هل مرض الجامعة الجزائرية في أساتذتها؟

، بقلم عثمان آيت مهدي

تصريح شجاع ومسئول للدكتور أحمد عظيمي عن أسباب تدهور مستوى الجامعة الجزائرية، قلّما يملك باحث هذه الشجاعة فيجابه بها الحقيقة المرّة الغائبة أو المغيبة عن تفكيرنا ومعتقداتنا. يقول أحمد عظيمي: "إنّ من الأسباب الأساسية لضعف مستوى الطلبة بجامعاتنا يعود إلى ضعف الأساتذة". ويضيف: "كيف يعقل لأستاذ قضى عشرين سنة في التدريس بالجامعة ولم يخلف كتابا وراءه؟ وكيف لأستاذ يمنح النقطة بالمحاباة والتزلف لأرباب المال والجاه؟ هناك من الأساتذة من لا يقرأ، ولا يطالع، ويكتفي بمنح الطالب قدر كفاية ما يضمن له النقطة والنجاح، لا ما يضمن له الزاد العلمي والباع في التخصص؟"

لم تكن هذه المسألة جديدة عن الصحف اليومية وكلام الشارع وعند المسؤولين، لأن قضية تدهور مستوى طلبة الجامعة من سنة لأخرى تمتد إلى سنوات خلت، قد تعود إلى الثمانينات من القرن الماضي. كانت بدايتها محتشمة، محصورة لدى بعض الأساتذة الذين اتخذوا من الجامعة مطية لتقلد بعض المناصب السياسية العليا في الإدارة والحزب الواحد، هؤلاء من إطارات الدولة، استغلوا مناصبهم للتسجيل في الدراسات ما بعد التدرج، وقدّموا رسائل لا يعلم أحد موقعها من الإعراب، ونجحوا بملاحظة "جيد جدا". ثمّ انتقلت الظاهرة لتعمّ الكثير من الأساتذة الذين يعتمدون السرقة الأدبية وسيلة للحصول على الشهادات العليا. بعدما بدأ التعفن يمس بمصداقية شهادات ما بعد التدرج، قام البعض بتعميمها في الوسط الطلابي وفي مسار الطالب الدراسي، من السنة الأولى جامعي إلى سنة التخرج بدبلوم يؤهل صاحبه لوظيفة في التعليم أو الإدارة أو في مؤسسة ما، وبعدها أصبح الغش والسرقات الأدبية عملة رائجة التداول بكلّ الجامعات الجزائرية.

لا أحد يسأل عن أسباب هذه الظاهرة السلبية المتفشية في الوسط الجامعي، أساتذة كانوا أو طلبة، ولا عن نتائجها الوخيمة على المستوى العلمي الأكاديمي والبيداغوجي، وما يترتب عنها من سوء الخدمات والبيروقراطية والتسيب والإهمال الذي تعرفه معظم الإدارات والمؤسسات الوطنية. لقد أسند الأمر إلى غير أهله، فلا تنتظر خدمة من فاقد الشيء.

فتحت جامعة التكوين المتواصل الشهية لكثير من الإطارات الراغبة في تقلد مناصب عليا بمؤسساتهم، فافتكوا شهادات مزورة وتبوأوا مناصب لم يكونوا يحلمون بها. وفي ربع قرن، من بداية التسعينات من القرن الماضي إلى يومنا هذا، لفضت الجامعة الجزائرية مئات الألاف من حاملي الشهادات العليا دون مستوى علمي، ولا حركة فكرية أو أدبية أو ثقافية تعكس المبالغ الضخمة التي تصرفها الدولة على كلّ طالب حامل لشهادة الليسانس أو الماستر..

كثيرة هي العناوين بالصحف الجزائرية التي تفضح مثل هذه السلوكات المنافية للروح العلمية. تُعَنون جريد الشروق في إحدى صفحاتها: "السرقات العلمية تغزو الجامعات ودكاترة بشهادات كارتونية". تقول الجريدة: "شنت وزارة التعليم العالي والبحث العالمي مطلع الشهر الجاري حملة تطهير واسعة في الجامعات، عقب استقبالها لعدد معتبر من الشكاوى والمراسلات تتعلق بسرقات علمية تورط فيها أساتذة وطلبة ومسؤولون بالمعاهد والكليات، ما دفع عدداً من عمداء الجامعات إلى التحقيق في العديد من رسائل الدكتوراه والماجستير التي قام أصحابها بسرقات علمية غاية في الخطورة من مذكرات تخرّج عربية وجزائرية". وتضيف الجريدة: " تنام الجامعات الجزائرية على فضائح لا حصر لها لسرقات علمية جعلت من الطلبة أساتذة ودكاترة وباحثين بشهادات كارتونية لا تحمل غير الاسم، ومنهم من تبوأ مناصب رفيعة في مختلف أجهزة الدولة، ما جعل الجزائر تغرق في آفة ضعف التسيير وغياب الكفاءة.." أمّا جريدة الخبر فتكتب بعنوان: "فضيحة تزلزل كلية الحقوق ببن عكنون. إطارات في العدالة ينجحون بالتزوير" جاء في هذه الجريدة: "تحصلت "الخبر" على نماذج من كشوف نقاط لطلبة ضخمت علاماتهم لإنقاذهم من الرسوب أو الإقصاء، بعد أن قامت أياد خفية بالدخول إلى مركز الحسابات للكلية، وغيرت ما تراه نافعا في الأرصدة السنوية للطلبة، خلال فترة تكوّن الهيئة المخولة قانونا لهذه العملية في راحة." كلّ هذا يقع أمام أنظار الجامعة التي لم تحرك ساكنا، ومازال أرشيفها بدائياً يحتاج إلى تطوير ورقمنة لتسهيل عملية المراجعة السريعة لأرشيف المذكرات.

هذا غيض من فيض، لأنّ ما تتناوله هذه الأيّام الجرائد الجزائرية من فضائح علمية في الجامعات والمعاهد والكليات التابعة لوزارة التعليم والبحث العلمي يتقطّع له القلب ويندى له الجبين. في الأخير، أستسمح عذرا كلّ أستاذ حمل عبء التدريس بالجامعة بإخلاص وأمانة، وتخرج على يديه الطاهرتين أدباء ومفكرون ومؤرخون ومهندسون في مجالات شتى، وما أكثرهم! لكنهم يعيشون تحت أضواء باهتة، يحييهم الجوع ويقتلهم الشبع.