رسالة إلى الوالى مسرحية: اللى بنى مصر

، بقلم رضا سليمان

لا أعلم وأنا أشاهد العمل المسرحي «اللى بنى مصر» لماذا خطر على ذهنى أن ذلك العمل قبل أن يحمل رسالة يتم توجيهها إلى الجماهير فإنه يحمل رسالة قوية و موجهة بشكل مباشر إلى ولاة الأمور فى البلاد. لدرجة جعلتنى للحظة أتخيلهم يجلسون إلى جوارى فى الصفوف الأولى فى المسرح العائم، يجلسون يشاهدون تلك المفاجأة التى تظهر فى بداية العمل و هى اختفاء تمثال طلعت حرب ذلك التمثال الأثرى الكائن من سنوات طويلة فى الميدان المسمى باسمه، ثم ظهور طلعت حرب نفسه حيا بين تفاصيل عصرنا الذى نعيش فيه. تلك هى ببساطة الجزئية العبقرية التى اعتمد عليها مؤلف الرواية الدكتور محسن مصيلحى الذى رحل عن عالمنا فى حريق مسرح بنى سويف عام 2005 يستدعى الدكتور مصيلحى أبو الاقتصاد المصرى الحديث طلعت حرب الذى قام بتأسيس بنك مصر وساهم في إنشاء العديد من الشركات التي تحمل اسم مصر مثل شركة مصر للغزل والنسيج ومصر للطيران ومصر للتأمين ومصر للسياحة وستديو مصر غيرها.

يستدعيه ليشاهد ما وصلت إليه البلاد وذلك فى قالب كوميدى يجسده عدد من النجوم يختارهم المخرج الواعد إسلام إمام وسوف أترك الحديث عن إسلام لنهاية المقال. يتم إسناد دور طلعت حرب للفنان محمود الجندى الذى يجسد بهدوء شديد تلك الشخصية مظهرا حالة من الدهشة التى تكون ذاهلة تارة وكوميدية تارة أخرى و يتجلى ذلك طوال العرض حتى المشهد الأخير الذى يعود فيه طلعت حرب إلى مكانة الأصلى كتمثال من الحجر ليحصد شهقات الإعجاب وحالة من التصفيق الحاد من النظارة وإن تركنا الفنان محمود الجندى سنجد مجموعة مميزة هشام إسماعيل مدحت تيخة أحمد فتحى سمر علام أحمد عبد الهادى محمد ثروت على كمالو سعاد القاضى وغيرهم عدد من الشباب الواعد ليقدموا من خلال حركة لا تتوقف لحظة طوال العرض ناقلين ما تمر به البلاد من تشتت وانقسامات وانهيار للأوضاع الاقتصادية سيما تلك المشروعات التى أقامها طلعت حرب نفسه وتوجه البلاد إلى الاستيراد وإهمال التصنيع المحلى وانهيار زراعة القطن وخلافه من المشاكل التى ذكرت فى البداية.

أنا اعتبرها رسالة حقيقية يتوجه بها مؤلف النص إلى ولاة الأمور فى البلاد، رسالة يجسدها النص مع فريق العمل مستغلا مخرج العرض حركاتهم و رشاقتهم على المسرح مع إضاءة و ديكور وموسيقى لا صخب فيها و لا هدوء لدرجة كسر الإيقاع. ذلك كله كان عبارة عن أدوات سلسلة سهل التشكيل فى يد المخرج الشاب إسلام إمام و الذى يعد مفاجأة العرض لصغر سنه و موهبتة الفذة فى قراءته للنص كلمة كلمة، بحيث يكون لكل كلمة حركة مصاحبة مع الاهتمام بالتركيب المباشر للجمل على حركات كوميدية سريعة و يتم تقسيمها على أكثر من فرد و ليست خاصة بممثل واحد. هناك أيضا الملابس التى تميزت بالتعبير عن شخصياتها إلا أننى لم أجد راحة مباشرة لملابس العسكرى المكلف بحراسة التمثال و هو فلاح يرتدى ملابس الخفير النظامى فى الأرياف و ليس عسكرى فى المدينة و لا أعلم لماذا ؟ و كان من الممكن أن تلك البدلة السوداء لعسكرى المدينة بشكل كوميدى أيضا فتخيلته مثلا يخرج على عجل و هو يرتدى ملابسه و قد وصله خبر سرقة تمثال طلعت حرب و لم يكمل ارتداء ملابسه فيظهر بجاكت البدلة الميرى على لباس دمور بفتله طويل. جميل أيضا أن يدخل ضابط الشرطة إلى خشبة المسرح على كرسى متحرك حتى عندما يقف من على كرسيه يسير الفنان أحمد فتحى طوال العرض كالأعرج دلالة رمزية على تلك الإعاقة التى يعانيها جهاز الشرطة. جولة سريعة نطوف فيها بين جنبات الزمان و
المكان.

يمر علينا الوقت سريعا لكن تصل الرسالة إلى الجماهير المستمتعة بالعرض متمنية أن تصل الرسالة بالفعل إلى الوالى أيا كان هذا الوالى و فى أى مكان من البلاد كان. تجدر الإشارة إلى دور الفنان حلمى فودة مدير المسرح لمساهمته فى الوصول بهذا العمل إلى النور و فى انتظار المزيد من تلك النوعية المميزة من الأعمال و فى النهاية يجب أن أشير إلى ضرورة تصوير هذا العمل و غيره من الأعمال التى تتكلف بالفعل الكثير من ميزانية الدولة و يجب أن يتم تخليدها فى ذاكرة المسرح المصرى وأعتقد أن عدم تصوير مثل تلك الأعمال يٌعد إهدارا للمال العام. و هنا ننادى بضرورة وجود قناة فضائية للمسرح المصرى تعرض برامج ولقاءات حول هذه الأعمال طوال مدة عرضها مع عرض القديم من الأعمال و إلقاء الضوء على رواد الحركة المسرحية و شبابها.