أحبب وافعل ما تشاء (١) في المحبّة تسكن كلّ القيم.

، بقلم مادونا عسكر

القيم هي المبادئ العليا الّتي توجّه سلوك الجماعة وتساعدها عل التّمييز بين الصّواب والخطأ كالتّسامح، والحقّ والقوّة والعدالة والإرادة...، ومن خلال اكتساب القيم والسّعي للحفاظ عليها يرتقي الإنسان بإنسانيّته حتّى يبلغ كمالها.
كلّ إنسان يحمل في داخله القيم، لأنّه هو بذاته قيمة، ولكنّ الفرق بين إنسان وآخر هو السّعي لتعزيز هذه القيم والسّلوك بها رغم كلّ العوائق. كذلك كلّ إنسان يحمل في ذاته جوانب مظلمة تحول بين إرادته في سلوك هذه القيم وبين عدم سلوكها. بمعنى آخر، غالباً ما يكون الإنسان في صراع بين إرادة الخير الّتي فيه وإرادة الشّرّ. فكم من مرّة قمنا بعمل لا يتوافق وإنسانيّتنا ثمّ تساءلنا عن سبب الفعل؟ وكم من مرّة أردنا أن نسلك بإنسانيّة وتراجعنا؟ وهل نسلك في القيم الّتي نحملها ونكتسبها، بإرادة حقيقيّة أم أنّنا أحياناً نتغنّى بها وحين يتطلّب منّا موقف ما السّلوك بإنسانيّة نتراجع؟
إنّ الإنسان تركيبة غريبة، وتحتاج إنسانيّته للبنيان. هو في هذه الحياة مشروع إنسان إلى أن يحقّق في ذاته إنسانيّته فيصير إنساناً. من الصّعب على الإنسان أن يظهر صورته الحقيقيّة الكاملة وذلك لأنّه لا يعلم حقيقته بشكل كامل. كلّ ما يعرفه يبقى يسيراً أمام المعرفة الحقيقيّة وبالتّالي ما لم يبحث عن ذاته في ذاته، يبقى عابراً في هذا العالم، عاش على هامش الحياة ومرّ فيها دون أن يحقّق ذاته وكيانه الإنسانيّ. الإنسان بناء خارجيّ وداخليّ، ويُبني الخارج بالعناصر الطّبيعيّة كالهواء والحرارة والطّعام والشّراب...، ويُبنى الدّاخل بالقيم الّتي بدورها تنعكس على الظّاهر وعلى فعله الإنسانيّ.
هذه القيم، لا بدّ أنّها تحتاج إلى مقياس، أو إلى نبع تستقي منه كلّ قيمة، كيما تكون موجّهة بشكل إراديّ، نابع من قلب الإنسان، دون مصلحة أو شرط. فإن اختار الإنسان أن يسلك في القيم لسبب ظاهريّ فكأنّه لم يسلك، وبالتّالي ستكون إرادة الخير للبنيان هشّة، وتسقط مع أوّل مواجهة لصعوبة أو ضيق.
القيمة العليا أو النّبع لكلّ القيم هي المحبّة. والحديث هنا عن انفتاح عقليّ وقلبيّ على الحياة وعلى الإنسان، وليس عن محبّة عرضيّة لأفراد معيّنين يحملون خصائص تجمع النّاس ببعضها. المحبّة القيمة، هي الانفتاح على الجميع بالعقل والقلب، دونما الذّوبان في بعضنا البعض، وإنّما كي نساهم معاً في بناء بعضنا البعض.
أحبب وافعل ما تشاء. حين تنفتح على الآخر وتحبّه لن تتمكّن من إيذائه أو الانتقاص من كرامته الإنسانيّة، وبالتّالي بالمحبّة يتحقّق الاستقرار في الجماعة وتتحقّق القيم المرجوّ الوصول إليها حتّما نرتقي معاً إلى الإنسان الحقيقيّ فنبلغ إنسانيّتنا.