أبو حسن...

، بقلم فيصل سليم التلاوي

كانت هيئة جارنا «أبو حسن» من الصور الرئيسة التي علقت بذاكرتي منذ أيام طفولتي الأولى، خاصة أيام الجُمَع، عندما كان يمر من أمام بيتنا في طريقه إلى المسجد. فقد كنت أتأمل عن بعد قامته المديدة، وقمبازه الكحلي الوحيد، وحطته الناصعة البياض، فإذا اقترب منا نحن جماعة الأطفال الصغار المتحلقين حول بعضهم، اللاهين بألعابهم، تمعنت عن قرب في قسمات وجهه الأبيض الممتلئ، وذقنه الحليقة وشاربه المشذب بعناية على غير عادة الرجال عندنا، وملامحه التي تشي بالعز والوجاهة لصاحب هذه الطلة البهية.

هذا ما كنت أستشعره كل يوم جمعة، وأنا أترقب إطلالة «أبو حسن» في غدوه لصلاة الجمعة ورواحه منها، وأنا بعد طفل لم ألج أبواب المدرسة. فقد كانت هيئته أيام الجمع مغايرة لهيئته في باقي أيام الأسبوع، التي كان يمضيها عاملا زراعيا بأجر يومي عند مُلاك القرية، فيوما تجده حاملا فأسه على كتفه، متجها صوب كرم ليعزق أرض فلان، ويقتلع منها الأعشاب، ويعتني بالأشجار فيجعل لكل منها حوضا خاصا تتجمع فيه مياه الأمطار، ويوما تجده يقلم أشجار شخص آخر، ويوما يقيم جدارا تهاوى في مزرعة شخص ثالث، أما في موسم حصاد القمح والشعير أو موسم قطاف الزيتون، فإن " أبو حسن " كان يجد فرصة لعمل متواصل لأيام معدوات دون توقف، بدل البحث عن عمل متقطع يوما بعد يوم.

هكذا عرفت أبو حسن في باقي أيام السنة، مرتديا قميصه وسرواله ومعطفه البني، الذي لا يفارقه في ذهابه وإيابه، لكنه يتخلى عنه ويودعه غصن شجرة أثناء عمله.

لم يكن مسكن " أبو حسن " بعيدا عن بيتنا، فقد كان على بعد أمتار قليلة ناحية الجنوب، بيت متواضع مكون من غرفة واحدة ومطبخ، وحوله ساحة صغيرة. يعيش مع " أبو حسن " زوجته أم حسن، التي كانت تمضي نهارها وراء ماكنة الخياطة أثناء غياب زوجها في الحقول، فقد كانت الخياطة الوحيدة في القرية، تقصدها النساء لخياطة ثيابهن و سراويلهن و ثياب بناتهن.

و رغم هذه الكنية التي اشتهر بها أبو حسن، والتي لم أكن أعرف له اسما غيرها، فإنه لم يكن لديه حسن و لا غير حسن من البنين، إن هي إلا ابنة وحيدة. أما شقيقتاه فقد كانت تأويان في جحر مجاور يمكن أن يسمى تجاوزا مسكنا، و إن كان أقرب إلى تجويف المغارة منه إلى أي مأوى آخر.

لم يكن لأبي حسن أقارب أو أصهار في قريتنا، حتى شقيقتاه على جمالهما فإنهما قد كبرتا و تجاوزتا سن الزواج، و لم يتقدم لخطبتهما أحد فيما أعلم.

وكنت على صغري آنذاك أرثي لحال أبي حسن، و أجد في نفسي حنينا و ميلا يقربني منه، و أرى في نظراته و ملامح وجهه ما يشي بمهابة آفلة و أيام عزٍ قديم، و يظل السؤال يحيرني:

لماذا يعيش أبو حسن في قريتنا و كأنه غصن مقطوع من شجرة، لا عم له فيها و لا خال؟ و لماذا لا يملك فيها شبر أرض، و لا حتى مكان المسكن الذي يأويه؟ من أين أتى؟ و لماذا لا يأتيه أحد زائرا؟ و لم نسمع يوما أنه ذهب لزيارة قريب؟

ترى هل هو مطالب بدم و ملاحقٌ قد أُجليَ من بلده إلى قريتنا، فلا يستطيع العودة إليها؟
كانت تلك الأسئلة تدور في رأسي الصغير و تستقر فيه، فأحتفظ بها لنفسي و لا أفاتح بها أحدا.

بقيت سنوات في حيرتي بشأن " أبو حسن "، حتى كان يوم من أيام شهر حزيران عام ألف و تسع مئة و سبعة و ستين، بعد أيام معدودات من احتلال إسرائيل للضفة الغربية، عندما تجمع نفر من أبناء قريتنا شيبا و شبانا، و استأجروا باصا ليذهب بهم إلى فلسطين المحتلة قبلنا عام ألف و تسع مئة و ثمانية و أربعين، و التي لم تشاهدها عين أحدهم قبل ذلك، سوى القلة القليلة التي تعرفها قبل احتلالها، و حتى هؤلاء على قلتهم أبى أكثرهم الذهاب، و فضل أن يبقى محتفظا بالصورة التي تختزنها ذاكرته ليافا و حيفا و عكا، على أن يراها على هيئتها الحالية، و قد خلت من أهلها و استوطنها الأغراب، و تبدلت من حال إلى حال. لكن ما حيرني أن " أبو حسن " و أم حسن كانا أول الصاعدين إلى الباص، وجلسا في المقعد الأمامي خلف السائق مباشرة، و لعل هذا ما حفزني على المشاركة في هذه المغامرة.

دسست نفسي على صغري بين الحشود التي ملأت الحافلة، متشوقا أن أرى فلسطين التي لهجت ألسنتنا، و بحت حناجرنا بالهتاف لها منذ تفتحت أعيننا على الحياة، و التي طالما حلمنا بالعودة إليها على هيئة غير هيئة عودتنا الحالية.

ذهلت عن نفسي، و ما تذكرت أنني لم أخبر أحدا من أهلي، بأنني ذاهب مع الركب المتوجه صوب يافا أولا، ثم سائر مدن فلسطين، إلا بعد حين و بعد أن قطعنا شوطا من الطريق، لم يعد معه التذكر مجديا.

رغم لهاث حافلتنا القديمة و زفراتها المتقطعة، إلا أن الطريق إلى يافا التي كانت قبل بضعة أيام تبعد عنا مسافة دهر بطوله، ما استغرقت منا سوى أقل من ساعتين، عندما صاح السائق الذي يعرف أبو حسن و يعرف يافا جيدا:

نحن الآن على أبواب يافا، و سأريكم ميدان الساعة أولا، و مسجد حسن بيك و حي المنشية، و أبو حسن يقاطعه و يستحثه:

بل إلى طريق "سلمة" الله يخليك. فيرد عليه السائق:

لن نتأخر كثيرا، جولة سريعة ليشاهد الشباب وسط المدينة، و بعدها نتوجه حيث تريد، هذا إذا بقيت "سلمة" و بقيت "يازور" و بقيت "الشيخ مونس" و بقيت "بيت دجن" و بقي شيء مما تعرف يا "أبو حسن".

جالت بنا الحافلة سريعا وسط المدينة، و عدد لنا السائق معالم يافا الشهيرة القليلة الباقية على حالها، ثم انطلق بنا تحت إلحاح "أبو حسن" إلى طريق "سلمة" التي يعرفها جيدا .

كانت الدنيا غير الدنيا التي يتحدث عنها سائق الحافلة مع "أبو حسن"، حيث البنايات الشاهقة على جانبي الطريق، و المزارع التي يعرفانها قد تبدلت أحياء سكنية، و أسواقا حديثة تشقها شوارع واسعة، لكن السائق استمر في سيره و هو يكرر لأبي حسن:
لن تجد شيئا على حاله يا "أبو حسن".

و ما هي إلا دقائق معدودة حتى توقف سائق الحافلة فجأة، و أشار بيده ناحية اليمين، و رأيت "أبو حسن" ينتصب من مقعده واقفا، و يلقي بنفسه من باب الحافلة، ميمما وجهه صوب البناية التي وقفت الحافلة أمامها فاردا ذراعيه على سعتهما، كأنما يريد أن يحتضن العمارة ذات الطوابق الأربعة احتضانا. خطوات قليلة توقف بعدها أبو حسن عن اندفاعه، كأنما زاغ بصره و تنكبت خطواته، و خرَّ على و جهه صعقا.

و اندفع ركاب الحافلة يحيطون به محاولين إيقاظه من غيبوبته، بينما هرعت أنا الفتى الصغير بينهم إلى أقرب شقة في العمارة التي كان أبو حسن يتوجه صوبها باحثا عن قليل من الماء، نرشه على وجهه، لعله يفيق من غيبوبته.

و سمعت سائق الحافلة يقول للركاب:

إنها عمارته و هذه الأرض التي ترونها على مد البصر أرضه، و بياراته التي كانت كلها لأبي حسن الذي لا تعرفونه، ابن مختار "سلمة" و كل هذه الأرض كانت ملكا لأبيه.

كان سكان الشقق الثماني يتطلعون من شرفات مساكنهم أو من نوافذها صوبنا نحن ركاب الحافلة، المتحلقين حول رجل منا ملقى الأرض في غيبوبة.

قرعت باب أول شقة في الدور الأرضي و طلبت قليلا من الماء. ناولتني المرأة ساكنة الشقة وعاء فيه ماء، عدت به مسرعا فرششنا منه على وجه أبي حسن فأفاق من غيبوبته، و عدت من فوري لأرد الوعاء للمرأة فإذا هي تسألني بلغة عربية و لهجة مصرية:

ما به؟ و ما الذي أصابه؟ فأجبتها :

إن هذه العمارة عمارته.

فصمتت و لم تعلق بشيء، أو أنني ما انتظرت حتى أسمع منها أو من غيرها من السكان أي تعليق.

عدت إلى ركاب الحافلة الذين ساعدوا "أبو حسن" على النهوض و الصعود إلى الحافلة، و عدنا أدراجنا منكسي الرؤوس طيلة الطريق كأن على رؤوسنا الطير.

ما رأينا من فلسطين غير جزء يسير من يافا، و عمارة أبو حسن في سلمة.

عندما توقفت بنا الحافلة في ساحة القرية كانت الشمس قد آذنت بالمغيب، فانسل كل منا صامتا إلى بيته. و وجدت أهلي ينتظرونني في قلق و حيرة، بسبب غيابي طيلة النهار دون أن أعلمهم عن وجهتي و مكاني. و استقبلني والدي من غيظه بالشتائم و الصراخ، و تبعني بعصاه يريد أن يهوي بها على بدني، فيكسر بها أطرافي جزاء ما جلبته لهم من هم و غم طيلة النهار، و حتى لا أعود لمثلها مرة ثانية. كان يجهد نفسه في تتبعي و أنا أفر من أمامه صائحا:
هل تعلم أن أبو حسن طلع ابن مختار " سلمة " و عنده عمارة و بيارات و ابن عز مثل ما قلت لكم دائما.

توقف والدي عن مطاردتي و هو يسأل:

ماذا قلت؟

قلت الذي سمعت، "أبو حسن" ابن مختار " سلمة "، و له عمارة أربعة طوابق و أملاك كثيرة، و قد أغمي عليه اليوم عندما رأى عمارته. فذهل والدي مما سمع، و كف عن مطاردتي و تقريعي، و غاب في صمت عميق.