وصية أمل صافيناز مصطفى

استيقظت أمل كعادتها مع أذان الفجر فهى مواظبة على صلاة الفجر حيث تشعرها بالنقاء وتستشف منها بشارة يومها
وأمل تعيش لحالها فى منزل والدها بعد وفاته مؤخراُ وكانت قد توفيت والدتها منذ طفولتها ولذا هذا المنزل محبب لها لأنه منزل والديها فاختارته ليكون ضمن إرثها وهى كانت البنت الوحيدة لوالدها فأراد قبل وفاته أن يترك لها كل ثروته فكان من أثرياء مدينته

إلا أن أمل بعد وفاته كلفت محاميها أن يبلغ بقية الورثة من أقاربها من أشقاء والدها أن لهم حقاً عندها فى التركة حسب شرع الله وبالفعل تم إعادة تقسيم التركة على هذا الأساس ولم تأخذ أمل غير نصيبها الشرعى كابنه وحيدة لوالدها واختارت بيت والدها ضمن التركة حتى تحافظ على بيته وذكريات طفولتها به فهو كان متسعاً وبه حديقة صغيرة اعتادت أمل على الحياة فيه بكل أركانه

ورغم وحدتها فهى دائما مشغولة من بداية يومها إلى نهايته كانت تشغل نفسها دائما بمحاولاتها التقرب الى الله فهى تمتلك الشباب والثراء التى كانت تحاول دائما تستخدمه فى طاعة الله وان كانت على قدر كبير من الجمال الذى دائما ما تخفيه عن أنظار الرجال الذين كانوا يتلصصون عليها محاولين التقرب اليها بشتى الطرق فكانت تختار دائما زيًا يدارى جمالها ويخفيه عن أنظار الرجال لتستمتع بجمالها وحدها أمام مرأتها فى بيتها الذى ترتدى فيه كل ما يحلو لها بعيدا عن تلك الأنظارالتى كانت تخيفها وتشعرها بأنها فريسة لأطماع خبيئة ولم تكن أمل رافضة للزواج بل كانت تتمناه ولكن شرطها فى الزوج أن يكون يتقي لله وكثير ما كانت تشترط فى العديد مما تقدموا لخطبتها قبل وفاة والدها المواظبة على الصلاة الا أنها كانت تكتشف أنهم يخادعونها فلم تجد فيهم ما تصبو اليه فى شريك حياتها الى أن توفى والدها وهو مشفق عليها ماذا ستفعل من بعده فى معترك الحياة وهى وحيده ولا يوجد صلات قوية بينها وبين أقاربه الذين كان يملأ قلوبهم الحقد عليه وأطماعهم فيه كانت سببا فى بعده عنهم ولكن أمل بعد رحيل والدها الذى كان كل حياتها أستودعت نفسها ومالها عند الله الذى لا يضٌع ودائعه

-2-

وأنهت أمل يومها كعادتها من زيارة ملجأ الايتام وشراء احتياجات منزلها وعودتها لأخذ قدر من الراحة أمام التلفاز حتى تكمل يومها بالقراءه والأذكار الا إنها قبل منتصف اليوم شعرت بإعياء على غير طبيعتها بل شعرت أنها تحتاج الى الاسترخاء بعد إحساسها بقدر من الدوار ولم تهتم أمل بل أعتقدت أنه بسبب الاجهاد المتواصل واسترخت على فراشها الى أن غفلت وهى تشعر إنها على غير مايرام إلى أن بدت خيوط الفجر تتشابك لتشق طريقها إلى يوم جديد فاستقيظت أمل الا أنها فؤجئت بأنها لا تستطيع النهوض من الفراش بسهولة كالمعتاد وإنها تشعر بضعف شديد وكانت المفاجأة عندما وجدت قطرات من الدماء تنزف من جسدها دون أسباب منطقية فتجمدت أطرفها من هول تلك الصدمة ماذا تفعل وهى لحالها فى المنزل والخادمة التى تعمل عندها تأتى اليها كل يومين واليوم ليس ميعادها
ولكن تملكت أمل أعاصابها ونهضت ببطء من الفراش واخذت نفسا عميقا تقاوم به تلك الكبوه المفاجأة التى لطمتها على حين غفله ومرت دقات الساعة ثقيلة على قلب وروح أمل الى أن جاء الوقت الذى تستطيع فيه الأتصال بالطبيب الذى طلب منها الحضورعلى الفور

وهناك جاءت اللطمة القاضية التى جعلت الارض تدورمن حولها وهى تسمع تشخيص الطبيب بأن عليها أن تجرى عملية جراحية في الرحم لم ترد أمل وشعرت أن الكلمات لم تعد تمتلكها ولم تسعفها لتجيب وظلت صامتة من هول المفاجأة
شعر الطيب بواقع الصدمة على فتاة مثلها فقال بصوت أبوى حنون لا عليك الورم حميد

- اطمئنى والعملية سهلة بإذن الله ونجرى كثيرا منها بشكل معتاد وبعد اجرائها كأنه لم يكن من الاساس فى مثل سنك لا تتكون اورام خبيثة ثم تردد قليلا وأطلق طلقته الثانية فى وجهها كأنه يلقنها بقية الجرعة وأخر اللطمات

- فأردف... لكن لابد أن تعلمى أن الانجاب قد يتعثر حتى بعد العملية ولابد له من علاج ولكن لابد من الأسراع حتى لا يتحول لاقدر الله00 إلى.........

ظلت أمل باهته ولم تنطق بكلمة وأكملت أرتداء ملابسها بيد مرتعشة وعيون زائغة ثم جلست أمام المقعد المقابل لمكتبه محاولة أن تتمالك وتجمع شجاعتها لتنهى المقابلة
فقالت بصوت محشرج وهى تنهض

-3-

ان شاء الله يا دكتور ومدت يدها تتسلم الروشتة وخرجت وهى تحاول أن تبتلع دموعها وتلعقها بفمها حتى لا يلمحها الماره من حولها ولم تدر ماذا تفعل وأين تذهب وهى وحيدة فى الحياة هل تستغيث بأقاربها ؟ فكيف وهم الذين قطعوا علاقتهم بها بمجرد تسلمهم الميراث وأن فعلت فقد يتمون لها الموت فهى تعلم طمعهم فيها حتى بعدما أعادت تقسيم التركة واعطتهم ما كان من وجهة نظر والدها ليس من حقهم فماذا تفعل ولم تدرى بنفسها الا وهى جالسة فى إحدى الكافيهات النائية التى كانت دائما تذهب اليها وقت ضيقتها وجلست ولم تشعر بالوقت إلي أن بدت خيوط الظلام تتشابك لتنسج عتمة اليل وشعرت أنه أقتراب وقت المغيب ولم تدرى أن دموعها كست وجهها حتى شعرت بكف حنونة تربط على ظهرها وتمتد لها بمنديل لتمسح به وجهها لتجد شيخ المسجد المجاور يقول لها مابالك يا ابنتى؟

انا وجدتك عندما جئت لأتوضأ هنا حيث المياه منقطعة عندنا ماذا يبكيك يا ابنتى أنت شابة وجميله وواضح انك من أسره ثرية .. فلماذا كل هذا الاسى الذى يكسو ملامحك !؟

لم تتمالك أمل نفسها فأجهشت بالبكاء أمامه فمنذ أن توفى والدها لم تشعر بالحنان من أحد كم كانت تتمناه بجوارها الأن فى أزمتها الطاحنة .

شعر الشيخ أن قلبه يتمزق من بكاء أمل فقال بصوت محشرج يدارى به دموعه التى كادت تنزلق ما كل هذا الحزن يا أبنتى أحكى لى أنا مثل والدك فقالت بصوت مختلط بالدموع لا أدرى ماذا اقول لك يا شيخ !

قال الشيخ بمزيد من العطف أحكى لى كل ما بك حاولت أمل أن تجمع خيوط الكلمات مرة ثانية بين شفتيها بعدما تعثرت عليها لتقول بصوت ضعيف متقطع وهى تبتلع ريقها .اليوم. علمت ..أننى لابد لي... من إجراء ..عملية .جراحية وأكملت والدموغ قد غالبتها.. وأنا وحيده فى الحياه يا شيخ والعملية ستجعلنى أفقد عذريتى وقد يحتمل أن أٌحرم من الانجاب حتى بعد إجرائها وشدد على الطبيب على الإسراع واسترسلت فإذا فكرت ان أوافق على طلب احد الشباب مما عرضوا على الزواج من قبل و أسرع بإتمام الزفاف حتى اصبح زوجة عند اجراء العملية سأخدعه وأغشه كما قد يفاجيء أن إنجابي قد يتعثر وسيحرم من حق له في أن يكون أبا أو على الاقل سينتظر وقتا طويلاوانا أعلم حديث الرسول من غشنا فليس منا ... وما بنى على باطل فهو باطل

-4-

وإن فكرت فى رجل متزوج ولدية أبناء فسأكون مثل السارقة التى تسرق زوجا من زوجته وان رضيت فقط بأقل نصيب فيه وصمت أمل بعدما أفرغت كل ما فى جعبتها أمام الشيخ وصمت الشيخ ولم يدر ماذا يجيب ثم اجمع كلمته ليقول لها بصوت ضعيف يملئه الاسي من هول ما سمع.

والله يا أبنتى لم ادرى ماذا أقول لك ولكن تأكدى إن الله معك ولن يضيعك ولن يخذلك أبداً ومد يده ليخرج من جيب سرواله كتاباُ صغيراً ليعطيه لها قائلا وهو ينهض خذيه به أحاديث قدسية وأدعيه.

وأطمنئنى يا ابنتى فأن الله معك فمن كانت تخشى الله بكل تلك التقوى فلن يضيعها الله أبداً شعرت أمل بقدر من الارتياح بعد الصدفة التى جمعتها بالشيخ .

الامر الذى جعلها تستطيع العودة الى منزلها بهدوء ودخلت بيتها واضاءت غرفتها وأسرعت فى تبديل ملابسها ثم تناولت جرعة الدواء التى حددها لها الطبيب ثم قرأت كثيرا من الكتاب الذى أهده لها حتى غلبها النعاس ثم استغرقت فى نوم هاديء لتحلم بأننها وجدت نفسها فى غرفة مغلقة مظلمة كل أبوابها بأسلاك وحديد وتريد أن تصرخ ولكن صوتها لا يخرج الى أن وجدت يداً تفتح لها باب الغرفة من الخارج ثم تمتد اليها لتساعدها على النهوض ثم الخروج مرة أخرى لترى عينيها النور من جديد وتستنشق نسيم الهواء بعد العتمة فاستقيظت أمل وفتحت عينيها على ضوء النهار وهو ينسج خيوطة ليبدد ظلام الليل وكأنه يبدد ظلام يأسها وشعرت فى تلك اللحظات كأن اليد العنيفة التى كادت تلوى عنقها أرخت قبضتها فجأة عن رقبتها..... فهى كانت دائما تستبشر بالاحلام والرويء فنهضت من على فراشها وفتحت نافذة غرفتها لتستنشق نسيم الصباح ورفعت وجهها إلى السماء تناجى ربها وهى تمتم ..ياربي أعطتنى من الثراء الذى جلب لى العزة والكرامة طيلة حياتى واستودعته عندك وعهدك أن أستخدمه فى كل ما يرضيك وانت تعلم انى وحيده فى الحياة .. واقاربي لم اشعر منهم بالعطف أوالرحمة منذ وفاة والدى وأني أخشى إن فارقت الحياة الا يعملوا بوصيتى وان يبددوا أرثي بمطامعهم .
فرغم أنهم اثرياء ولكنهم يسعون لجمع المال بشراهة ليزدادوا ثراء لمتاع الدنيا الزائلة فإن تركت لهم وصية فلن يعملوا بها ولن يعترفوا بها وسيطعنون عليها كما هددونى ان يفعلوا

-5-

عقب وفاة والدى ولن يفتكرونى حتى بالدعاء بالرحمة فى كلا الحالتين ولن أجد من يذرف على الدمع بعد رحيلى من قلبه..
وأمتلأت أعين أمل بالدموع وهى تنظر إلى السماء وتتمتم شاكيه الى الله حالها ياربي لم اتمنى رجلا بجانبي يوما مثل الأن رجلا يتقيك ويعلم مثلى أن الدنيا الى زوال أترك له أرثى ويكون الارث حقا له ويفهم معنى وصيتى ولا يتهمنى بالعبث أو الجنون ثم انهالت الدموع من مقليتها وهى تردد دخيلك يا الله دخيلك يا الله .

ثم جففت دموعها وحاولت أن تقضى يومها كالمعتاد تاركة ثقل همومها على ربها فتناولت جرعة دوائها التى اشعرتها بتحسن وقوت جسدها مرة أخرى وجلست أمام التلفاز تستكمل فطورها فلفت نظرها أحد البرامج التى تتناول موضوع الشفاء بالقرأن الكريم .

انتبهت أمل لحديث الرجل الذى كان يرتدى حلية وليس جلباباُ ويتسم مظهره بالاناقة والشبابية ولكنة يلفب بالشيخ وشد انتباهها قسم الرجل بأن الايمان بالله يشفى من كثير من الامراض والثقة فيه تعافى الناس وفرحت عندما وجدتت الرجل تاركا رقم هاتفة وأسمة على شاشة التلفاز فقامت بتسجيله على الفور وفى نهاية يومها وهى مسترخية على فراشها تذكرت رقم هاتف الرجل فأتصلت به قائلة الشيخ عادل عبد الموجود رد صوت هاديء عليها نعم أنا عادل
فقالت بصوت فرح كنت خائفة أن حضرتك ..لم ترد .فكثيرما يحدث هذا رد مبتسما ولكنى انا معك الان
فقالت بصوت متلجلج لو قلت لحضرتك أنك كنت فى برنامجك كأنك تتحدث عنى فهل تصدقنى؟

فابسم قائلا أصدقك عرفينى أولا بإسمك وبنفسك ولكنى أفضل ان تزورينى فلم تترد أمل فقالت مسرعة غدا قال فى انتظارك واليك العنوان وجاء الصباح لتستعد من بداية يومها للقائه ودخلت أمل مكتبه فبهتت ...فكانت عيادة طبيب فقالت بصوت متردد حضرتك الشيخ عادل فابسم قائلا ومداعباُ هل مظهرى لهذة الدرجة فى الحقيقة مختلف عن التلفاز قالت متلجلجة لا ابدا مجرد اني اتفاجأت وشعرت بأرتياح له وفهمت نظراته التى فضحت اعجابه بها ولكن نظرته لم تخفها وافرغت أمل كل مافى جعبتها للدكتور عادل وكأنها تحكى احساسها قبل شكواها فكم كانت تتمنى أن تجد من تحكى له كل ما بداخلها دون خجل أو خوف أو تردد وتنتظر

-6-

منه عندما تنتهى أن يقول لها ....إن تخلى عنك العالم بأكمله فلن أتخلى عنك أنا أبدا .....
ولم يخذلها زمنها وشعرت بأن عادل يستمع لها بقلبه قبل عقله وأن نظراته تلتهب إعجابا بل شغفا وعطفاُ.. فدائما احاسيس النساء لا تخدعهن أبدا خاصة عندما تكون من قبل الرجال قال عادل مبتسما ابتسامه تعجب وكأنه يخاطب نفسه كم من مفاجأت يفاجئنا بها القدر واسترسل قائلا تعرفين يا أمل اننى كنت مثلك ..لى اكثر من ثلاث سنوات أبحث عن إمرأة تتقى الله بعد وفاة زوجتى وتركها لى حسين وهبة وهم لايزلان أطفالا يحتاجان الى رعاية ثم صمت وكأنه حزم أمره ونظر لها وقال بصوت قوى وكأنه يجمع أرادة العالم لينطق بها أمل هل تقبلين الزواج منى؟

بهتت أمل من هول المفاجأة ولكن ابتسامة الرضاء التى أرتسمت دون أرادة منهاعلى شفتيها فضحت ما حاولت أن تخفيه وحاولت أن ترد عليه الا أنه وضع يده بالقرب من شفتيها ليصمتها قائلاُ أمل قبل ما تقولى اى شيئ فأنا طبيب وأعلم حالتك جيدا وأن وافقت فبعد الزواج بأيام سنجرى العملية بمشيئة الله ولن تكونى لوحدك بعد اليوم أبداً ترقرقت أعين أمل بدموع الفرح لأول مرة منذ وفاة والدها كم كانت تتمنى أن يشاركها فرحتها وتذكرت بشارة رؤية المنام فنظرت الى أعلى وقالت متمتمة كأنها تناجى ربها دخيلك يا الله وشكرك يا الله فحقاُ لم تضيعنى !

تمت