الأبطال

، بقلم رينا ميني

إذا ما راجعنا سجل الذاكرة في التاريخ المعاصر والقديم، تكرّر أمامنا مشهداً واحداً، ما زال يتجدد يوماً بعد يومٍ على

مستوى الأمم والأفراد. فتاريخنا حافلٌ بالزعماء والأبطال، وحياتنا اليومية لا تخلو من تضرّعات لبطلٍ مقدامٍ يأتي فيخلّص

الإنسان من أزماته. فلماذا نحن بحاجةٍ دائماً للأبطال؟

وفي البحث عن الأيقونة المنشودة، عمد الناس أحياناً إلى تخطّي الواقع واللجوء إلى عالم الخيال، كنوعٍ من التّمني

والرجاء. فمن منّا لا يذكر أبطال أفلام الكرتون التي استحوذت على قسمٍ مهولٍ من مساحات الإعلام المرئي والمسموع

والمكتوب؟

ومن منّا ينسى كل الزعماء الذين بجّلتهم شعوبهم ورفعتهم إلى مصاف الآلهة، وقدّموا في سبيلهم الغالي والنفيس حتّى بذل

الذات؟ مع العلم أنّ حركة التاريخ شهدت لثوراتٍ شعبيةٍ قامت من أجلها الدنيا وقعدت، ثوراتٍ أطاحت برجالٍ خاف منهم

الكبار قبل الصغار، وكلّها آلت إلى نتيجةٍ واحدةٍ: العودة إلى نقطة الصفر، وبالتالي البحث عن زعيمٍ جديد يقودها

ويرأسها، وكأنها كانت يقظةً وسرعان ما اشتاقت إلى الثبات، فنامت.

حتّى أسلوب تربيتنا قائمٌ على مستكبرٍ ومستضعفٍ، فالنساء تحتاج لرجالٍ أبطالٍ يحميهن، والمرء يحتاج للقوانين لتنظّم

حياته وتقيه من شرّ نفسه. ألهذه الدرجة نحن ضعفاء؟ ألهذه الدرجة لا يستطيع الإنسان الإعتماد على نفسه حتّى ينتظر

مخلّصاً قد يستعبده ويذلّه باسم الأمن والأمان؟ أم أننا أفرادٌ كسالى نعشق التبعية، وننساق لها عمداً وليأتِ أيّ قائدٍ كي يتدبّر

أمورنا مهما كان الثمن؟

في نقاشٍ حول الموضوع، قالت لي إحدى صديقاتي: "عالمنا غريبٌ فعلاً..قديماً كان للملوك فضلاً في ممالكهم، وكان

الحكماء أعظم لأنهم أغنى بالعلم. هناك فئةٌ من الناس دائماً تتميّز عن باقي البشر، لذا كان الباقون يلجأون لمن هم أغنى

وأحكم وأعقل. هناك نسبةٌ كبيرةٌ من الناس ضعيفة وتسلّم بالأقدار، تعلّق قلوبها بالغايات من أبطالٍ هم صنعوهم

بأنفسهم..الملك والحاكم والقائد والبطل والعبقريّ والمتميّز.."

لا بدّ من وجود جوابٍ لهذا اللغز المحيّر، فالإنسان في كلّ مكانٍ وزمان، أثبت قدرته على التحكّم في زمام الأمور. فلِمَ يعمد

إلى التراخي وشلّ الإرادة الذاتية، عملاً بالمقولة الشهيرة من كتاب "كليلة ودمنة": "كيف ترجو منزلةً من الأسد، ولست

تدنو منه؟"...