الشاعر القصيدة

، بقلم مادونا عسكر

جلس شاعر ألف عام على شاطئ البحر، يرقب ساعة انبعاث قصيدته من أعماقه الهادئة الرّصينة. تارة يلتفت إلى الزبد يعانق حبيبات الرّمل المتلاحمة، وطوراً يتأمّل الجبال الشّمّ البعيدة، على قممها تزهو العصافير نهاراً وترقد في لبّها ليلاً. يعيا اللّيل من حوله وينام ثملاً من التّعب، ويبقى الشّاعر في العراء يسامر النّجوم حتّى تختفي آخر نجمة مع إشراقة الشّعاع الأوّل. كان يردّد في نفسه طوال الوقت: "متى أعانق قصيدتي العذبة وألثم حروفها النّورانيّة، وأفنى فيها وتفنى فيّ وأصير أنا القصيدة والشّاعر؟".
كلّ القصائد الّتي توالت وتردّدت إليه مع مرور الأعوام، لم تكن لتبعث فيه ألم الحقيقة، وتدخله سرّها فيفتتن بها ويختلسه سحرها ويرحل به إلى أقاصي الأيّام اللامحدودة، لأنّها كانت تتمايل مع الأمواج وما تلبث أن تذوب عند رسوها على الشّاطئ. أمّا قصيدته، فكان يتشوّق لقيامتها من أعماق البحر، حيث الأسرار الخفيّة تكشف مكنونات المجد والرّفعة. كم يرغب أن يأوي إلى مخدعها معانقاً قصيدته إلى الأبد.
مرّ به طائر يوماً، انحدر إليه من أعالي السّماء وسكب في قلبه أريجاً صاغه من طيب النّرجس وأوصاه أن يحفظه في قلبه، ومتى فاض طيب النّرجس وعبق المكان عرف الشّاعر أنْ حانت ساعة اللّقاء. لم يسأل الطّائر عن أوان السّاعة ولا عن حلولها، فالشّاعر أعلم بأنّ الحروف الموحى بها تولد من رحم العلا، لا تعرف مواقيت الولادة ولا مواعيد الحلول. هو لا يحسب الانتظار وقتاً يمرّ، وإنّما الانتظار عنده إكليل من الشّوق يجمع براعمه برعماً برعماً، حتّى إذا اكتمل الإكليل، وتفتّحت بكائره أهداه لقصيدته هياماً سرمديّاً.
مرت الأعوام والشّاعر شاخص بأعين دامعة إلى ملامح قصيدته. وفي اليوم ما قبل الألف، أسدل أهدابه وغرق في سبات عميق، وما لبث أن سمع صوتاً يقول له: "قم واحمل قصيدتك وجل بها في الأرض كلّها. لا تنظر خلفك، ولا تبحث بعدُ عن قصائد، فالوحي يولد مرّة واحدة، والكلمة سرّ يتدفّق من نبع الحياة مرّة واحدة. سِرْ بها ومعها وفيها في النّور، وضمّها إلى قلبك أيقونة كتبها لك الإله بحروف مشتعلة، وادخل عالماً زهريّاً، تأنس به معها إلى أن تهلّ ساعة المجد فتدخل الأزل وأنت تنشدها."
أفاق الشّاعر من رقاده وعطر النّرجس يفوح من اليوم الألف، وبقربه قصيدته الحبيبة. فهتف برعدة قائلاً: "إنّها مثلي! دمع من دمعي، وروح من روحي وكيان من كياني. إنّها أنا!".
عانق قصيدته بذراعيه النّاصعة، ألبسها إكليل الهيام وطار بها إلى جبل عال. ولمّا وصل دخل معبد إله الحبّ ورفع يديه متضرّعاً: "أطلق شاعرك يا سيّد لأنّه عاين سرّ الامتلاء".