حقيقة مشروعية الحجاب

، بقلم زهير كمال

أثناء البحث في حياة عمر، إنجازاته وتأثيره على الحضارة الإنسانية وهو كتاب سيصدر بالإنجليزية قريباً، كان لا بد من التطرق الى آية حجاب أمهات المؤمنين وهو الإقتراح الذي قدمه عمر للرسول ووافقه القرآن عليه كما جاء في سورة الأحزاب.

قال عمر للرسول : يدخل عليك البر والفاجر فلو حجبت أمهات المؤمنين؟

فأنزل الله آية الحجاب.

لمعرفة أسباب إقتراح عمر فلابد من البحث في طريقة سكن الرسول ، فعندما بنى المسجد بنى غرف زوجاته مطلة عليه فكان الجدار الغربي أحد جدران الغرف، أما طريقة البناء نفسها فهي في منتهى البساطة والتقشف، بيت عائشة مثلاً كانت جدرانه من جريد النخل وستوره كساء الشعر وبابه مصراعاً من عرعر أو ساج والعرعر هو شجر من نوع الصنوبريات التي تنمو في الصحراء. وقس على ذلك باقي غرف أمهات المؤمنين وهذه مواد بناء لا تمنع المتلصصين والفضوليين من النظر الى داخل غرف العائلة المقدسة.

كان المسجد إضافة الى كونه للصلاة مركزاً للنشاطات في المدينة، ومع ازدياد أعداد المسلمين كان يضيق بما فيه مما اضطر الرسول بعد سبع سنوات الى عمل توسعة ثانية له بلغت أكثر من ضعف المساحة الأولى.

إضافة الى العدد الكبير المتواجد في المسجد على مدار الساعة فقد عبرت الآيات عن الضيق من فضول بعض الناس عندما ذكرت صراحة :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا. ) الأحزاب : 53 .

رفضت أمهات المؤمنين التحجب داخل بيوتهن وكانت هذه أول ثورة في الإسلام على تشريعاته، هذه التشريعات التي تسلب حقاً من حقوق المرأة فتعاملها معاملة تختلف عن معاملة الرجل.

ولا شك أن حر المدينة اللاهب مع حجاب على الوجه يجعل الحياة لا تطاق بخاصة اذا كانت المرأة داخل بيتها.

كانت إحتجاجات أمهات المؤمنين من الشدة بحيث وصلت الى أن الرسول فكر في طلاق جميع زوجاته.

ومن ضمن المحتجات على اقتراح عمر زينب بن جحش فقد قالت وإنك علينا يا بن الخطاب والوحي ينزل بيننا.

ولكن اضطررن في النهاية الى الرضوخ بعد أن نزلت الآية (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن) التحريم : 5 . وهو نفس النص الذي قاله عمر لهن : لتكفن عن رسول الله أو ليبدلنه الله أزواجاً خيراً منكن.

من المؤكد أنه لو كان سكن الرسول بعيداً عن المسجد وكان هناك فصل بين الحياة الخاصة والحياة العامة فلا يستقبل الرسول الوفود في غرف زوجاته بل في مكان آخر فلن يكون هناك داع لآية الحجاب التي يتمسك بها بعض الجهلة الذين يتمسكون بالنص دون الفهم العام لروح الدين. فآية الحجاب كانت لحجب أمهات المؤمنين وهن داخل غرفهن للضرورة وليست فرضاً شرعياً على كافة النساء، ويمكننا أن نقول هنا أن :

آية الحجاب كانت تعالج حالة خاصة

بعد سنة من نزول الآية الخاصة بزوجات الرسول نزلت الآيات المتعلقة بالآداب العامة في سورة النور وقد طلب الله في بداية السورة من جميع المسلمين تنفيذ تعليماتها!

(سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النور : 1 .

وضمن السورة الشكل النهائي لملابس المرأة في ذلك العصر.
(وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور : 31 .
تطلب الآيات من النساء أن يمتد قماش الخمار فيغطي منطقة الصدر.

والخمار هوغطاء للرأس مثلما هي العمامة بالنسبة للرجل.

هذه الآية في سورة النور موجّهة لعامة نساء المسلمين بما فيهن أمهات المؤمنين وقد نسخت آية الحجاب الخاصة بهن، وكما يتبين من بداية السورة فهي فرض أي أنهت أي اختيار أو خروج عن النص . ومع هذا الوضوح فقد فرض على النساء المسلمات التقيد بما ورد في سورة الأحزاب وأن يأخذن من أمهات المؤمنين قدوة ويقمن بلبس الحجاب، العادة التي استمرت حتى يومنا هذا.

ولمدقق في الشرع فإن هذا يعتبر مخالفة صريحة للأوامر الإلهية النهائية.

وإذا قسنا على حالة أخرى مشابهة سنجد الآيات التي قيلت في الخمر.

يفخر شيوخ الإسلام وهم يشرحون بسعادة تدرج الشرع في موضوع الخمر منذ آية (.. لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) النساء : 43 . وحتى المنع الكامل لتناوله.

وبالطبع لن يكون مقبولاً شرعاً إلا حكم المنع الأخير الذي ينسخ كل ما قبله.
فلماذا سكت شيوخ الإسلام على آيات سورة النور بل واعتبروها مكملة لآيات سورة الأحزاب مع ما في ذلك من تناقض بين الخاص والعام . ألم يكن ذلك لتعزيز سيطرة الرجل وهيمنته في مجتمعه؟

ما زاد الطين بلة أنهم اعتبروا لبس الحجاب مكملاً للعبادات مثل الصلاة والصيام.

ولعل أوضح مثل على ذلك في العصر الحديث المحادثة التي ذكرها عبدالناصر في إحدى خطبه، فقد كان شرط رضا الإخوان المسلمين عن عبد الناصر هو أن يأمر نساء مصر بالتحجب !

كان رد ناصر يتحلى بالسخرية عندما قال للمرشد : كيف تريدني أن أحجّب عشرة ملايين مصرية وأنت لا تقدر على فرض الحجاب على ابنتك الجامعية.

لا نستطيع لوم الجماهير العريضة من شعوبنا التي تستمع الى ما يقوله شيوخها وقادتها.

ولكن نلوم مرشداً كهذا ومستشاريه من الشيوخ الذين لم يتفقهوا في الدين بما فيه الكفاية كما أنهم لم يكونوا يعيشون عصرهم بل يريدون إرجاع مجتمعاتهم الى العصور الوسطى بل الى ما قبل ذلك الى العصور الأولى.

ويمكن أن نلوم هذه المؤسسات المتحجرة والتي تتسم باللامبالاة في الأزهر والنجف التي لا تدرس سمات العصر وتقدم فتاوى مناسبة له، بل إنها لا تهتم بالدفاع عن نفسها وعن حقوقها فتحصر حق الفتوى فيها. وهكذا يخرج علينا شيوخ يكفرون من يقول إن الإنسان قد نزل على سطح القمر أو أن قيادة السيارة تضر بحوض المرأة وتمنعها من الإنجاب.
وبالطبع لن نخوض في مسلسل الفتاوى الأخرى التي تهدف الى السخرية من الدين مثل فتاوى إرضاع الكبير وجهاد النكاح وغيرها.

ما يحدث أن المجتمعات العربية والإسلامية يجري جرها الى الخلف بفعل الجهل والفقر والفساد المعشش في القمة، ويحافظ على استمرار الوضع القائم وعاظ السلاطين هؤلاء ، سواء عن جهل أو استفادة مادية أو معنوية.

ما يحدث على أرض الواقع أن الحجاب لا يقتصر على وجه المرأة فقط بل على عقول الرجال بخلق الشك والريبة في الآخر وهكذا يتحول المجتمع الى قطيع من الأفراد. ولعل الأسوار العالية حول بيوت أفراد الطبقة الوسطى في الجزيرة العربية وغيرها من المجتمعات العربية خير مثال على ذلك ، فالبيوت أيضاً ترتدي الحجاب.

ينسى هؤلاء الجهلة قواعد إسلامية هامة تعتبر أساساً من أسس الإسلام .

أولاً أن الدين يسر لا عسر.

وثانياً أن مقصد الشريعة سعادة الناس أو المجتمع بكل فئاته.