراصفت أحاسيس تدثرت تحت رماد المتغيرات وما أن ألتقيتك حتى أضرمت نفسها لتوقد نار الحب بعد ان أعادت صياغة تلك الحروف، فقلت لك أني أحبك وقلتها لي، لا يهم من قالها الأول؟ لأنها كانت في الأصل موجودة... كانت روحي قد لبست أجمل ما عندها من عطور حين التقيتك بل حين سمعت منك، أتذكر يا حبيبي؟؟

يوسف: كيف لي أن أنسى لقد كنت نسيج الحياة والامل بداخلي، فكل خطواتي التي ارنو هي بمثابة حلم يقظة نحوك، حتى جمعت أحلامي معك من تلك الصور الطفولية المتقاطعة كالحروف، جمعتها مذ رأيتك فتاة أحلامي التي أريد، ومثلما أحسست دائما بأنك ملاك حياتي بل غدير أيامي وعمري كله، إن كان الله قد أن انعم على يوسف بالملك والجاه، فقد أنعم الله علي بك انت، إنك يا حبيبتي كل شيء في حياتي بل انت حياتي نفسها...

غريبة هي الاقدار حين تريد ان ترمي بفصول ايامها على مسرح الدنيا الكبير، تراها تختار ابطال عرضها المسرحي بمنظورها المترامي الذي لا يحمل نهاية واضحة يمكن للمتلقى من الجماهير ان يلمسها إلا في أخر لحظة، وهذا ما يجعل الجمهور ينتظر الحدث الى النهاية، وحتى إن أنتهى تراها أي الاقدار تعاود لتملىء قلبه ووعيه بحدث جديد، يضطر الى ان يقطع تذكرة من أيام عمره ليشاهد العرض الآخر من الحياة وهكذا.... تجده لا يخلو يوما من البحث عن عرض جديد لمسرحية جديدة، قد يكون هو بطلها أو ينال دورا مساعدا او حتى كومبارس، وإن عجز سيكون بين المتفرجين ليصفق الى ما يجده يتوائم مع هوى نفسه، هكذا هي الاقدار تسير وتحمل بداخلها سيناريوهات نصوص كثيرة قد يتغير الزمن وخلفية الديكور والتصاميم او استخدام الفانتازيا لسرد الغرائب والاعاجيب، لكن الحب يبقى الحب تحكمه النواميس التي احياها الله في خلقه بغدير عفيف المشاعر ومصداقية يوسف.

تذكرا ذلك في صورة أخرجتها كاميرا الذكريات، حين كانت ترمي بنفسها على صدره وهو يمسك بخصرها وقد علت الابتسامة اشراقة صباح على وجهيهما، في حفل صغير شمل الاهل والاصدقاء في ارتباط مقدس بعقد قران أسموه غدير يوسف.