هل أدرككَ النّعاس مجددا؟

، بقلم دينا سليم

الحديقة صامتة هادئة، محاطة بسور صنع من الخشب المصقول، عشرات القطع طويلة المدى التحمت ببعضها البعض، صُدع ظاهر حصل في الجدار المرصوص بالألواح الخشبية المستقيمة...لوحة خشبية مفصولة، حادت عن المجموعة، لقد انتُزعت من مكانها فحدث تشوّه واضح في الجدار، زاغ اللوح من مكانه ومال مبتعدا، وكأنه يد مريض تستجدي الحياة قبل الرّحيل، حاولت الأم إعادتها وبكل قوتها إلى الصف لكي تلتئم مع مثيلاتها لكنها أخفقت، أصبح الميل شديدا والقطعة لم تعد تشبه مثيلاتها، أعادت الكرّة مجددا وبقوة العزم أرادت للقطعة العودة إلى الصف المرصوص، لكن هذا الضلع أبى العودة، نذير شؤم أو ربما هي علامة توثيقية واضحة أن من سكن هذا البيت قد انفصل أخيرا عن الحياة!

مهما تحلّب الورد، وإن نشفت عصارته، ألا تأنّى جسدك بالتهام نفسه، بلى تبقى عيناك منارة، رغم قمّة العذاب، تبقى عيناك منارة، شرسة هي الحياة، قاسية هي النهارات التي آويت إليها ولم تجد فيها سوى القسوة، مهارة الألم تتجمع داخلك وتنبذ كل خلية رحيمة، حتى بدأ يتآكل جسدك ببطء مثل مروحة تهرش أجساد الفراشات وتترك نثارها يتطاير، نثارك تطاير في زحمة السنين، فتأسس غبار ذكراك داخل نفوس الآخرين حتى أصبحتَ منسيا تماما، الحقيقة مرة عندما تتحدث عن نفسها، هل تعذبت يا بني لمّا أقلتك الملائكة إلى مكان آخر، أخبرني، هل حظيت بمزيد من العذاب، أم كان موتك مريحا وهادئا، هل هدأت روحك الآن واستكانت، أم بقيت زمنا لا بأس به تبحث فيه عن الراحة، متى وجدتها، لو تستطيع أن تخبرني متى زارك ملاك الموت، وهل انتظرك بالمرصاد طويلا حتى لفظت آخر أنفاسك، هل أحاطك مصمما البقاء، لماذا لم تراوغه هذه المرة، فأنت أذكى المراوغين، لماذا لم تراوغه، ماذا حصل لكي تستسلم له هكذا، وكيف تستسلم له بكل هذه السهولة؟ لا أصدق أنك منحته روحك بنفسك، لا أصدق أنك لم تقاومه، لا أصدّق أنك متّ، لا أستوعب غيابك...

عينان متقدتان، وأبواب مغلقة عليك وخطواتك عرفت الهمس، هادئ صلب النفس، عيناك جريحتان وفؤادك قويّ وجسدك طريح الفراش، عضوان إثنان قويان بقيا ملكك (قلبك وعقلك)، هذا ما كنت عليه فعلا، وأبدا لم تبكي، لا تعرف البكاء ولم أرك يوما تبكي، الآن بدأت أتساءل لماذا، بعد أن فقدتك عرفت سبب جمود دموعك داخل مقلتيك، يا لهذا الكبرياء، أم هو الجبروت الذي يتحدثون عنه، أم كانت مكابرة، أم الدموع هي مجرد كذبة، أم أنا كنت ضريرة فلم أرها!

يا لهذا الانكسار الفظيع الذي بدأت تشعر فيه الأم، يا لهذه اللحظات المشؤومة التي حطت رحالها بين كفيّها المرتعدتين وجعلتها ترتعش مثل سنبلة من وطأة سنان المنجل، بدأت تشعر بأول انكساراتها التي سوف تحدث أخيرا على أرض عمرها ملايين السنين، حيث استطاع الأطباء تطييب جراحاته النازفة، لكنهم لم يستطيعوا بترها، أستراليا، التي اختارتها لتكون الموقع لذبح أمومتها بعيدا من هناك، من هنا أرادت أن تتحدى العالم مجددا بعد رحلة العلاج الطويل في الوطن الأم، حيث خضع (باسم) لعلاج مكثف بعد رحلة معاناة طويلة، هنا استطاع أن يحيا ثماني سنين أضيفت إلى حياته البائسة، ثماني سنوات فقط وقلبه لم يعد يحتمل، فجاء ملاك الموت ليسحب من تحته بساط الحياة.

ويصمت (باسم) وقد قرر أن يغلق نافذة قلبه على نفسه حاجبا الجميع من حياته بما فيهم أقرب الناس إليه، بل وأكثر، فقد قرر أن يساهم بتظليل الضمير الذي يناشده الكفّ عن تصرفاته الصبيانية غير المجدية. لقد أغلق على مشاعره ظانا منه أن ذلك يمنحه المزيد من القوة والكبرياء، لم يعلم أن القلب هو مصدر المشاعر والعواطف..مركز الانسانية..وجوهر البشرية، وأن القلوب المقفلة تلك التي أغلقها الكثيرون من قبله، ظنا منهم أن انعدام المشاعر مصدر قوة وكبرياء، وأن الإنسان بلا قلب..بلا جروح وبلا ألام.. كان خطأ فذيعا.

لكنهم نسوا..أنه بلا ألم..لا وجود للسعادة أبدا!

حتما أدركك النعاس يا بني ولم تستطع الإفلات منه هذه المرة، لقد طال سباتك، لماذا لم تستفق، لماذا نفذت قرارهم دون أن تقاوم، لماذا عبثت بقلبي وكسرته؟ أتمنى أن أحتويك وأضمك إلى قلبي، وأستنشق رائحتك، وأعبث بشعرك الناعم، وأقول لك (اشتقتُ لكَ...نعم اشتقتُ لكَ)، سأقولها آلاف المرات.

ما زلت ها هنا، أقف خلف سور حديقتك، أنتظرك لكي تفتح لي الباب، افتح لي الباب أرجوك، هل تريد أن أكسر الجرس أم ستفتح الباب دون أن أفعل، هذا اللوح الخشبي المنفصل عن اخوته يعذبني ... هل عدت إلى سريرك وتركتني أنتظر خارجا؟