ثقافتنا بين ما كان وما يجب ان يكون... (المقالة الثانية)

، بقلم سلمان ناطور

نتحدث بفخر واعتزاز عن ثقافتنا الفلسطينية بعد النكبة في ما يسمى "الداخل الفلسطيني"، او "مناطق ال 48" او "داخل الخط الأخضر"، وأنا أميل إلى تسميتها "غرب فلسطين" أو "فلسطين الغربية "، ومصدر هذا الفخر هو أننا امتداد لنهضة ثقافية ازدهرت قبل النكبة وكان لها أثر كبير على مجمل الثقافة العربية. والسبب الآخر هو اننا رغم الحكم العسكري ومحاولات طمس هويتنا العربية الفلسطينية ، فقد نجحنا في الحفاظ على هذه الثقافة وفي انتاج ثقافة مقاومة، اصبحت مدرسة في النضال الوطني على أهم وأخطر الجبهات، ألا وهي الجبهة الفكرية والثقافية وقد عزز هذا الانجاز تشبثنا بوطننا ومكن هويتنا الوطنية والأهم من كل ذلك أنه حدد دورنا النضالي على الخط الأمامي في مواجهة الصهيونية فكرا وثقافة وسياسة وايديولوجيا.

لنا موقعنا ولنا دورنا ولنا رصيدنا ولنا الوطن ولنا كل ما يلزم لإنتاج ثقافة انسانية راقية، فهل ارتقينا حقا إلى مستوى التحديات؟

لم يعد يكفي أن نتغنى بالماضي ولا أن نبكي عليه، فكل شيء تغير هنا وفي العالم ولذلك علينا أن نعيد النظر بمسيرتنا الثقافية لدراسة تجربة الرواد وللبحث عن وسائل وأطر تجاري هذا القرن الذي شهد ثورات تكنولوجية غيرت حياة الانسان وأدواته الحياتية والثقافية ووسائل تواصله وقربت المسافات وحطمت الكثير من الأطر والقوالب.

حاضنة، وصراع بين تيارين...

في قراءة سريعة لتجربتنا الثقافية في العقود الستة الماضية نتوقف عند عدد من العلامات الفارقة التي تبرز خصوصية هذه المرحلة وكانت الثقافة خير من عبر عنها:

أولا: انقسمت الثقافة الفلسطينية والأدب بشكل خاص بين تيارين متمايزين حتى منتصف السبعينيات، تيار ثقافي مع السلطة الاسرائيلية وبرعايتها وتيار الثقافة الوطنية المناهضة للسلطة والتي أنتجت أدب المقاومة.

ثانيا: من منتصف السبعينيات وحتى بداية التسعينيات تراجعت ثقافة السلطة وتعززت الثقافة الوطنية وأصبحت هي الأكثر انتشارا وقبولا في الداخل والخارج.

ثالثا: نشأت وتطورت الثقافة الفلسطينية في الداخل بتياريها المتمايزين برعاية "حاضنة"، كانت السلطة الاسرائيلية الصهيونية (بمؤسساتها الرسمية والهستدروتية وجهاز التعليم وصحفها ومكتب مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية- جهاز المخابرات لتوجيه السياسة الحكومية ازاء المواطنين العرب) حاضنة التيار الاول وكانت الحركات الوطنية (حركة الأرض وتنظيمات التيار القومي، والحزب الشيوعي ومؤسساته الثقافية والجبهوية ) حاضنة التيار الثاني.

رابعا: في مطلع التسعينيات سقطت حاضنات الثقافة الفلسطينية، السلطوية والوطنية. الانهيارات التي أصابت المنظومة الاشتراكية وحركات التحرر في العالم كان لها تأثير مباشر على الثقافة الفلسطينية في الداخل والتي كان على مبدعيها أن يسبحوا في بحر عميق بعد تحطم قواربهم ومنهم من نجا وواصل ومنهم من غرق أو تعب وتوقف، ومن جهة أخرى ادركت السلطة الإسرائيلية وأجهزتها أن هذه فرصتها لاستعادة موقعها وتأثيرها لكن بأساليب جديدة وذكية فأقامت دائرة الثقافة العربية وخصصت الميزانيات وبدأت تبلور تيار الثقافة العربية الاسرائيلي. حالة مربكة جدا، فالتيار بأبطاله ومنتجيه اسرائيليون والثقافة عربية وحتى يمكن أن تعرف فلسطينية وضد الاحتلال لكنها لا تتجاوز خطاب اليسار الصهيوني الإسرائيلي.

خامسا: كان لتوقيع اتفاقات أوسلو (1993) ولمسار المفاوضات بين منظمة التحرير والحكومات الاسرائيلية واعتبار فلسطينيي الداخل شأنا اسرائيليا، تأثير كبير شكل صفعة أصابت بالأساس التيار الوطني في الثقافة وقد شعر ابطاله أنهم ضحية خيانة وأنهم فقدوا القضية التي دافعوا عنها في أدبهم وابداعهم وهي تحرير الوطن والعودة والسلام العادل، وبدأت تتبلور اتجاهات لفك ارتباط المبدع الفلسطيني بقضية شعبه التي صودرت منه، فمنهم من ذهب إلى "الثقافة من اجل الثقافة، والفن من اجل الفن" ومنهم من ذهب إلى الآخر الاسرائيلي والى مؤسساته وحتى لغته. وبقي عدد قليل متمسكا بثوابته يناطح طواحين الهواء ويصارع الريح.

لن ننتظر المشروع الوطني الشامل...

بعد أكثر من عشرين عاما على الانهيارات في الماضي وفي الحاضر، هنا وفي كل مكان، هناك ضرورة ماسة لإعادة ترتيب الأوراق ولوضع الأسس لمشروع ثقافي وطني فلسطيني شامل.

لن ننتظر إلى ان يتم رسم ملامح المشروع الثقافي الفلسطيني الشامل الذي يجب ان تشرف عليه المؤسسة الثقافية الفلسطينية الممثلة بالهيئات التالية: المجلس الأعلى للثقافة الفلسطينية، وزارة الثقافة الفلسطينية، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، جماعة السينما الفلسطينية، اتحادات الفنون الادائية والتشكيلية (القائمة أو التي يجب اقامتها) واللجنة الوطنية للتربية والثقافة (لجنة اليونيسكو الفلسطينية)، لن ننتظر لأن علينا ان نبادر إلى رسم ملامح مشروعنا الثقافي في الداخل لتسيير شؤوننا الخاصة ووضع سياساتنا الثقافية التي ستأخذ بعين الاعتبار خصوصية موقعنا الجيوسياسي من جهة وعمق ارتباطنا بالثقافة الأم العربية وتلاحمنا بالثقافة الفلسطينية .

لقد حددنا فضاءات ثقافتنا الثلاثة وهي: الفضاء الفلسطيني والفضاء العربي والفضاء الكوني، وهذا يعني الخروج من القوقعة والانطلاق نحو عالم الثقافة شركاء ليس فقط في ما نأخذ بل ايضا في ما نعطي. وعلينا أن نطور ادواتنا وأن نبحث عن قنوات تواصل متفرعة وان ننظم العلاقات في ما بيننا فلا يمكن ان تبني مشروعا جماعيا والجماعة ممزقة تشتبك في ما بينها على خلفيات شخصية أو قبلية او عقائدية كلها معادية للثقافة فكرا وممارسة. علينا أن نحول الرؤيا إلى قضية نتجند لها ونجند الآخرين، ونحن هنا ايضا ملزمون بأن نحدد علاقتنا بالآخر الاسرائيلي اليهودي وبثقافته وقد علمتنا تجربة الستين عاما أن هناك ثلاثة أشكال لهذه العلاقة: الاشتباك، الحوار والتحالف. هنا يكمن دورنا الوطني الثقافي لأننا في الخط الامامي: ان نشتبك مع من يجب الاشتباك معه، ان نتحدى ونصارع وننتصر على الثقافة العنصرية والفاشية التي تلغي وجودنا، وان نحاور قوى ليبرالية مضللة أو جاهلة او خائفة ولكنها ترغب في الحوار الثقافي وتنبذ العنف والتعصب وتعترف بحق الآخر في الحياة الكريمة. واخيرا يجب أن نبني تحالفات مع قوى تقدمية تناضل من اجل سلام عادل وضد أي شكل من اشكال التمييز والعنصرية والقهر القومي والفكر الاستعلائي والكولونيالي.

بين الاسرائيليين اليهود عدد كبير من هؤلاء ونحن مكلفون بالبحث عنهم ومساندتهم لانهم يتعرضون لقمع واقصاء ويتحدون بكل قواهم وإرادتهم.

في أذار الثقافة 2014 سوف نباشر برسم معالم مشروعنا الثقافي الوطني مستفيدين من الايام الدراسية التي عقدناها في العامين الماضيين ومن الطاولات المستديرة واللقاءات التدريبية والندوات والامسيات والتشبيك مع مؤسساتنا الثقافية في الداخل وكذلك مع وزارة الثقافة الفلسطينية واتحاد الكتاب ومؤسسات اخرى، وسنحاول إعادة تشكيل تنظيمات مهنية للكتاب والفنانين وبحث سبل توثيق العلاقة بين الثقافة والجمهور عبر المكتبات وجمعيات الانتاج الثقافي والمدارس التي يجب أن تكون في صلب أي مشروع ثقافي وطني وبالطبع السلطات المحلية التي نتوجه إليها لكي تتجند في أذار ويسرنا ان البعض من رؤساء المجالس وبخاصة أولئك الذين يدركون اهمية العمل، تجاوبوا مع دعوتنا للمشاركة في فعاليات هذا العام لتكون فاتحة لنهضة ثقافية تستمر طول العام.

لنجعل من اذار هذا العام انطلاقة ثقافية ترتقي إلى مستوى التحديات الكبرى: إفرازات العولمة وارباكات "الفوضى الخلاقة" وإعادة انتاج الانسان العربي هنا على هذه الأرض المشبعة بالصراعات والانقسامات والحروب الدامية.
نتقدم بثقة ومعنويات عالية لتحقيق منجز آخر قد يشكل علامة فارقة في مسيرتنا الثقافية، أو هكذا سيراها أحد من أبنائنا عندما يأتي ليقيم دورنا ويدرس المرحلة.
(يتبع)