الجواهـــري... عشية

وخلال كارثة شباط الاسود عام ١٩٦٣

قبل ان يطول اغتراب الجواهري إلى براغ كثيراً، حتى حلت كارثة شباط عام 1963 بكل مآسيها التي طالت "أهلاً وصحاباً وديارا" وفي شتى أرجاء البلاد العراقية... وكان لابدّ لشاعر الوطن أن يتخذ موقفاً، فاتخذ، برغم خلافاته ومواقفه العامة والخاصة التي كانت سائدة في حينها من قيادة السلطة التي طالها الانقلاب، وزعيمها عبد الكريم قاسم، وكذلك من والاه دون تحفظ... وقد وثق الشاعر الكبير عن بعض ذلك في رائيته الموسومة "يا غريب الدار" عام 1962ومن أبياتها:

من لهمّ لا يجارى ولآهات حيارى
ولمطوي على الجمر سراراً وجهارا
من لناء عاف اهلاً وصحاباً وديارا
تخذ الغربة داراً، إذ رأى الذل اسارا

وإذ تنادى الالاف من معارضي الانقلاب، سياسيين وأكاديميين، ودارسين وغيرهم، في الخارج، للانتصار إلى أهلهم وبلادهم ضد القمع والارهاب، أفلحت جهودهم في اطلاق لجنة عليا للدفاع عن الشعب العراقي، وليتم اختيار الجواهري رمزاً وطنياً، وثقافياً، أولَ، وبالاجماع، لرئاستها، وقد اتخذت من العاصمة التشيكية براغ مقراً مركزياً لها، وذلك بعيّد فترة وجيزة من طوفان الدم الذي تسببه الانقلاب البعثي المشؤوم.

وضمت قيادة تلكم "اللجنة العليا" شخصيات وطنية جليلة كان من أبرزها فيصل السامر ونزيهة الدليمي وذنون أيوب ومحمود صبري وصلاح خالص، وايضا:جلال طالباني لفترة محدودة... ذلك إلى جانب ممثلي وتشكيلات اللجنة في عدد من عواصم ومدن أوروبا بشكل خاص.

وفي ظلّ رئاسة الجواهري نظمت اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي، التي امتد نشاطها – عملياً – حتى مطلع 1965 العديد من النشاطات المهمة كالمؤتمرات والندوات واصدار البيانات وتنظيم حملات ومهرجانات التضامن في بعض البلدان الأوربية، الرأسمالية منها، والاشتراكية آنئذٍ... كما أصدرت اللجنة مجلة فكرية سياسية عامة باسم "الغـــد" لتتولى مهمات توثيق الاحداث وكشف الحقائق ومحاولة صياغة البدائل، لانقاذ البلاد، ووقف نزيف الدماء.

وخلال تلكم الفترة، كتب الشاعر الكبير قصيدته الذائعة الصيت عن بغداد "دارة المجد، ودار السلام" وما حلّ بها من دمار وانتهاكات وسيول دماء غزيرة، وقد كان لتلك الميمية الهادرة، بحسب المتابعين والمؤرخين، أصداء واسعة في المعتقلات والسجون ولدى عموم الجماهير التي اكتوت بمجازر الانقلاب المشؤوم... وهكذا جاءت أيضاً، وفي خضم تلكم الأحداث ميميته، الاخرى، التأريخية الثائرة عن نضال الشعب الكردي "قلبي لكردستان".

يا موطن الأبطال بثٌ مؤلم، وألذ اطراف الحديث المؤلمُ
سلّم على الجبل الأشم وعنده من ابجديات الضحايا معجمُ
سفرٌ يضم المجد من اطرافه، ألقاً كما ضم السبائك منجمُ
يا موطن الأبطال حيث تناثرت قصص الكفاح حديثُها والاقدمُ
حيث انبرى مجدٌ لمجد ٍ والتقى، جيلٌ بآخر زاحف يتسلمُ

كما نظم الجواهري في الفترة ذاتها عديداً آخر من القصائد الوطنية و"المقاوِمة" والانسانية... ومنها ملحمته "إلى أطياف الشهداء الخالدين" والتي جاء فيها:

سلاماً وفي يقظتي والمنام، وفي كل ساع ٍ وفي كل عام ِ
تهادي طيوف الهداة الضخام، تطايح هاماً على اثر هام ِ
ودقت مسامير خجلى عطاشى، بكف ِ المسيح فطارت رشاشا
بقايا دم للعصور التوالي تخضب بالمجد هامَ الرجال..
حماة الحمى والليالي تعودُ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ
سيورق غصنٌ، ويخضر عودُ، ويستنهض الجيل منكم عميدُ

ومما نذكره للتأرخة هنا ان تلكم القصائد التي أشرنا لها، ضمها إلى جانب شقيقات أخريات ديوان خاص حمل اسم "بريد الغربة" أشرفت على طباعته وتوزيعه لجنة الدفاع عن الشعب العراقي، ذاتها، وقد تبرع الجواهري بكامل ريع الديوان للتضامن مع أهل البلاد، الجاثمة تحت وطأة الانقلابيين وجرائمهم التي أدانتها كل قوى الخير في العالم.
وإذ لا يتحمل الحديث الموجز هنا، لتفاصيل أخرى عديدة، نعد أن يتم السعيّ لتوثيق مفصل عن تلكم "اللجنة" ودور الجواهري في رئاستها، فضلاً عن تجربتها ونشاطاتها، وكذلك عن التعقيدات التي رافقت عملها، ونأمل أن يتحقق ذلك في فترة قريبة قادمة...