حائطيات طالب المقعد الأخير ٢٢

، بقلم نوزاد جعدان جعدان

يوماً ما
في يومٍ ما آخر
كما هي مطمئنة مطمئن أنا
بقايا الضوء ستغدو قرصاً
حتى لو سحنوا الغيمَ على أرجل الريح
قوس قزح قادم كقطيع ثيران هائج
وسائس النجوم عائد
كصوت الراعي حنوناً ينادي قطيعه
سيعود ظلي طويلاً
وأرجع إلى بيتي كأنّي النهار
أراقب جروح الفلاحين ولا أدوس قبورهم
كأني هندباء البراري
كأني الربيع
من طرف الطريق إلى الطرف الآخر
من قلب إلى قلب !
من حقل إلى حقل !
من حرب إلى حرب
فقط عندما أعود إلى هناك أشتري سيجارتين
أجلس على كومة قش وأنسى عندها كل الأبجديات
**
لا بأس صديقي لا بأس
قتلنا الكثير من الحيوانات لكني مثلك بدون معطف
يدثرني من برد الشتاء
ولا وشاح
لا بأس أن نضحك قليلاً وسط كل هؤلاء المهرجين
أن نشعر بالملل كثيراً لا بأس
لم يعلمني أبي الجلوس على الكرسي مدة طويلة
ولم أرفع مظلة في وجه الغيم
ما جرحتُ شعور المطر
ولكن
لا بأس
قلبي يقفز كمظلة في الخريف وتلك الغيوم قطيع مظلاتي
مازلت غير متوازن يا صديقي دعني أتكئ عليك
كطفل يضع دولابين صغيرين على دراجته
لا بأس صديقي لا بأس
البيوت الكبيرة والأحاديث الكثيرة
سقطت منها الأساسات
جدران رطبة
أطلال حروف
وجوه مستديرة
عيون ندية
غرف فارغة
أيدي كثيرة وابتهالات
ودعوات كبيرة سقطت منها
وسقط الكثير الكثير
حبال المسبحة كانت تقليدية
لا بأس
أن نترك المساء
هذا المساء بدون قيد
لا بأس
حتى لو رحلتْ تلك التي كانت تجفف ثيابي تحت الشمس
في يوم مشمس تحت الشمس إلى مكان آخر تحت الشمس
لمن نترك كل هذا الجفاف يا صديقي
لا بأس!
إن مرت كلماتنا كقمر الغابة بدون وقود
**
ولأنه أمضى الليل مراقباً
على ضوء قنديل يخبو ويرتجف كعين ناعسة
بين كل الوجوه المتعبة
أصبح شاحباً كبطن الأفعى
مكسوراً كأب يُضرب على مرأى من أولاده
ولأنه أمضى الليل بطوله مراقباً
أصبحت ذاكرته كما الذباب
ينتظر على عتبة كل امرأة تقلي البطاطا
ربما تلف له «ساندويشاً» كما كانت تفعل أمه
يمسك كل مذياع قديم ربما يسمع صوت أبيه
ولأنه أمضى الليل
الليل
بطوله وعرضه مراقباً
لم يبقَ في معطفه إلا زر واحد
زر واحد لا يفتحه إلا حين يطمئن على كل زنابق الينبوع
في ظل خسوف القمر
وفي الصباح الباكر أمام فناء الدار
يستمع لزقزقة نساء الحي
حين يتحدثن عن حكايات البارحة
***
لا أنظر إليها إلا في الأعياد
ولأنها جميلة كعطلة الأسبوع لا أزورها ستة أيام
في باحة القلب وتحت أيكة رموشها
حين وقفتُ على رؤوس أقدامي
كان حذائي متسخاً
لم تسألني من سينظف كل هذا الغبار
ولم تسألني أشياء أخرى
قالت: لماذا لا يرصفون الشارع حين ترجع الريح
ولأني الوحيد الذي يعرف أسرارها
وتلك الأساور التي في يديها مغشوشة
أعيد بناء غيمة لا تخرب محصول أحد
ولأنها كباقي النساء تحبني عندما أغضب كمصباح ملتهب
تطمئن كي لا تهرب البلابل
وليس في البستان نوافذ
وليس في عيني باب آخر
ولأنها كباقي النساء تتذمر من المشي طويلاً بالكعب العالي
عندما يجف الخبز
ولا يأتي الحمام في الساحات الكبيرة
من أين أحضر لهذا الطريق الطويل بعض الحلوى
والمدينة أغلقت كل دكاكينها في هذا الليل!