ذاكرة اللوز ليامن نوباني في ندوة مقدسية

، بقلم جميل السلحوت

ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس كتاب «ذاكرة اللوز»وهو مجموعة نصوص للكاتب الشاب يامن نوباني، صدر الكتاب في العام 20013 عن دار الرصيف للنشر والتوزيع في رام الله ويقع في 172 صفحة من الحجم المتوسط.

بدأ النقاش ابراهيم جوهر فقال:

أحلام شاب بالحياة، واقتناص لحظات من فرح

في كتابه (ذاكرة اللوز) يجمع (يامن نوباني) شظايا ذاكرته الغضة وهي تتمثّل ذاكرة سبقتها. إنه يبني ذاكرته من ذاكرات من سبقوه في الحياة واللجوء والوطن، فلم يكتف الكاتب بما تحمله الذاكرة الذاتية بل استند إلى ذاكرات سبقته في الحياة والإبداع. لذا نجده يستعيد كتابات مريد البرغوثي وإميل حبيبي وأحلام مستغانمي وواسيني الأعرجوابراهيم جابر.

وهو من عنوان الكتاب (ذاكرة اللوز) يفتح بابا للذاكرة ويختار شجرة ثمرها طيب وكذا لونها وذاكرتها ووقع لفظها (اللوز)، لأنه يربط الأرض بثمرها وناسها وذاكرة مشتركة للشجر والإنسان معا ليكون الوطن الذي يحتفظ بذاكرته كما يحلم به ويتمناه.

لذا كان الإنسان حاضرا، في غربته، واغترابه، وظلمه، ويأسه، وضياعه، وجنونه، وإبداعه. في واقعه ورمزه، وفي طفولته وشبابه وكهولته، وحضرت المدن، والمرأة، والعشق، والقهوة، والزمن.

في (ذاكرة اللوز) يبني الكاتب الشاب (يامن نوباني) وطنا خاصا كما يتمناه ويراه بعينيّ القلب والأحلام، وطن الحب والإنسان والتعاون والكتابة.

لكن الواقع الذي لم يغب عن كلماته وأحلامه يحاصر فرحه ويحدّ من تحقق أمنياته، فالقدس بعيدة تحصرها سجون وبوابات ومعابر، وكذا يافا وحيفا وصفد...

الكاتب لم يهتم بتصنيف عمله الإبداعي واختار له توصيفا جديدا يشير إلى ما صار الكتّاب الشباب يمارسونه (نصوص وشذرات) فالمهم أن تنقل الكلمات والصفحات دفقات قلب وأحلام إنسان يعاني، وهذا ما كان.

تنوعت كتابة الكاتب هنا وبرز منها القصة القصيرة جدا، والقصيدة، والقصة، والمقالة والرسالة، والخاطرة، والنص، والبرقية...والكتابة التي تنتظر تصنيفا وتوصيفا.

إنه يكتب ليبني عالمه الخاص بأدواته الخاصة، وكأني به يسأل بحق: وهل انتظمت أمور وطننا وحياتنا التي نحيا لتكون كتابتنا منتظمة مؤطرة؟!!

إنه يجرّب، ويحاول، ويبحث عن شكل فنيّ يرتاح إليه ويرتاح فيه لأنه يبحث في الآن نفسه عن وطن حقيقيّ يحقّق له هذه المعاني.

خالف (يامن نوباني) في ذاكرته اللوزية ما اعتاد عليه الكتّاب في تقديم كتبهم في مسعى منه للتجديد وإشارة إلى ما سيجده القارئ في طيات الصفحات فكتب تعريفا تحت عنوان (هذا الكتاب) كفى وأومأ فيه إلى ما من شأنه إنارة نصوصه وشذراته،(سلسلة من الهزائم الجميلة على عتبات المقاهي، الموسيقى، النساء، المدن، الفرح، الليل، الشتاء، العصافير، الشوارع، الذاكرة.....الخ) ص 9.

الشباب يكتبون أحلامهم وينقلون ما يرون بعدساتهم الخاصة ولغتهم الخاصة، و(ذاكرة اللوز) اليوم خير دليل يصلح لدراسة ما يعاني منه الجيل، وما يحلم به، ويتمناه.

لقد بدأت كتابة جديدة تسود.

بقي أن أشير إلى كمّ من الأخطاء المطبعية والنحوية التي تشوّه جمال اللغة، وهذه آفة المطبوعات في الآونة الأخيرة.
وقال عبدالله دعيس:

يصدمك عنوان الكتاب وغلافه قبل أن تشرع بقراءته. فذلك اللون الأبيض الغامض الذي يبرز من صفحة سوداء لهو الأمل والنقاء والبراءة تخرج من أحضان البؤس والشقاء. واللوز الذي يزهر في الشتاء لهو بوادر مجيء الربيع. وهكذا نبحر في نصوص يامن نوباني لنرى إشعاعات أمل من بين ركام حاضر قاتم..

تبدأ النصوص بمجموعة رسائل إلى فاطمة - والتي هي رمز لفلسطين. وهذه الرسائل تُؤرّخ بأزمان مختلفة، وترسل من أماكن عديدة للدلالة على الحب الأزلي للوطن من أي مكان وفي أي زمان. ومهما اختلفت الظروف وظن الفلسطيني أنه عشق شيئا آخر غير فلسطين، يعود للاعتراف أنْ لا حب يطغى على حب الوطن.

فلسطين هي حب الفلسطيني الأول وهي مناط عشقه ورفيقة حياته. والكاتب يبرز هذه الفكرة بأساليب متنوعة شيقة، فلا تكاد تنهي قراءة ومضة إلا وتتوق لقلب الصفحة لرؤية صورة أخرى. فهذا الكتاب في يد القارئ كمعرض لوحات فنية جميلة، ما أن تتفحص لوحة حتى تنتقل إلى الأخرى تنظر إليها بشغف علك تصل إلى أعماقها وتفهم مضامينها.

فالكثير من النصوص تدور حول نفس الفكرة: فكرة العاشق الذي يجد امرأة تبادله الحب أينما حل، لكنه سرعان ما يبوح لها بأنها ليست أول من أحب، بل كانت هناك امرأة اخرى في حياته قبل أن يلتقي بها، وما تلك المرأة الأولى إلا الوطن. يعرض الكاتب الفكرة عينها بطرق مختلفة متنوعة في كل نص كالمصور الحاذق الذي يأخذ صورة بزوايا مختلفة لنفس المشهد فيبث الروح في كل صورة.

"أن تعشقي فلسطينيا لا تخافي عليه من نساء بلده، خافي الكرمل." ص 133

أعجبني هذا المزج الغريب للعشق والوطن فكل نص يخلق جوا مختلفا، وأحداثا تأخذك في أرجاء فلسطين فيرتعش قلبك بالعشق، عشق فلسطين أولا وأخيرا. لا يتكلّف الكاتب شرح جغرافيا فلسطين للقارئ، فهو يطير من مكان إلى آخر دون انتظام، فساعة هو في رام الله والأخرى في حيفا، وساعة على أبواب مقهى في نابلس ثم يُصدّ عن دخول القدس على معبر قلنديا. فهو يكتب هذه النصوص لمن أحب فلسطين لمن كانت صورة فلسطين ومدنها وقراها وجبالها وسهولها منقوشة في قلبه لا يمكنه أن يخطأ مكانا فيها.

أعجبنى المطر ينزل على رام الله برفق ويهطل في حيفا. جو الشتاء ليس كئيبا وليس زمنا للانكماش بالرغم من برودته وعتمته، فهو يبشر بخير يعم في الربيع. كذا هي فلسطين، فبالرغم من قتامة حاضرها إلا أن العشق يعشش في أرجائها، وعشقها يعشش في نفوس أبنائها، وما بعد هذا الشتاء الذي أزهر فيه اللوز إلا ربيعا يثمر فيه ويخضرّ.

أعجبتني القهوة التي تلازم العشاق. لا يكون عشق إلا بها، فبالرغم من سوادها إلا أنّ عبيرها ولذة طعمها تجعل الناس مغرمين بها، فمن سوادها ومرارتها يتذوق الإنسان متعة احتسائها. هي كالشتاء القاتم يزهر فيه اللوز مبشرا بالربيع.

أعجبني شوق الكاتب للقدس. والتي يصد عن أبوابها، لكن قلبه يزورها رغم حصار الأعداء لها: "فانتظرني، ريثما يغفو حارس المدينة الأشقر، لأن فتاة سمراء ستمر عن جسر الشوق اللامرئي على معبر قلنديا، لنلتقي خلف اسمنت في الطريق قبل أن يغلق الجنود الذين لم يعرفوا عشق شيء غير البارود بوابات المدينة فتصبح قريبا أكثر، لأن الجندي لم يلحظ قلبي يخطو حاجز المدينة، ألم تقل لي يوما: أنا ممنوع من دخول القدس؟ لكني أرسل قلبي كل يوم يعانق القبة الذهبية." ص46

يشير الكاتب إلى كثير من الأحداث وإلى العديد من أشكال المعاناة التي يقاسيها الفلسطينيون عن طريق إشارات سريعة أثناء النص دون الإسهاب في سرد تلك الأحداث أو هذه المعاناة. يقول في ص 27 " لم أكن أعلم أن تأخري لدقائق معدودة عن موعد الحافلة سيبكر في موعدي مع الحب! خمس دقائق فقط لأني نسيت بمنتصف الطريق بطاقة الهوية وعدت لإحضارها خشية أن يوقفني الجنود."

ويقول في ص 22 "قلتِ لي مرة: ما من امرأة أحبت رجلا على البحر إلا وافترقا، لكنا افترقنا على البر, على الحواجز العسكرية والبؤر الاستيطانية والسجون ولم الشمل والنفي وتصاريح الإقامة المؤقتة وقيود الإقامة الجبرية والحروب."
لغة الكاتب شعرية جميلة وملاحظاته مفاجئة صادمة لا تخلو من الحكمة والبعد الفلسفي. ونلاحظ أن الكاتب يكثر من استخدام أسلوب الاستفهام في نصوصه. فهو يطرح الكثير من الأسئلة والتي تساهم بشكل كبير في إثارة التشويق في نفس القارئ.

وأخيرا فإن هذا الكتاب يشبع رغبة عشاق القراءة مهما كانت ميولهم. فمن أحب الشعر فلغة الكتاب وصوره تقترب من الشعر، ومن أحب الرواية فهذه قصة عشق تدور أحداثها في كل فلسطين لو تم ربط أجزائها وإبراز شخصياتها. وفي كثير من نصوصه تحس أنك تقرأ سيرة ذاتية للمؤلف. وبعض النصوص يمكن تصنيفها على أنها قصص قصيرة جدا. وبالمجمل فإن هذه الومضات هي ما جادت به قريحة كاتب هو ابن بار لفلسطين يتنسم هواءها ويعيش همومها.

أمّا عيسى القواسمي فقد قال:

للذاكرة عند إنعطافة الروح، في الذاكرة لدى الكاتب يامن نوباني حضور فلسفة خاصة بالكتابة واﻷمنيات المستعصية. وللماء ذاكرة لكن ذاكرة يامن في اللوز وبسياقها الحالي ما هي إﻹ تحرشات بالغير، عادي الذي يحدد للذاكرة ذاتها مسارات الكتابة ونبض جنونها. وﻻ شك بأن التي تقف وراء هذا الحراك الدؤوب هي المرأة، وان تعددت تسمياتها هنا، وإشتياق اللوز للتخيل حتى في غيمة لم تسقط بعد مطرها، نجد إمرأة ما تحاول سحب تلك الغيمة الى سماء انوثتها للتفرد بها في المكان، وتارة اخرى نرى المكان وقد تحول الى مقهى شعبي يعار الى كل عابر سبيل، في أنفاس إمرأة ﻻ تترك سوى رغوتها فوق رغوة الفنجان. ويامن هنا يستحضر اللحظة بعفوية كاتب يريد أن يفجر مشاعره التي ﻻ تنتمي اﻹ الى سراب ما سيكون.

ولدى الكاتب مساحات من العطشى المضني، لكنه فجأة نراه يحول عطش اﻷرض لحرية تحلق به فوق السياج متخيلا آفاقا أخرى وحاضرا ما إنفك يبحث عن أسباب وجود منقوص وجنون ﻻ يلين. وليس هناك أعمق من يامن في إلتقاط رموز ذاك الحرمان إن كان في شخص رفيق ترجّل أو بسمة طفلة كادت أن تمحى، أو في تجاعيد كهل ﻻ زالت عينه على قدس حرم دخولها. بين السطور هناك إختلاجات تنبض بأمنيات ﻻ تتحقق، وبصوت صارخ أن أريد أن أحيا. وأريد لهواء البراري أن يلامس وجه الوجود، ليكتمل القلب، وليرى هناك حقيقة ﻻ يسعه رؤيتها هنا داخل تمزق خارطة الوطن.

هي صرخات يشوبها التمني، لذلك جاء الحديث عن القدس وحيفا وعكا وعن معشوقة بعيدة لم يلامس الكاتب سوى نصف وجهها، ﻷن النصف اﻷخر بقي وراء الجدار.

واللغة لديه تأتي من وجع المكان المسكون بالحصار والمسافات التي تحجب عنه نقاء صوت اﻷذان في البلدة القديمة من القدس، ومدن مشتهاة أخرى، وامرأة غائبة حاضرة بين السطور لتزيده شغفا بلقاء لم يأت بعد. امرأة تراوغ الكلمات لديه، لتبقى حاضرة في ذاكرة أتعبها التخيل وفنجان قهوة في زقاق رصيف ما، والحضور لحظتها تهمة ﻷن اليامن ممنوع من العشق والقدس والتهمة شبهة... فسبق أن اتهم بعشقه وحبه الدخول في أدق تفاصيل المدن والنساء الغائبات. هو يراوغ أيضا واقعا معادا، فيراوغه حاضر بليد ﻻ يتحرك قدما بالتزامن مع نظرته للحياة. دائرة مغلقة من الحرمان واﻷفق واسع.
لو أن هذا الحصار يبتعد عن ذاكرة اللوز قليلا، لكي يأخذ الحلم مداه، ويصير بإمكان الكاتب أن يمرّر نظرته للمكان هنا وهناك في مساحات الوطن، ﻷصبح للكلمات دقتها اﻷصوب وعمقها الوجودي.

ذاكرة اللوز بوابة العبور الى كتابة ملتزمة ستأخذ يامن الى أمكنة لم يكن قد حلق فيها من قبل وهي حتما تذكرته ﻷحلام أخرى.

وشارك في النقاش عدد من الحضور منهم:راتب حمد، ديمة السمان، سوسن عابدين الحشيم، جمعة السمان، وجميل السلحوت.