خسارة مصر في التحكيم الدولي

، بقلم عادل عامر

تزايد عدد القضايا التي رفعها المستثمرون الأجانب ضد مصر فى محافل التحكيم الدولية فى ظل غياب للشفافية حتى إننا لا نستطيع متابعة عدد القضايا التي وصل عدد المعلن عنها حتى اليوم أكثر من 22 قضية قد رفعت من خلال المركز الدولي لفض النزاعات المتعلقة بالاستثمار "جهة تابعة للبنك الدولي" وقد بلغ عدد القضايا التي رفعت ضد مصر بعد ثورة ٢٥ يناير أكثر من سبعة قضايا وتواجه مصر نتيجة هذه القضايا مطالبات بأكثر من 20 مليار دولار سنوياً فى مواجهة المستثمرين الأجانب، ولعل أشهر تلك القضايا قضية "سياج" للاستثمارات السياحية حول أرض طابا والتي تبين قيام الشركة ببيعها لمستثمرين إسرائيليين ليتم اللجوء إلى مركز التحكيم الدولي التابع للبنك الدولي في واشنطن ويصدر حكم بتغريم مصر 300 مليون دولار، ويليه حكم مركز التحكيم الدولي بـ "مدريد" الصادر بتغريم مصر 530 ملايين دولار فى قضية وزارة الطيران المدني وهيئة بريطانية حول مطار "رأس سدر" وما حدث بقضية الهرم أو جنوب الباسفيك بين وزارة السياحة وشركة بريطانية حول هضبة الهرم بعد قيام الجانب المصري بفسخ العقد المبرم ليُصدر حكم تحكيم ضد مصر بمبلغ قدره 36 مليون دولار وبعد تسوية الأمر تم دفع حوالي 19 مليون جنيه، نهاية بالقضية الأخطر والتي لم يصدر حكم بات بها حتى وقتنا هذا وهى قضايا التحكيم المرفوعة ضد مصر من قبل شركة الكهرباء الإسرائيلية وغاز شرق المتوسط وبعض الشركاء المساهمين فيها، وهم حسين سالم رجل الأعمال "الهارب" ومجموعة ميرهاف الإسرائيلية وشركة إمبال الإسرائيلية ــ الأميركية وشركة بي بي تي التايلندية والتي قد تؤدى إلى الحجز على طائرات مصر للطيران حال هبوطها فى المطارات الخارجية،أيضاً أملاك وأموال الحكومة المصرية في العالم عدا السفارات إذا لم تستطع الحكومة تسديد المبالغ. ولعل كل ما سبق يؤكد على وجود ثغرة قانونية فى النطاق القانوني لمسألة التحكيم فى مصر رغم كونه وسيلة مستحدثة لحل منازعات الاستثمار بعيداً عن القضاء التقليدي تتفادى ضياع الوقت وتوفر الجهد إلا أن المتوقع من تلك الوسيلة لم يتحقق نتيجة للعديد من الأسباب مما أدى إلى عدد من النتائج السلبية التي تهدم منظومة حركة الأموال والاستثمار مما يؤثر على اقتصاد دولة متهالك. أنه فى البداية لابد أن نعلم أن المشكلة لا تكمن فى التحكيم كأداة حيث أن قانون الاستثمار عندما تضمن بين نصوصه الالتجاء للتحكيم كان ذلك من عوامل حصول مصر علي المراكز الأولي في جذب الاستثمار فى فترة ولكن الأزمة هي طريقة التعاطي مع إعداد المحكمين التي انتهجت أسلوب يشبه "السبوبة"

فقد قضت المحكمة الفرنسية بتغريمها 100 ألف يورو تدفعها للحكومة المصرية، ومقابل تغريم مصر 10 ملايين يورو، بالإضافة إلي المصروفات القضائية التي بلغت 15 مليون دولار، ولم يتم تسديدها حتى الآن بل قامت بالطعن عليه.لصالح شركة "ماليكورب" الانجليزية والتي نصبت علي الحكومة المصرية وادعت أثناء تقدمها لإنشاء مطار رأس سدر أن رأسمالها 100 مليون جنيه إسترليني في الوقت الذي تبين فيه أن رأسمال الشركة الحقيقي لايتجاوز جنيهين إسترلينيين.

بعد أن نشرت المراكز بشكل عشوائي دون رقابة من وزارة العدل مما أخرج عدد من المحكمين يحملون "كارنيه" محكم دون كفاءة أو قدرة على صياغة عقود وهو ما تسبب فى خسارة تلك القضايا فى الوقت الذي لا يتم فيه اللجوء إلى أصحاب الخبرة فى المجال، بالإضافة إلى أن هناك عامل أخر يتمثل فى تضارب سياسات الاستثمار وقوانين التجارة الدولية وعدم إلمام البعض بالاتفاقات الدولية. أن الدولة تسعى دوماً لإيجاد حلول لبعض الإشكاليات التي تعوق الاستثمار وفى سبيل ذلك تم إنشاء المحكمة الاقتصادية ومن ثم إقرار التحكيم ضمن قانون الاستثمار كوسيلة لحل النزاعات من أجل الحفاظ على مصالح الوطن، وفيما يخص التحكيم فالحكومة لا تضع معوقات أمام الاستثمار رغم إصرار المستثمرين على تضمين العقود شرط التحكيم وهو ما يتطلب التواصل بين وزارتي العدل والاستثمار من أجل تقنين الأوضاع والعمل على إبراز كوادر قادرة على التصدي للتحديات الاقتصادية المعاصرة.

إن العديد من العوامل تؤثر فى الحركة الاستثمارية فى مصر مثل المعوقات البيروقراطية التي يصطدم بها المستثمرين الأجانب، تضارب سياسات الاستثمار، وعدم تشجيع الاستثمارات الوطنية وإنما يتم إبعادها بطرق مختلفة عن السوق المحلى والعديد من العوامل التي أضيف إليها مؤخراً "التحكيم الدولي" الذي ثبت من خلال الدعاوى التي يرفعها المستثمرين على مصر وتصدر أحكام بخسرتها نتيجة لعدم وجود كفاءات قادرة على التعامل مع الثغرات التي يضمنها بعض المستثمرين عقودهم بهدف استغلال الجهل بالاتفاقيات والقوانين لدى القانونيين المصريين والحصول على أموال تعويضات قد تفوق فى بعض الأحيان نسبة ما أستثمر فعلياً فى مصر مما يستتبعه انتقاص من الموازنة العامة للدولة التي لا تعد قادرة على التعامل مع الشأن الداخلي حتى يتم زيادة أعبائها من أجل استثمارات وهمية. إن قضايا التحكيم التي رفعها المستثمرون الأجانب ضد مصر كبدت الدولة خلال الـ 3 سنوات الماضية أكثر من 60 مليار دولار لان تزايد عدد القضايا التي رفعها المستثمرون الأجانب ضد مصر أمام التحكيم الدولية بعد ثورة ٢٥ يناير أكثر من سبعة قضايا، ليصل الاجمالى إلى 22 قضية رفعت من خلال المركز الدولي لفض النزاعات.

خسرت مصر 80% من قضايا التحكيم الدولي، بسبب عدم وجود قانون يسمح للمستمرين الأجانب أن يتقدموا بشكاوى ضد الدولة الذين يستثمرون فيها، إضافة لعدم وجود كفاءات قادرة على التعامل مع الثغرات التي يستغلها بعض المستثمرين بعقودهم ن مشيرا إلى إن أموال التعويضات تفوق فى بعض الأحيان نسبة ما أستثمر فعلياً فى مصر . لان مدة دراسة قضية اى قضية تحكمية تستغرق حوالي 6 أشهر ويتم خلالها القيام بدور الوسيط لحل الخلاف بين المستثمر والحكومة، وإذا لم يتم حلها يتم رفع قضية. ولان الحكومة المصرية تنتهج خطة حاليا من شانها "التراضي " من خلال إنهاء النزاعات بين المستثمرين الأجانب بحلول توافقية أن التحكيم كوسيلة وكشرط فى العقود لا تأخذ به بعض الدول ومع ذلك فإنها من أكثر الدول جذباً للاستثمار حيث أن المستثمر دوماً ما يبحث عن الأسواق الاقتصادية الأكثر استقرارا، وللعلم فإن السياسة الخاطئة فى التعامل مع التحكيم كبدت العالم العربي خسارة أكثر من 750 قضية تحكيم، بخلاف المشروعات المتوقفة دون حلول حتى اليوم. شركة "ماليكورب" - أحد الشركات التي التجأت إلى التحكيم ضد الحكومة المصرية فى قضية ميناء رأس سدر والتي خسرتها مصر مقابل تعويض الشركة بمبالغ وصلت إلى 530 ملايين دولار –

إن التحكيم كبديل موازى للقضاء أفتقد الثقافة الخاصة بالتحكيم مما لم ينتج عنه فى النهاية إلا نقص فى الكفاءة القانونية، إلى جانب غياب الرقابة والتوعية أنه فيما يخص قضية شركة "ماليكورب" فقد تم الالتجاء إلى المكتب الكندي بباريس للدفاع عن مصر أمام مركز "الأكسيد" التابع للبنك الدولي والذي طالب كثير من فقهاء القانون بضرورة إعادة النظر فى الخضوع لاختصاصاته، بسبب تهديد أحكامه للمصالح الوطنية ، وهو ما يتم بالفعل فى كثير من الدول العربية التي خسرت أمام هذا المركز عشرات المليارات وهو ما تم بالفعل فى قضية ميناء رأس سدر.

كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية

عضو والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف