رُؤى ثقافيّة «٩٢»

العرب؟

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

- 1- العرب؟ ماذا عن العرب؟ وماذا عن ثقافتهم؟

سؤالٌ الإجابة عنه منطلَق كلّ إصلاح؛ لأن تشخيص الحالات يقتضي معرفة تاريخها، لتبيُّن ما وراء الأعراض من تاريخٍ مرضيّ؟ وما إذا كان مرضًا وراثيًّا، أم مكتسبًا؟

لقد باتت مراجعة خطابنا الثقافي العربي اليوم ضرورة ملحّة، إنْ أردنا لأُمّتنا أن تنهض كسائر الأمم الحيّة. والعرب، كأُمم أخرى، كانوا أُمَّةً وثنيَّة، في تاريخهم القديم، عبدوا الأصنام، وألِفوا هذا الضرب من العبادة دهورًا، حتى استمرؤوه. ولمّا جاء الإسلام كانت أُولى ثوراته على ذلك التاريخ: نسفَ ذلك الفكر الوثني. غير أنها إذا كانت أصنام العرب في الجاهليّة من الحَجَر، فقد أصبحت بعد الإسلام من البَشَر؛ فهذا إمام، وهذا وليٌّ صالح، وهذا أَسَد، وهذا ثور، وهذا معبود الملايين.. إلخ! لكلٍّ لاته، وعُزّاه، ومناته الثالثة الأخرى. والقرن العشرون وقرننا هذا كشفا عن هويّة العرب العميقة، الغائرة في مجاهل الماضي. وكان على رأس العُراة المثقفون والإعلاميّون. وجاءت الأحداث الأخيرة، خلال ما سُمِّي «الربيع العربي»، لتكشف من ذلك خَبَثًا كثيرًا متراكمًا، لا يغسله النيل ولا الفُرات، ولتميط اللثام عن مدَّعي الديمقراطية- نظريًّا- والليبرالية، والحُرِّيَّة، بل ليكتشف العالم أجمع أن بعض هؤلاء ليسوا بشرًا أصلًا، بل هم قطعان من مخلوقات بدائيّة! ذلك أن المثقف الحُرّ هو الذي- ومهما كانت وجهة نظره- لا يبرِّر الظُّلم، ولو ضِدّ عدوِّه، ولا ينافِق في لحظات الصدق، وإنْ فعل في غيرها من الأوقات. المثقَّف الشريف- الذي يستحقّ هذا الاسم- هو الذي يكون على استعدادٍ لتغيير مواقفه جذريًّا حينما يصل الأمر إلى ثقافة الغاب من حوله! غير أن «ربعنا»، سوادهم، مصندقون في سَحَّارة ذلك الإرث العريق، حتى أولئك الذين يزعمون «التفكير خارج الصندوق»؛ إذ إنما يصطنع أكثرهم صناديق بديلة ليتمترسوا فيها! أمّا حينما تكون لمن يسمِّي نفسه «مثقّفًا» وجهة نظر فلسفيَّة أمام جريمة واضحة كالشمس، فلا يُدينها، بل يقف مع المجرم، ويدافع عنه، ويصطف في جبهته، أمّا حينئذٍ، فما ينتطح ثوران- ولو في «الاتجاه المعاكس»- على أن هذا الكائن المسخ لم يَعُد «إنسانًا»، ناهيك عن أن يُسمَّى «مثقَّـقًا»؟!

إن من بيوت دائنا في هذا السياق أن قيمنا العربيَّة، وأخلاقنا المشرقيَّة، تنحصر غالبًا في شؤون الجسد والجنس. أمّا أن تكذِب، أو تسرِق، أو تقتُل، أو تتواطأ مع الكاذب أو السارق أو القاتل، فلا بأس بذلك! بل ربما عُدَّت تلك الجرائم الأخلاقيّة ضُروبًا من الفتكات اليعربيّة، أو «التكتيكات» الفَطِنة، والبطولات السَّبُعيَّة! الإنسان المثالي لدينا، رجلًا كان أو امرأة، هو من يستر جسده جدًّا، أمّا ما وراء ذلك، أمّا القلب والروح، أمّا سلوكه الاجتماعي والحضاري، أمّا سلوكه مع الإنسان والحيوان والنبات والطبيعة، فلا وزن له. تلك صغائر مغتفرة، ليس ما ينجُم عنها من كَبَائِر الإثم والفواحش، التي يجب اجتنابها، بل هو من اللَّمَم، و«إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَة»! وهذا قلبٌ للموازين؛ ذلك أن حُرمة الأجساد ليست للأجساد في ذاتها، وإنما لحُرمة الاعتداء عليها، وحفاظًا على كرامة الإنسان، وخياراته، وأمنه. ولذا لا عجب أن تُصدَم في أن تكتشف أن مَن يتشبَّث بالشكليّات، والمظهريَّات، هو خواء ممّا يُفترض أن تلك الشكليّات والمظهريَّات تأسَّست عليه من وازع دِيني أو أخلاقي؛ فهي إنما كانت عرضًا من أعراضه، وتجلِّيًا من تجليّات جوهره الثمين. لأجل ذلك ما أكثر ما تغدو تلك الشكليّات والمظهريَّات أقنعةً، ومسوحَ تنكُّر اجتماعيّ، و«إكسسوارت» تمثيلٍ أخلاقيٍّ، و«ديكورات» عُروضٍ مسرحيَّة عابثة، لتمرير مزيد من التزييف للحقائق، وإلباس الباطل لَبوس الحق، وتمويه الظلام في مخايل النور. أ لم يقل (محمد، عليه الصلاة والسلام): «إنّ الله لا ينظُر إلى أجسادكم, ولا إلى صوركم, ولكن ينظر إلى قلوبكم»؟ أو: «إنَّ الله لا يَنْظُر إلى صُوَركم وأموالكم، ولكن يَنظُر إلى قُلوبكم وأعمالكم»؟ أو: «إن الله لا يَنْظُر إلى صُوَركم، ولا إلى وجوهكم، ولكن يَنْظُر إلى قُلوبكم التي في الصدور»؟ تعدَّدت الروايات والمعنى واحدد. بل أ لم يقل الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى، وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»؟ بلى! لكن هذا، جلّه إنْ لم نقل كلّه، مغيَّبٌ في مناهجنا التربويّة، ومواضعاتنا الاجتماعيَّة.

لا تعويل لدينا- عربًا ومسلمين- على تلك «المُضغة» التي إذا صلُحت صلُح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه. وإنما يظلّ التعويل والتركيز، كلّ التعويل والتركيز، على الأجساد، والصُّوَر. سُنَّة من خلا من الأُمم والأديان. والإنسان هو الإنسان، بحماقاته، وتحيُّزاته، وغفلاته، وعماه. من هنا لا تستغرب أن تجد امرأةً عاريةً، أو حتى عاهرة، أكثر استقامة أخلاقيَّة- بمقاييس الأخلاق الإنسانيّة الكُبرى والجوهريَّة- من ألف منقَّبة ومحجَّبة. أ ولم تدخل الجنَّة بَغِيٌّ في كلبٍ سَقَتْه، كما جاء في الحديث، في أوّل دستور للرِّفق بالحيوان، الذي يسخر منه المسلمون اليوم، ويعدُّونه من سفاهات الغرب؟!
فما معنى هذا؟! وأين نحن من هذا؟!

تلك هي الأخلاق الحقيقيّة التي تبني القِيَم، وتُنشئ الأُمم، لا خِرَق الأقمشة على أجسادنا، أو ما نربِّي من شعور وجوهنا، أو نغطِّي من شعور رؤوسنا!

لكننا لا نُحِبّ تلك الأخلاق القُلوبيّة كثيرًا، بل لا نُحِبُّ ذِكرها، أو حتى لفت الأنظار إليها في منابرنا التربويّة والتعليميّة والثقافيّة؛ لأن ذلك يُربِك علينا الكثير من مصالحنا، ويُتلِف أعصابنا إتلافًا، ويُفسد ما بُرمِجت عليه قلوبنا من فساد قديم! ولا غرو، فتلك طبيعة البشر، حينما لا يأطرها قانون، ولا تشكِّلها تربيةٌ قويمة.

-2-

وفي مقابل هذا الداء الماتح من نسغ الثقافة العربيّة بتراثها الغَثّ، داءٌ آخر من (الاستلاب)، أشدّ مقتًا، وإزراءً بكرامة الإنسان وعقله. استلاب حضاريّ، لا يدع غرابةً في مواقف الغريب منّا، ما دام القريب تابعًا له، مسترَقًّا لسلاسله وأغلاله، فكرًا وحِسًّا وانتماءً! حتى إنه ليبدو- وَفق مهاوي استلابنا تلك- مجرّد التحرُّر، أو النزوع إلى الاستقلال عن العبوديّة، أو التطلّع إلى ذلك، ولو رمزيًّا، تطرُّفًا فكريًّا، ورجعيّةً حضاريَّة، بمقدار المسعى إلى الخروج عن بيت الطاعة الحديث!
والأمر هاهنا يأتي برُمَّته في إطار تبعيَّةٍ عبوديَّةٍ، يُهرطق بعضٌ بأنها علاقة استراتيجيّة وضروريّة. والاستراتيجيّة تبعُد عنها، «كبُعدِ الأرضِ عن جَوِّ السماءِ»، وذلك لعدّة أسباب، منها:

أن تلك النزوعات الاستلابيّة اللاهثة غربًا لا تنطلق في طُموح إلى الإفادة، والتعلُّم، ومن ثَمَّ التحرُّر والاستقلال، وإنما هي تنبثق عن قناعة لا تفنَى بأن قَدَرنا أن نظلّ الطاعمين الكاسين. وتلك عقيدة الأرِقّاء؛ ففي (الولايات المتحدة الأميركيّة)، مثلًا، حينما جاءت مساعي (إبراهيم لينكلون) إلى تحرير العبيد، قالوا- أو بعضهم-: «كلّا، ما لنا وللحُريَّة؟! العبوديّة أهنأ وأرحم»! لأن الحُريّة مسؤوليّة، يُشفق من مؤونتها عقلاء العبيد! والحُرِّيَّة- قبلئذٍ وبعده- مفاهيمُ شتَّى، كلٌّ يراها من منظوره، ويوظِّفها لمآربه، ويقف منها على ما يشتهي، وإنْ كان ضدّ الحُريَّة (باسم الحُريَّة).(1)

الأمر الآخر، أن عقل العبد، القاصر، يخيِّل إليه أن سيِّده بيده ملكوت البقاء السرمدي؛ لأن صاحب ذلك العقل المستلَب قد بَلَغَ من الخنوع إلى درجةِ تأليهِ مولاه وربِّ نعمته. ومِن هنا فهو يعوِّل عليه بشكلٍ مطلَق، ولا يتصوَّر أنه سيَحُوْل، فضلًا عن أن يزول. وعليه، فإلى جانب تخلِّيه عن الطُّموح الطبيعي في أن ينعتق منه ليكون له نِدًّا، لا تَبَعًا، فإنه يتخلَّى عن الرؤية الاستراتيجيّة للتحالف أو التكامل مع القريب، تاريخًا وجغرافيا وثقافة. القريب الذي يمثِّل، في منطق العقل والطبيعة والتاريخ، عُمقه الاستراتيجي الحقيقي والباقي، مهما كانت بينه وبينه من العداوات والذكريات البغيضة.
ذاك هو الأمر الذي فقهته الشعوب، فأقامت التجمّعات والتكتّلات، الاقتصاديّة والسياسيّة، رغم أنف تاريخها الدامي، إلّا العرب؛ فلهم الاستثناء دائمًا، ولا فخر.. ولهم الويل ممّا يعملون!