هجرة الروح وهجرة الجسد! فوزي صادق

هـَجـَر، هاجَر، ُيهاجر، وتعني ترحال شخص وانتقاله من أرض الوطن إلي أخرى جديدة، مستقراً بها، بحثاً عن الأمان أو طلباً للرزق، والهجر يفهم بمعنى الانتقال، والانتقال لا ينحصر بالجسد، فالروح أيضاً تهاجر الجسد أثناء الموت، ثم تعود إليه يوم الرجعة قبل الحشر.

توجد هجرتان بحياة الإنسان تحددان مصيره، وهو مخـيّر أمامهما، وليس مسيراً، وهذا القرار يحدده العقل والعاطفة، كلاهما أو أحدهما، وهما هجرة تحدث خارج الجسد وأخرى بداخله، والأولى هجرة الجسد بأكمله من أرض ما كالوطن، كما أسلفنا ببداية المقال، فالإنسان وعلى مر التاريخ، قام بعدة هجر في مواكب الأرض، وتاريخ المآثر والملل والنحل مليء بالمحافل والقصص، ومعظمها هجرات البحث عن الرزق والأمان، أما الهجرة الثانية التي بداخله فيقصد بها هجرة الفكر والعقيدة، أي بداخل الإنسان وعالمه الفكري والتوعوي ، وهي الانتقال بإيمان بشيء من حالة إلي أخرى نقيضة ومختلفة، كهجرة من عالم الظلام إلي عالم النور، أو هجرة طريق الباطل نحو جادة الحق، أو ربما يحدث العكس.
ولنأخذ مثالاُ على الهجرات الجسدية والفكرية معاً، وأشهرها هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه الكرام وجمع من المؤمنين، فهو هاجر للأمان، ولتحقيق حكمة وهدف يراها الله ونبيه الكريم، وهي إيجاد عاصمة انطلاق لنبوته ورسالته، وهي هجرية جسدية وفكرية، أي لتتم الهجرة الجسدية تم عرض الهجرة الفكرية أولاً والتصديق بالرسالة الإسلامية، وبعد أن تمت، وقعت الهجرة الجسدية تكليفاً، وكانت أساساً لنجاح الانطلاقة السماوية، وجوهرها الأبتعاد من واقع الظلم والطغيان والسواد إلي أرض النور والفكر والإنسانية، أو ربما تحدث للإنسان هجرة ندم وألم وتكفير عن المعصية وجلد للذات كما فعل قابيل بعد قتل أخيه هابيل وهاجر مع زوجته من فلسطين إلي أرض بعلبك ومات دون خلف أو ولد، وكذلك هجرة باقي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

أرسل الله سبحانه وتعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويتبعهم الأوصياء والصديقين على مر التاريخ الإنساني كي يعلموا الناس مكارم الأخلاق، وقد هاجر معظم الأنبياء إن لم نقل كلهم أرض الوطن التي يجدون بها القهر والظلم نحو أمصار أخرى أكثر أمناً، أو لإلقاء الحجة والتكليف وإيجاد النصرة ضد من يمثل زمرة الشر والاستكبار بزمانهم.
بداخل كل إنسان نبي عظيم، ويطلق عليه النبي الداخلي، وهو العقل الذي أودعه الله في جسم الإنسان، وهو المكلف والمحاسب، ومهمته طرح الأمور أمام كفتي الميزان، ثم يتم الخيار بقانون التفكير بين التزاحم أو التضاد بين المحورين، فتحاول نزعة الشر بقيادة إبليس وهواه التغلب على نزعة الخير، وهنا يأتي دور الأنبياء والمصلحين من البشر كي يوقظوا النبي الداخلي بالإنسان، وهو العقل، ووضعه أمام المحجة والبرهان كي لا يُهزم أمام نزعة الشر التي يقودها الشيطان وهوى النفس.

نستخلص مما قلنا، إن للنبي والمصلحين دعوتان للهجرة، الأولى هجرة بداخل الإنسان كي يغادر بفكره ساحة الباطل نحو ساحة الحق، ثم بعدها يقرر وحسب الحاجة الهجرة من أرض أجداده نحو أخرى أكثر أماناً، وكلا الهجرتان تمثلان انتقالا، سواء بالفكر أو بالجسد، فيحبذا أخي الإنسان ذو العقل أن تحكم عقلك وبصيرتك وقرار نبيّك الداخلي، وتقرر الهجرة نحو الطريق الصحيح، نحو صراط الذين أنعم الله عليهم بخير نعمة وأفضل النعم من الأكل والشرب والملذات الدنيوية الزائلة والإكسسوارات الحياتية، وهي نعمة الهداية والصلاح وهم (المصلحون)، والطهر والفلاح (المفلحون)، والابتعاد عن الخطيئة، كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم : (أهدنا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)