مدخل نظري لدراسة العنوان

، بقلم محمد رشد

على سبيل التوطئة:

لقد أهمل العنوان كثيرا سواء من قبل الدارسين العرب أم الغربيين قديما وحديثا،لأنهم اعتبروا العنوان هامشا لا قيمة له وملفوظا لغويا لا يقدم شيئا إلى تحليل النص الأدبي؛ لذلك تجاوزوه إلى النص كما تجاوزوا باقي العتبات الأخرى التي تحيط بالنص. ولكن ليس العنوان" الذي يتقدم النص ويفتتح مسيرة نموه مجرد اسم يدل على العمل الأدبي: يحدد هويته، ويكرس انتماءه لأب ما. لقد صار أبعد من ذلك بكثير. وأوضحت علاقته بالنص - بالغة التعقيد- إنه مدخل إلى عمارة النص، وإضاءة بارعة لأبهائه وممراته المتشابكة (…) لقد أخذ العنوان يتمرد على إهماله فترات طويلة، وينهض ثانية من رماده الذي حجبه عن فاعليته، وأقصاه إلى ليل من النسيان. ولم يلتفت إلى وظيفة العنوان إلا مؤخرا. إذ شهدت الدراسات والأبحاث السردية اهتماما كبيـرا (بالعتبات) (كما عند جيرار جنيت، أو(هوامش النص) عند هنري ميتـران، أو(العنوان) بصفة عامة (عند شارل كريفل)، أوما يسمى اختصارا بالنص الموازي..

وقد أثار مصطلح (يسمى اختصارا بالنص الموازي) أو(La para textualité) في استعمالات وتوظيفات جيرارد جنيت اضطرابا في الترجمة داخل الساحـة الثقافيـة العربيـة بين المغاربة والمشارقة. والسبب في ذلك، الاعتماد علـى الترجمة القاموسـية الحرفيـة، أواعتماد المعنى وروح السياق الذي وظف فيه في اللغة الأصلية.
في مفهوم العنوان:

لغة: جاء في لسان العرب:" وعننت الكتاب وأعننته لكذا أي عرضته له وصرفته إليه. وعنّ الكتابَ يَعُنُّه عنّا وعنّنته: كعنونه، وعنونته وعلونته بمعنى واحد، مشتق من المعنى. وقال اللحياني: عننت الكتاب تعنينا وعنّيته تَعْنِيَةً إذا عنونته، أبدلوا من إحدى النونات ياء، وسمي عنوانا لأنه يَعُنُّ الكتاب من ناحيتيه، وأصله عًنّان، فلما كثرت النونات قلبت إحداها واوا، ومن قال عُلوان الكتاب جعل النون لاما لأنه أخف واظهر من النون. ويقـال للرجل الذي يعرّض ولا يصرح: قد جعل كذا وكذا عنوانا لحاجته، وأنشد:

وتعرف في عنوانها بعض لحنها
وفي جوفها صمعاء تحكي الدواهيا

قال ابن برّي: والعنوان الأثر، قال سوار بن المضرِّب:

وحاجةٍ دون أخرى قد سنَحت بها
جعلتها للتي أخفيت عنوانا

قال: وكلما استدللتَ بشيء تظهره على غيره فهوعنوان له كما قال حسان بن ثابت يرثي عثمان رضي الله عنهما:

ضحّوا بأشمطَ عنوانُ السجود به
يُقطِّعُ الليل تسبيحا وقرآنا

قال الليث: العلوان لغةٌ في العنوان غير جيدة، والعُنوان بالضمّ، هي اللغة الفصيحة.
وقال أبودواد الرواسي:

لمن طلل كعنوان الكتاب
ببطن أُوَاقَ، أوقَرَنِ الذُّهابِ ؟

قال ابن بري: ومثله لأبي الأسود الدؤلي:

نظرتُ إلى عنوانه فنبذتُه
كنبذِكَ نعلاً أخلقَتْ من نِعَالِكَ.

وعلوان الكتاب سمته، علونته علونةً وعلوانا، وعنونته عنونة وعنوانا، قال أبوزيد: علوان كل شيء علامته وهوالعنوان
قال ابن سيده: وفي جبهته عنوان من كثرة السجود، أي أثر، حكاه اللحياني وأنشد:

وأشرط عنوان به من سجوده
كركبة عنز من عنوز بني نصر

فالعنوان لغة هوالسّمة والعلامة والأثر يستدل به على الشيء بوجه من وجوه التعريض لا التصريح...
في البدء كان العنوان، فما من أثر إلاّ وله عنوان يشترك في هذا ما نزل من السماء وحيا وما كان من الأرض وضعا، وتتفق في هذا الصنائع والفنون والعلوم والآداب فيما أنتجت مجردا أومجسما ؛ فبالاسم تتمايز الأشياء وتفترق ويرفع اللبس وتذهب الحيرة ويحل الاطمئنان كلّه أوبعضه.

ورد في اللّسان أنّ أبا العباس قال: "رسم وسمة توضع على الشيء تعرف به" وقال ابن سيده: "والاسم اللّفظ الموضوع على الجوهر أوالعرض لتفصل به عن بعض كقولك مبتدئا: اسم كذا وكذا."

وقريب من هذا قول أبي إسحاق: " إنّما جعل الاسم تنويها بالدلالة على المعنى، لأنّ المعنى تحت الاسم. " أمّا ابن بري فقد أثر عنه قوله: " [...] وكلما استدللت بشيء تظهره على غيره فهوعنوان له. "

فالاسم رسم وسمة وعنوان يوضع للدلالة على الشيء أوالفصل والتمييز بينه وبين غيره.

" غير بعيد عن هذا ما قرّره معجميواللغات ذات الأصل اللاتيني في هذا الباب من لغاتهم فلفظة " Titre" بالفرنسية أو’’Title’’ بالإنجليزية أوبالإيطالية أوبالإسبانية تنحدر كلها من اللفظة اللاتينية ’’ Titulus’’ وهـي تعني اللافتة تعلق علـى الدكان والملصقة توضع على القارورة تبين محتواها، كما تعنـي المعلقة في عنق العبد أُعدّ للبيع، وقائمة مناقب الأسلاف / والكتابة عند رأس يسوع الناصري مصلوبا.

ثمّة إذن تعريف وفصل وتنويه ودلالة وإظهار هي وظائف العنوان أوالاسم فهوإما وسم يعرف الموسوم أولفظ بين الموجودات أواسم يكشف محجوب المعنى أوعنوان يظهر الحاجة يعرض ولا يصرح. وإذا كانت هذه المعاني قد زالت فإنّ أثبتها في الاستعمال أوأجراها على اللسان أوأشيعها بين الناس هوما تعلق بوسم النص حتى صار العنوان بالنسبة إلى النص علامة وأمارة وجود.

اصطلاحا: يعرف العنوان بقوله " هومجموعة من العلاقات اللسانية قد ترد طالع النص لتعيينه وتعلن عن فحواه وترغب القراء فيه. "

وتعرف فيري العنوان بأنّه:" كلام مكتوب فوق نص القصيدة في الفضاء الذي كان قد احتله هذا الكلام منذ المراحل الأولى للطباعة "ومع أن فيري تقتصر في تعريفها هذا على عنوان القصيدة، فإننا نجده ينطبق أيضا على ألوان أدبية أخرى، كالقصة، الرسالة وغيرهما.

ويورد ج. جينيت في مقال تعريف ليوهويك للعنوان والذي يولي فيه القارئ أهمية قصوى، بحيث يقول: " إنّ العنوان مبني وشيء مصنوع لغرض التلقي والتأويل "

ونلاحظ أن التعريفين الآنفين هما تعريفان أوليان وضيقان للعنوان، لأنهما يحصران دوره في الإشارة للعمل فحسب.
أما محمد فكري الجزار فنراه يعرف العنوان بشكل موسع مقارنة بالتعاريف السابقة مستعينا بمعاني هذه الكلمة ( العنوان ) الواردة في معاجم اللغة العربية فيبدأ في القسم الأول من كتابه بهذا التعريف الأولي اللغوي، والذي لا يعتبره مختلفا عن التعريف الاصطلاحي له: " العنوان للكتاب كالاسم للشيء، به يعرف وبفضله يتداول، يشار به إليه، ويدل به عليه، يحـمل وسم كتابه، وفي الوقت نفسه يسمّى العنوان – بإيجاز يناسب البداية– علامة من الكتـاب جعلت عليه "

وبعد هذا التعريف يخوض الجزار في الدلالات المعجمية لكلمة العنوان، بحيث يعيدها إلى مادتي " عنن " و" عنا " ويقسمهما إلى دلالات لغوية تحوي الكلمات: " القصد والإرادة " "الظهور والاعتراض " " الوسم والأثر"، ودلالات اصطلاحية وردت على شكل جمل، كما يقول ابن بري (1106 م- 1187م):" كلما استدللت بشيء تظهره على غيره فهوعنوان له" أوفي قول ابن سيده ( 1007 م – 1066م): " العنوان سمة الكتاب " ويرى الجزار أن قول ابن بري يدل على أن العنوان يحصر المعنى، أما قول ابن سيده فيشير إلى العنوان باللغة الكتابية لا الشفاهية يَسِمُ العمل، ويعوضه عن غياب السياق المنطوق في الكلام الشفهي "

أما بالنسبة للدلالات اللغوية التي ذكرت سابقا فإن الجزار يعتبرها حافة وذات علاقة بالدلالات الاصطلاحية، ونراه يدأب على توضيح مثل هذه العلاقة، فالقصد والإرادة يرتبطان عنده بكون المرسل ينطلق من مقاصده في إرساله العنوان للمتلقي، وهذا العنوان يحمل" المرسلة " في دلاليته، وهذا الحمل هوقصد المرسل وإرادته إبلاغ المتلقي بتلقي المرسل على مستوى التجنيس والموضوع. أما« الظهور والإعراض " فيختصّان بالمستقبِل ( المرسل إليه ) لأن العنوان هوما يظهر له ويعترضه من العمل، إذ أنه أول ما يتلقاه من هذا العمل، مفعِّلا في ذلك معارفه الخلفية.

ولما كان العنوان شديد الافتقار والاختصار على الصعيد اللغوي، فإن التفاعل بين تلك المعارف السابقة وبينه يتم بشكل قريب من التداعي الحر بين دوال العنوان وموضوعات تلك المعرفة ومنه تولد الدوال دلالاتها بالرغم من افتقارها اللغوي. ويؤكد " الوسم والأثر" على استقلال الوسم أنطولوجيا عما يسمه، والأثر عن حامله، أي استقلال العنوان عن نصه، رغم نسبته إلى عمله، أونسبة عمله إليه ".

إذن نحن أمام خاصيتين للعنوان، خاصية أنطولوجية (استقلاله)، وخاصية وظيفية (نسبته إلى عمله) وهاتان الخاصيتان تتيحان للعنوان ممارسة التعدد الوظيفي وذلك بتعدد الأعمال ذاتها.

العملية التواصلية والتداولية للعنوان:

يمكن الاستعانة في تحقيق العملية التواصلية للعنوان بالخطاطة التي وضعها "جاكوبسون" للعملية التواصلية عامة، لنكتشف من خلالها عناصر التواصل الأساسية المتمثلة في (المرسِل، والرسالة، والمرسَل إليه)، ولكن لخصوصية العنوان يمكن تصور خطاطة تواصلية عنوانية مشابهة لسابقتها، تكون أطرافها:
المرسِل الرسالة المرسَل إليه

المُعَنْوِنُ العنوان المُعَنْوَنُ له

الكاتب عنوان النص القارئ/ الجمهور
كل هذا في وضع مخصوص، وسياق مخصوص، ومرجع مخصوص أيضا. ويمكن تتبع ج. جينيت في تحقيقه لهذه العناصر التواصلية العنوانية، فنجد:

المُعَنْوِنُ/المرسِل:

يرى "جينيت" أن مُرسِل العنوان قانونا هوالكاتب/ الشاعر، كما يمكن وضع هذا العنوان بإيعاز من الناشر أوالمحيط التأليفي، أي محيط الكاتب/ الشاعر.إلا أن المسؤولية في وضع العنوان تكون خالصة للكاتب/ الشاعر.

وفي النص المدرسي قد لا يكون مرسل العنوان هوالكاتب/ الشاعر، بل قد يكون مرسل العنوان هوواضع الكتاب المدرسي أولجنة التأليف الخاصة بالكتاب، مراعية في وضع العنوان الشروط التربوية/ التعليمية لمستوى المعنون لهم، والشروط الحضارية للمجتمع التربوي...

المُعَنْوَنُ له/ المرسَل إليه :

الذي يرسل إليه العنوان عموما هوالجمهور، وهوكيان قانوني أوسع من مجموع القراء، لأن العنوان يمكن أن يرتحل على ألسنة أشخاص لم يقرؤوا النص، وهذا ما يدعى بالتلقي العنواني، وبهذا يمكن أن نحدد بدقة من يرسَل إليه النص، إنه القارئ، أما الذي يرسَل إليه العنوان فهوالجمهور.

فالعنوان يخاطب به بصريا وإشهاريا الكثير من الناس فيتلقونه لينقلونه بدورهم إلى الآخرين، وبهذا فهم يسهمون في دورته التواصلية والتداولية.

فإذا كان النص هوموضوع للقراءة، فالعنوان مثل اسم الكاتب موضوع للدوران وبدقة أكبر موضوع للتحادث.
العنوان/ الرسالة):

يرى "أمبرتوإيكو" أن العنوان قاعدة عليها أن ترن دائما وتخلخل الأفكار لدى المتلقي، حسب معرفته وثقافته، حيث يتباين أفق التوقع من إنسان لآخر.

وتبقى دلالة العنوان غائبة، مراوغة، عصية على القبض، تحتمل تأويلات عدة. الأمر الذي يدفع القارئ إلى تحديد دلالة للعنوان، من خلال البحث في تعالقه مع النص اللاحق دلالياً ولغوياً، فالعنوان والنص يشكلان بنية معادلية كبرى. بمعنى أن العنوان يولد معظم دلالات النص. فإذا كان النص هوالمولود، فالعنوان هوالمولد الفعلي لتشابكات النص وأبعاده الفكرية والأيديولوجية.

وظائف العنوان:

تعد وظائف العنوان من المباحث المعقدة للنص الموازي، لذا اتجه بعض الدارسين إلى تحليله متخذين من الوظائف اللغوية التواصلية ل"جاكبسون" سبيلا للمقارنة، ليُفتَحَ البابُ بعد ذلك واسعا أمام السيميائيين للبحث في هذه الوظائف على تعقيدها واختلاف وجهات مقاربتها.

بعدما فصَّلَ "جينيت" في وظائف العنوان تاريخا واشتغالا وإجراءً، أراد أن يلملم استراتيجيته بأن أعاد ترتيبها، وهذا وعيا منه بمدى تداخلها وتعالقها، مما سيصعب من مهمة الباحث فما بالك بالقارئ في تتبعها ومن ثمة فهمها، لهذا يقترح هذه النمذجة المنهجية كقائمة لوظائف العنوان:

الوظيفة التعيينية :

هي الوظيفة التي تعين اسم النص، وتعرِّف به القراء بكل دقة وبأقل ما يمكن من احتمالات اللبس. ويستعمل بعض المشتغلين على العنوان تسميات أخرى من قبيل:

الوظيفة الاستدعائية: عند "غريفل".

الوظيفة التسموية: عند " ميتيران"

الوظيفة التمييزية : عند "غولدنشتاين"...

إلا أنها تبقى الوظيفة التعيينية والتعريفية)، فهي الوظيفة الوحيدة الإلزامية والضرورية، إلا أنها لا تنفصل عن باقي الوظائف الأخرى لأنها دائمة الحضور ومحيطة بالمعنى.

الوظيفة الوصفية :

هي الوظيفة التي يقول العنوان عن طريقها شيئا عن النص، وهي الوظيفة المسؤولة عن الانتقادات الموجهة للعنوان. ولا بد أن يراعى في تحديدها الوجهة الاختيارية للمرسِل (المعنوِن)، أوالملاحظات التي يأتي بها هذا الوصف الحتمي، والتأويلات المقدمة من المرسَل إليه (المعنوَن له)، الحاضر دائما كفرضية لمحفزات المرسِل (المعنوِن)، وهذه الوظيفة لا منأى عنها لهذا عدها " إمبرتوإيكو" مفتاحا تأويليا للعنوان، وقد كثرت تسمياتها هي الأخرى، فنجد مثلا:
الوظيفة التلخيصية : عند "غولدنشتاين"

الوظيفة اللغوية الواصفة : عند "كونتوروويس"...

الوظيفة الإيحائية :

وهي أشد ارتباطا بالوظيفة الوصفية، أراد الكاتب ذلك أم لم يرده، فلا يستطيع التخلي عنها، فهي ككل ملفوظ لها طريقتها في الوجود، إلا أنها ليست دائما قصدية، مما يجعل حديثنا لا عن وظيفة إيحائية ولكن عن قيمة إيحائية، لهذا دمجها "جينيت" في بادئ الأمر مع الوظيفة الوصفية، ثم فصلها عنها لارتباكها الوظيفي.

الوظيفة الإغرائية :

يكون العنوان مناسبا لما يغري جاذبا قارئه المفترض، وينجح لما يناسب نصه، محدثا بذلك تشويقا وانتظارا لدى القارئ، كما يقول "دريدا". غير أن "جينيت" يرى بأن هذه الوظيفة مشكوك في نجاعتها عن باقي الوظائف. لهذا يطرح "جينيت" هذا التساؤل المحفز على الشكية: أيكون العنوان سمسارا للكتاب، ولا يكون سمسارا لنفسه؟.

ليرد "جون بارث"على أولئك الذين يلهثون وراء العناوين الرنانة والطنانة دون وعي بجماليتها والتي تكون في الأغلب بلا معنى، فيقول:" فأن يكون الكتاب (النص) أغرى من عنوانه، أحسن من أن يكون العنوان أغرى من كتابه (نصه)" وهذا لكي لا نَسُوقَ القراء لعماء لا مرئي، ونبقيَ على ذلك الميثاق الأخلاقي للقراءة.