حائطيات طالب المقعد الأخير ١٨

، بقلم نوزاد جعدان جعدان

الدار في فرض حصار وأنا في فرض حصار
كسجين يصنع المخارز والمسابح
أشتري لكم الهدايا وأعتلي الأحلام بخطواتي الضيقة
الحصار واسع جداً يا أبي وأنا أفقد الكثير من الأسماء
قبل أن تترجل عن حصانك فكّر في الأرض التي تدوس عليها
بيتنا صغير وعندما يستيقظ أحدنا في الليل
نخشى على أصابعنا المتعبة
تغيّرت ألعاب هذا العام وزاد انقطاع الكهرباء
إذاً لنتحدث
منذ زمن أصبحت هوايتي كسر الفناجين
كل صباح يمر سائق الحافلة يحتسي معي فنجانه
أقرأ فنجانه
يحلم بأن يأخذ كل الركاب من الغابة
لكن الحلم صباحاً موجع
والحافلة لا تلقط ركاب الطائرة
المدينة في فرض حصار وأبي يطمئن إخوتي
أنه في العيد سيشتري الحلوى وثياباً جديدة
ونزرع الريحان أمام عتبة البيت
وعندما تنتهي كل الفرائض وتصبح القلوب باردة كالفخار
بعد قليل
القليل كبسطات البندورة الممتدة في سوق الجمعة
سوف نزين سطح البيت بالنواسات الملونة
ونحفر بئراً يسقي أرض كل الجيران
***
خذلتني مراراً لكنني لا أملّ الحلفان باسمها
أحب ذاك الطريق الذي أمر به تحت شرفتها كل مساء
أما الحفر فتعودت عليها
لا داعي لأعمال الطرق
أنا أرقص على الطرق الوعرة وغرفتي ممتلئة بالحفر
إنها الموضة هذا العام الثياب الحمراء والرقص من غير موسيقى
ثمة مقابر لا تتوقف عن إزعاج أحلام الموتى
أريد قطع الكهرباء عن المدينة كلها
وأحمل شمعة صغيرة حتى لو احترقت يدي
كأول مساء مررتُ به أمام بيتكِ
ركضت كما ركضت مراراً في حقول الكمون وأنتِ تضحكين أمامي
هزيلاً وقزماً أراقب المدرعات بعينين حمراوتين كالدبس الذي تركناه فوق سطح بيتنا
لا فائدة مني هناك موت وزيزفونة
هناك لا تنفع العبارات ولا سلال الزهور
معامل الأحذية منتشرة بكثرة هذا العام، ولكن المارة حفاة
كل مساء أمر قرب شرفتك
أصبحت هوايتي جمع الأشياء الصغيرة إلى أن تكبر فيَّ وتفجرني
كما يفجر إرهابي نفسه في حافلة مدرسية
عندما تغلق المدينة أبوابها الكبيرة وتبقى الأشياء الصغيرة حزاماً ناسفاً فينا
***
ليس في أبوابنا ما يشبه السلاسل
من أين كل هذا الحديد؟ ..
الموت الذي استقر في قريتنا ثقيلاً كعربات القش
لا يميز رائحة القطيع ولا يشبه صوت أجراسه
الفرح الذي لا يكتمل طرق أبوابنا
كأي مسافر مرّ باستراحة تبيع المياه الغازية ومضى
كالجنود الذين يقطفون أزهار قريتنا ليفرحوا بها فتيات المدينة
هناك كثيراً ما الفرح لا يكتمل
حين تشتري قميصاً فيتمزق حذاؤك الذي مضى بك إلى دروب وعرة
كأننا تغزلنا بالنسيم طويلاً حتى هبَّ التراب على وجهنا
لم تعد تلك الأشجار العالية تنحني أمام قامتنا
ولكن سيزهر اللوز قريباً وتتغير الكلمات
حين أملأ الكيس لوزاً وأرشه بملح اليود المحلي
ويخضر صوت الكعوب العالية
تلك المزركشة كالربيع في شوارع الصالحية
سيخرج الخلد الجريء من غرفته
وتتغير كلماتي الممتلئة كمحطة وقود
لا تملأ مركبات أحد إنما أرش بها أجزاء غرفتي
غرفتي القابلة للإنعاش والصالحة للحياة كأي صندوق مفرقعات
ككيس الخبز اليابس المعلق على الشرفة
سأتركها لأول «حوذي» حين يكتمل الفرح
***
كيف لكِ أن تصلي بحذائك العالي وبيتي في أعلى التلة؟
أنا لا أستطيع النزول
الخريطة المعلقة على الجدار لا توصلني إلى حقول الزيتون في قريتنا
ثمة ذكرى سيئة للطائرات التي تقترب من أعشاش العصافير
خطواتي جلية كختم المخالفات
لن تتعبي في تتبع أثرها
كل مساء أعود إلى البناء نفسه
بيتي لا يتغير
على الدرج صوت سعالي
لا يوقظ الجيران المختبئين وراء الباب
ولكن حينما أضحك يتلصص الجميع من ثقب الباب
مفتاح بيتنا القديم صار صدئاً
متشائماً بلعتُ كل أقمار المدينة الليلة
أصبحت العودة كأي كتاب يروي عن أطلال الحضارة القديمة
كل ما عبثت به لم يبقَ منه سوى الابتسامة الموجعة
كأي أغنية حزينة
أسافر ضاحكاً
وأنظر إلى الأرض حين يحدق بي الركاب
في القطار
على الباخرة
في الطائرة
على ظهر الحمار
وأنا مسافر كثيراً أمام النوافذ البرتقالية
أحمل حجراً كتلك الحجارة التي تبثها وكالات الأنباء
ربما أنحت عليها حمامات
وأرسلها لك سراً مع أول «بوسطجي»
لا يلبس أحزمة حديدية
يدخل المطارات من دون تفتيش
عندما تأتين حافية
دون أن تخشي أن يرى الجيران طولك الحقيقي