ناديا صالح في تجربة جديدة

من أدب الأطفال: هلالي والعيد محمد خليل

الكتابة، بمنظور ما، هي الكاتب نفسُه، وقد لا نبالغ إذا قلنا: إن الكتابة قد تأتي في الأغلب الأعم، مرآةً حقيقيةً تعكس الكاتب أو الكاتبة، أو بعضَ جوانبِهما الشخصيةِ في أقلِّ تقدير، طبعًا ضمنَ البيئة الخاصة التي أنتجت تلك الكتابة. وهو ما نلمسُهُ حقيقةً لدى ناديا، من خلال ما أجاد به وأفاد يراعُها، ذلك اليُنبوعُ المتجدد. الذي يعكس المعانيَ السامية والقيمَ النبيلة التي تسكن بداخلها كإنسانة ومربيةٍ وأمٍ في الوقت نفسه. فالحب الذي تُكِنُهُ وتنشرُه على الجميع، يسكنها مثلما تسكنه هي في آن. من ذلك المنطلق نرى أن جميعَ كتبِها، التي أصدرتها إلى الآن، تفيض محبةً للناس وللأطفال تحديدًا. فالحب بارز للعيان، واضحُ المعالم والمعاني في كل ثنايا كتبها، إنها تحمل رسالةَ حبٍ مُثلى، وكأني بلسان حالها يقول: ألا كلُّ شيء في هذه الحياة ما خلا الحبُّ باطلٌ! وهو أمرٌ، تستحقُ عليه الثناءَ والإشادةَ والتقدير. من جهة أخرى، فإن ما أبدعته الكاتبة ناديا من قصص للأطفال يشي بأننا في حضرة مربية فاضلة تحب الخير للجميع، تتحدث إلينا أو تخاطبنا بلسان الطفل الذي بداخلها وربما الذي بداخلِ كلِّ واحدٍ بيننا، بلغة ملؤها الحبُّ والرِّقةُ والحنان، بلغة سلسة قريبةٍ إلى القلب واللب معًا. يقول إبراهيم الكوني في "وطني صحراء كبرى": "لا يجبُ أن نثقَ في إنسان لم نر في عينيه طفولة"!

يلحظ المتابع لكتابة ناديا في مجال أدب الأطفال، بأنها قد حققت، من خلال "هلالي والعيد" و "الأرنب الطائر" قفزة نوعية جديدة ومتقدمة. فلو تابعنا مسيرتها الكتابية لوجدنا أن هاتين القصتين مختلفتين عن القصص الأخرى من حيث الشكل والمضمون على حد سواء. هنالك تطور ملحوظ وتقدم ملموس في الإصدارين المذكورين. في حين جاءت كتابتُها الأولى بسيطة بمعناها ومبناها، واللغة فيها سهلةٌ وكذلك الفكرة. يقول جان بياجيه "إن الهدف الأساسي من التربية هو خلقُ رجالٍ قادرين على صنع أشياءَ جديدةٍ، ولا يقومون فقط بتكرار ما صنعته الأجيال السابقة، رجالٍ مبدعين، مبتكرين ومكتشفين"! لأن أطفالَ اليوم هم رجالُ الغدِ، مما دفع

الدولَ المتحضرة إلى الاهتمام المتزايد والاستثمار بالطفل، الثروةِ الحقيقة في المجتمع. سئل المأمون ما ألذُّ الأشياءِ إليك؟ فقال: التنزه في عقول الناس! يعني قراءةَ الكتبِ. في العجالةِ الآتية، سوف أتوقف عند آخر إصدار للزميلة ناديا وهو "هلالي والعيد"!

يحتوي الكتاب بين طياته على قصة هادفةٍ، وجميلةٍ مبنىً ومعنى. فرسوماتهُا جاءت معبِّرةً واضحةً وكذا ألفاظها، مع ما فيها من دلالات وإشارات، ألوانُها جاذبةٌ ولافتة، وقد ظهرت متناغمةً في وحدة متكاملة مع المضمون إلى حد كبير، من هنا كان اهتمامُها بضرورة ملاءَمة الصورِ والرسومات والألوان لميول الأطفال ورغباتهم، في مرحلة عمرية محددة.
تعرض القصة لموضوع "الخيال العلمي" مستفيدةً من ظاهرة الطيران في الفضاء، ومشفوعةً بلوحاتٍ فنيةٍ جميلةٍ، متناسقةٍ وصفًا ولونًا ودلالةً. يمكنُ أن تنقلَ، تلك اللوحاتُ، طفلَنا من عالم الواقع المألوف إلى عالم متخيَّلٍ أجملَ، عالمٍ يغمرُه الفرح والمرح والسعادة، جنبًا إلى جنب الحث على التفكير والإبداع. هي لوحاتٌ خيالية تتجاوز الواقع إلى ما هو أبعدُ وأعمقُ، لكنها تحمل في أعطافها حمولاتٍ ودلالاتٍ متعددةً، تقف في مركزها طفلةٌ ذكيةٌ، تفكر، وتقرر أن تغيِّرَ، في مغامرة تهدف في المحصلة النهائية إلى تثقيف خيال الطفل وقلبه، وشحذ عقله معًا، كما تستجيب لميولِه وطموحاته وأحلامه. تبدأ القصة بتلك الطفلة/الراويةِ نفسِها، وهي الشخصيةُ المحورية في تلك المغامرة بعد أن راودتها فكرةٌ جميلة، نسجت خيوطَها في يقظة أحلامها أو خيالها بأن يكون عيدُ الأضحى، هذه المرةَ، مختلفًا! ومعروف أن الفكرة أساسُ كلِّ عمل. يبدو أن طفلتنا وربما أطفالنا جميعًا قد سئموا وملوا الروتين والوعظَ والتلقين! أما الكاتبة فقد نجحت في جعلنا نتابع طفلةً ذكية بطلةَ القصة، وهي تعمل على تحقيق فكرتها، بشغف واهتمام، منذ البداية إلى النهاية. في رحلتها الممتعة أو مغامرتها المثيرة تلك، الحافلةِ بالمفاجآت، تُرى الطفلةُ التي تتسم بالمخاطرة والشجاعة وهي تمتطي صهوةَ الهلالِ، محلقةً في الفضاء بسعادة لا توصف، وقد بدأت تتجول من محطة إلى أخرى، بين بعض القرى وفوقَ البحرِ وأماكنَ أخرى. وفكرةُ الهلال الطائرِ التي توظفها الكاتبة متأثرةٌ ببساط الريح الذي تستحضره الكاتبة من التراث العربي القديم، حيث ورد ذكره في كتاب "ألف ليلة وليلة"! وهو عبارة عن بساط مسحور يصبح وسيلةَ نقلٍ جويٍ للأفراد، لقدرته على الطيران. وقد ظهر ذلك البساط في حكايات علاء الدين عندما كان يتنقل عليه بين المدن!

خلالَ تلكَ الرحلةِ يتصادف للطفلة أن ترى الدُلفينَ في عُرضِ البحرِ خائفًا مذعورًا بعد أن تاه عن المجموعة، ومن فورها، ومن دون أيِّ ترددٍ تساعدُه على العودة إلى أصحابه أي إلى مجموعته، وتُدخل الفرحة والطمأنينة إلى قلبه، ما يعني أنها ترفق بالحيوان وتساعده وتعطف عليه، تمامًا مثلما تساعد الإنسان وتعطفُ عليه. هكذا نراها أيضًا تفعل مع الأطفال الفقراء في يوم عيد الأضحى، ومع مجموعة الأصدقاء إذ قدمت لهم ما يحتاجونه من مساعدة وأدخلت الفرحة إلى قلوبهم جميعًا. ومع تطوِّرِ أحداث القصة واقترابِها من النهاية، نرى طفلتنا تعود إلى حياتها الواقعية ونسمعُها تناجي نفسَها قائلة: أرجو أن لا أكونَ قد أضعتُ العيد على نفسي؟ وتكتمل فرحتُها وفرحتُنا مع عودتها سالمةً إلى الأهل والأقارب والأصدقاء! وهكذا تتحقق فعلاً لا قولاً فحسب، رسالةُ القصة التربوية، أو الفكرة الرئيسية التي أبدعتها الكاتبة ألا وهي:
أولاً: جلبُ المُتعةِ والفرحِ والسعادة إلى نفس الطفل، وصقلُ سلوكهِ، وذلك بإكسابه قيمًا سامية ونبيلة، نحن بحاجة إليها. فالقصة أفضل مصدر لغرس الفضيلة في نفس الطفل.

ثانيًا: تنميةُ الثروةِ الُّلغويةِ لدى الطفل، وكذلك القدرةُ والتركيزُ على مشاهدة الرسومات المساعدة. وقد ورد أن الكتابَ الجيد معلمٌ جيد!

ثالثًا: التغييرُ ضرورةٌ من ضرورات الحياة، وأما الفن فهو الوسيلة، لأنه قادر على التغيير تغييرِ حياة الأطفال، وحياةِ البشر كلِّ البشر!

رابعًا: أن نُفكرَ بالآخرِ، لا بأنفسنا فقط، أو كما يقول محمود درويش "فكِّر بغيرك" وأن أجملَ سعادةٍ هي جلبُ السعادةِ لكل من يفتقدُها، ما اسطعنا إلى ذلك سبيلا!

خامسًا: تحقيقُ ما يُرضي احتياجاتِ الطفل النفسيةَ والذهنيةَ والخياليةَ، وتوسيعُ أفقِ معرفةِ
الطفل، وتطويرُ الخيال العلمي لديه، وذلك من خلال تربيته على الإبداع، وإثارة الخيال وإيقاظه لديه، حتى لو كانت القصةُ خياليةً غيرَ ممكنةِ الوقوع أو ممكنةَ الوقوع. وهو ما نلمسُهُ من تطور نوعي لدى الكاتبة.

الأسلوب: الراوية أو الساردة هنا هي الكاتبة نفسُها، هي إحدى شخصيات القصة، بل هي الشخصيةُ المحورية فيها. حيث تتقمص الكاتبة شخصيةَ الطفلة، وتسرُدُ القصةَ بضمير المتكلم. وقد آثرت الكاتبةُ، كما يبدو، أن تتماهى مع الطفلة لدرجةٍ تبلغ حدَّ الإتحاد، لذا نراها لا تعرِّفُنا على هُويةِ تلك الطفلة، ولا تذكر لنا اسمها، إنما تحتفظ بها لنفسها، لأنها هي ذاتُها. فالكاتبة كما يبدو، هي الطفلة والطفلة هي الكاتبة! يقول تولستوي: يجب أن تكتب للأطفال بنفس الطريقة التي تكتب بها للكبار، لكن بمستوى أرقى، يجب أن نتماهى مع الطفل.

أسلوب القصة بسيط لكنه رشيق، خالٍ من التكلف، يتسم بالتلقائية أي العفْوِية. أما اللغةُ فيها، فهي سهلةٌ ومفهومة تتلاءم مع المرحلة العمرية المقصودة لاسيما عباراتُ الاستهلالِ التي تتوخّى شدَّ انتباه المتلقي وتشويقه. كذلك، نستطيع القول: إن المعانيَ كما وردت، جاءت في لبوس من الألفاظ المتناسقة، بعيدًا عن الأسلوب الحكائي التقليدي الذي لا يثير أيَّ خيال ولا يشحذ أيَّ ذهن لدى الطفل.

وقد اشتملت القصة من بين ما اشتملت عليه، على أحداث عدة في حركية سريعة وشائقة يجمعها خيط مشترك واحد هو: نهاياتُها السعيدة، والأمور بخواتيمها كما يُقال! لكن الذي استوقفني بالقصةِ ذلك الانعطافُ السريعُ والتحول المفاجئ في قولها "ورسمتُ هلالاً أصبح بفعل السحر هلالاً طائرًا"! فلو بحثت الكاتبة وتأنّت لوجدت صيغةً أخرى موفقةً أكثر! مثالُ ذلك لو كتبت: الهلالُ السحري! ربما كان أفضل! كذلك، قد يكونُ من الأنجح لو نسجت الطفلةُ قصتها من خيوط أحلامها في منامها، ليفهمَ المتلقي، تلميحًا لا تصريحًا، إمكانيةَ أن يصبحَ الحلمُ حقيقةً واقعة! أي أن نجعل أطفالنا يحلمون.

أخيرًا، كانت لنا أمسية ثقافية اجتماعية بامتياز، مفعمة بالدفء والمودة. هي مناسبة سعيدة للاحتفاء بالكاتبة ونتاجها الجديد "هلالي والعيد"، وكذلك بسائر إصداراتها السابقة، متمنين لها النجاحَ الباهر والمستقبل الزاهر، واستمرار التألق في سماء أدبنا المحلي، وذلك بأن تواصلَ مسيرتها الإبداعية، مسيرةَ العطاء في مجال أدب الأطفال، بخطوات ثابتة وراسخة، لاسيما بعد أن شقت طريقها بنفسها في هذه المغامرة الممتعة، لأنها كاتبةٌ عصامية، وإنها لقادرةٌ على فعل ذلك. طبعًا، مع ضرورة الاستمرار بالإكثار من القراءة وفي الوقت نفسه، ضرورةُ الإطلاع إلى أدب الأطفال الأجنبي المترجم من لغات أخرى، بغيةَ صقلِ تجربَتِها وخبرَتِها أكثرَ فأكثر، لأنَّ من لا يقرأ لن يكتب جيدًا، فقدمًا إلى الأمام، ونحن بالانتظار!