قراءة نقدية لرواية

«قبلة الوداع الأخير» لعادل سالم

، بقلم علي نسر

حين تقرأ عنوان رواية الكاتب عادل سالم قبلة الوداع الأخير، يتبادر الى الذهن أنها رواية لا تختلف عن معظم روايات الحقبة الرومنسية التي اجتاحت العالم الروائي في مرحلة سابقة ولمّا تزلْ تشغل حيزا كبيرا من صفحات الكتّاب.. ولكن حين يحملك الكاتب على متن روايته ويبحر بك بين دفتيها، تجد نفسك أمام رواية واقعية تغرف من مَعين المجتمع الكوني عموما واللبناني خصوصا، لتضع القارئ وجها لوجه أمام حقيقة وجوده، التي تغافل عنها رغم ما سقط من أقنعة عن وجوه الكثيرين الذين شاركوا في ما آلت اليه الظروف في هذا الوطن، وشوّهت باسم الدفاع عن القضية والدين أحيانا، صورته التي كانت تومض كشهب في أصقاع الأرض، حرية وفكرا وثقافة... فلم تكن قبلة وداعه الأخير للحبيبة رانيا مجرّد قبلة يطبعها العاشق في غفلة على وجنة الحبيبة المنتظرة بصمات شفتيه، إنما كانت قبلة وداع لشعب تهافتت فوقه الرزايا، لتحيله كفزّاعة حقل ليس فيها سوى الهشاشة مهما لاحت يداها أمام نسيم عابر...

ينطلق الكاتب من تجربة وجدانية، تمثّلت بحب جارف بين الراوي سامح ورانيا البطلة المحورية في النص، تلك العلاقة التي تعرّضت لهزّات عنيفة لم تتكلّل بالنجاح، نظرا الى ما تعاني منه البطلة من أزمات نفسية، ترجمتها زواجًا من البطل حوالى ثلاث مرات، وسرعان ما يحصل الانفصال للسبب نفسه، وهو أنها لا تصلح للزواج على حد تعبيرها.. فيستغلّ الكاتب هذه القضية متخذا اياها وسيلة للسرد واطلاق رؤيته، ليصوّر بعض الأحداث التي عصفت بلبنان على مدى خمس عشرة سنة، مخلّفةً وراءها حالاتٍ وأمراضاً نفسية تحوّلت الى أدران يصعب استئصالها، فإذا بالناس المتحاربين والعاديين، قد استحالوا نماذج لمرضى نفسيين، سواء أكانوا من الساديين الذين تلذذوا بعذاب الآخر قتلا وتعذيبا واغتصابا، أم مازوشيين يجلدون أنفسهم ويحقّرون الذات، ويعانون من الدونية، التي تجعل منهم زوائد في المجتمع، لا يستحقون حبا وارتباطا زوجيا...لذلك تكره الحديث عن الزواج، الذي فقدت كل رغبة به.. ص98.
وفي هذا الاطار يؤكّد الكاتب، أن الحرب لم تكن عسكرية وعبر السلاح الحربي فحسب، إنما كانت حربا ثقافية وفكرية وأخلاقية، خاضوها مستغلين شعار حب الوطن والتقرب الى الله حسب آرائهم المختلفة، ...لم تكن حربا بالسلاح، كانت حربا بالثقافة والأخلاق والضمائر.. خلع الجميع الأقنعة عن وجوههم، وارتكبوا الفواحش والآثام باسم الدين والوطن، وباسم الرب ارتكبت الفظائع وانتهكت الحرمات..ص99.

أمّا فنيًّا، فقد دارت أحداث الرواية في لبنان، وفي صيدا خصوصا، مع بعض اللفتات السريعة الى الهجرة واللجوء الى أميركا، التي تدّعي الديمقراطية لكنها تحمل للآخرين، وخصوصا شعوبنا العربية، الدمار وقذائف الرعب والموت، ص184. هذه الأحداث لم تستغرق أكثر من ساعات، حيث وصول الراوي الى المطار وانتقاله الى بيت رانيا، ومن ثمّ تشييعها ميتة، طاوية مغامرة حب استغرقت حوالى عشر سنوات. وبهذا يكون الكاتب قد اعتمد مفارقة الاسترجاع الخارجي القريب الممتد الى العام 2001 تقريبا، والخارجي البعيد حيث ولادة رانيا حوالى العام 75 واختطافها ووالدها العام 85.

أما السرد، فقد جاء على لسان سامح الراوي، والذي يطلق رؤيته الداخلية والذاتية، وقد منح شخصية رانيا حرية التعبير عما جرى معها، فسردت قصة اختطافها واغتصابها وقتل أبيها.. ولأن الراوي من هذا النوع المشارك، فمن الطبيعي أن يكون علمه محدودا، لأنه من نمط الراوي الأصغر من الشخصية، فيسرد ما يعرفه فقط أو ما تخبره به الشخصيات الأخرى، وهذا ما أوقع الكاتب في منزلقات استخدام هذا النوع من الرواة، إذ سرعان ما نصبح أمام راوٍ خارجي من دون تمهيد أو تسويغ، فيعرض لنا النص أحداثا ليس للسارد الأساس من علاقة له بها، من دون وسائط وهو بعيد من أحداثها، خصوصا أنها احداث تدخل في باب الأسرار.. ما يؤكد تدخل الراوي غير الضروري، اذ بامكانه أن يجعل الكلام على لسان شخصية مشاركة في الحدث أو الحوار... هذا بالاضافة الى تعامله المتعالي مع القارئ أو المتلقي احيانا، فبرغم التشويق الذي يشعر به القارئ لمعرفة أسباب تمنّع الزواج عند البطلة، نرى الراوي يعلمنا بالسبب معللا اياه، من دون أن يترك للمتلقي حب اكتشاف الأسباب بنفسه، ناسيا أن المتلقي شريك في كتابة النص، اذ غالبا ما يملأ النواقص التي يتركها الكاتب سهوا وعمدا؛ فيعرض لنا على لسان الشخصية الثالثة الأسباب النفسية لما تعاني منه البطلة، وهذا من مهمة المتلقين والمحللين ص98. هذا بالاضافة الى بعض الهفوات اللغوية المربكة والخلط الخطأ بين الأسماء التي تجعل القراءة أكثر صعوبة.