جريمة كاملة

، بقلم محمد يوسف

في ركن ذلك العنبر كان يهذي ويتمتم بكلمات غير مفهومة ، لم أتبين منها غير " أحبها " ، اقتربت منه ، كنت في بداية عملي كطبيب ، تخرجت منذ فترة قصيرة ، ساقني حظي للعمل في ذلك المستشفى الشهير للصحة النفسية ، في أول أيام عملي دخلت العنبر دون أن أقرأ ملف أي مريض به ، دفعني حب الاستطلاع لرؤية المرضى ، دون أن آخذ رأياً مسبقاً ، حتى أني لم أكن مرتديا البالطو الأبيض. لفت نظري شكل هذا الرجل بوسامته وهندامه المنمق في ملابس المستشفى. جلست بجواره دون أن أنطق بكلمة واحدة .. أخرجت علبة سجائري .. قدمت له واحدة أخذها دون أن ينظر إليَّ .. أشعلت ولاعتي .. قربتها من رأسه الشاخصة لأعلى، نار لفتت انتباهه تتصاعد من الولاعة ، نظر لعميق الشعلة ، ابتسم ، داعبها بإصبعه دون أن يهتم ، حتى أني لم أبعدها عنه ، مركز الوعي لديه جعله ينزعه من بين النيران كمن ينزع روحا من جسد ، أطراف السيجارة المشتعلة أشبعت غروره حين بدأت في الاحتراق ، أخذ نفساً عميقاً ، متبوعاً بآهة صدرت من أعماقه، شعرت بها تلفظني بعيدا، أطلقت أول كلمة من فمي متوقعا لصمته الجلي أن يبتعد عني ، لكنني فوجئت به يمسك يدي ويضغط عليها بقوة ، حتى أني شعرت أنها ستنكسر ، تحملت الألم ، أردت أن أعيش المشهد لنهايته ، حتى بدأت أصابعه تتراخى رويدا رويدا. نفس النظرة المتحجرة تستولي عليه ، وتستقر في أعماقي ، قررت الانسحاب حتى أقرأ ملفه ، هممت بالتراجع للخلف ، وأنا أنظر إليه ، توقفت حين فتح فمه ، وبعينيه ناداني ، بإشارة من يده رجاني أن أجلس بجواره ، بمنتهى الرشاقة كنت أتكور أمامه كتلميذ في فصل يحتاج أن يتعلم شيئاً ما أو يتسوعب درساً صعب عليه فهمه ،
سألته : من أنت ؟


ضحك ، لاحت أسنان متباعدة مابين فارغ مكانها ، ومأكول نصفها ، لبشاعة مظهر فمه أبعدت عيناي عنه ، صوته تختلط حروفه بأنفاسي ، تظاهرت بالابتسام ، 
قال : أنا لست مجنونا كما يظن الناس .. بل أنا ضحية مشاعر قتلتني قبل أن تسبقني يداي إلى رقبتها ، حتى كانت كعود يابس يتكسر بين كفي... نعم لقد قتلتها ، لم ادعها إلا بعد أن تأكدت أن عظمها قد تحول إلى قطع شتى ، قبل أن أسأله ؛استرسل في الحديث: بالتأكيد ستسألني لماذا فعلت ذلك ؟
إنها طبيعة الخيانة في الأنثى، تخرجتُ من الجامعة ، أسرعت للارتباط بها حتى لا يسبقني أحد إليها ، حاولت كثيرا البوح لها، لكنني لم أجد غير الصدود والتجاهل ، بعت قطعة ارض كانت ميراثي من أبي جاءت لي بملايين ، جهزت بيتا ، واشتريت سيارة فخمة ، قدمتهما لها حتى وافقت على الزواج مني ، تم الزواج ، عشت مع جسد صامت لا حياة فيه رغم جمالها الأخاذ ، حتى أتت على أخضري ويابسي.

باهتمام سألته عيناي أن يزيد .. لم أكن في حاجة للطلب ... تمادى في الكلام : حتى اكتشفت يوما خيانتها ومع من ؟ مع بواب البرج السكني رأيتهما بنفسي على سرير البواب عارية ، جسدها يشع رغبة كم كنت في شوق لها ، انتظرت حتى دخلا في نار العشق ، وحتى توحد جسديهما. النار تتنافر داخلي ولحظات من المتعة تعتريهما، لم تكن تشعرني بتلك المتعة أبدا حتى أن شفتيها لم ترغبني ، ومسام جسمها تلفظني عكس ما أرى أمامي وهي في أحضانه ، فكرت في قتله على الفور واستغلال رغبتها لأحل محله ، لكن قدماي تعاندني، يا لوقاحتها، رأتني دون أن تتحرك وتنفصل عنه، بل زادت توحداً... لقد شعرت بعجزي وعدم قدرتي على فعل شيء، فكرت . هل أتركهما وأرحل ؟ هل أجمع شتات نفسي وأبتعد ؟ هل وهل وهل وأسئلة بلا أجوبة ، ربما كنت لا أرغب حينها أن أجد لها تفسيراً ، لقد قتلتني قبل أن اقتلها ، العجيب أني لم اقتلها في حينها بل تراجعت ، أخيراً هربت لشقتي، ألقيت جسدي المُنهك على الكرسي المواجه للباب وأنا أحمل هماً ثقيلا ، أريد أن ألفظه من صدري ، هاهو مفتاح يدور في قلب الباب يا لوقاحتها هل تجروء أن ترجع للبيت؟ ، تحفزت لمواجهتها ، دخلت هادئة ، ووجنتين في أخر مراحل الاحمرار وعيون غير التي أعرفها ، وملابس لم تنتهِ من إسدالها على لحمها العاري. تركتْ الباب مفتوحاً ، طلبت منها إغلاق الباب لكنها لم تبالِ بل توقفت أمامي ، التصقت بفخذي ، رائحته تنساب كشوك في قلبي من بين ملابسها ، أغلقت أنفي حتى لا أشمها لكنها اقتربت أكثر يالوقاحتها ثالثاً وأخيراً وأبداً ، أسندت يدي على حد الكرسي محاولا الوقوف ، لكن حواسي توقفت ، لم أملك غير اشارة لها بالجلوس بجواري ، لم أسألها ماذا حدث؟ ولماذا فعلت ذلك ؟ بل سبقتني يداي لرقبتها ، قتلتها نعم قتلتها .. حتى تختفي هي ومشاعري المتبلدة عدا عن لحظة وحيدة كانت الأولى والأخيرة التي أعرف فيها نفسي حين سمعت صراخها ، أخيراً استكان الجسد الذي كنت اتمنى منه لحظة كتلك التي رأيتها في الأسفل ، لازلت تنظر إليّ ، أغمضت عينيها .. امتلأت الشقة بأناس لم أدرِ من أين جاءوا، صرخت فيهم ، إنها فاجرة ، عاهرة ، لم تعطني من رحيقها كما وهبت ذلك البواب النتن ، كنت فقط أريد منها قبلة واحدة ، استمر هذياني حتى جاء من أخذني لقسم الشرطة وبعد التحقيقات وبرغم اعترافي بقتلها ، أتوا بي إلى هنا ، يهمس بينه وبين نفسه "الآن هدأت نفسي حين اعترفت لمجنون لن يدرك معنى كلامي" ، لا يعرف سري سواك ، حتى اني لم أعرف من انت ... ادعيت الجنون حتى أنه ضحك كثيراً حين رآني أعبث في شعري ، بخطى متثاقلة وصلت لغرفة الأطباء ، وقعت عيني على ملف يحمل صورة الرجل ... ترددت هل أفتحه ؟ بعد تردد قررت قراءته،
في أول صفحة كانت صورة الرجل و بياناته :

الاسم : فلان
المهنة : ........ !!!!!!!!!!!!!!!
التهمة : البلاغ الكاذب

الحالة الطبية : يوصى بوضعه تحت الملاحظة الطبية لفحص حالته العقلية .