بائعة الورد

تسع صور فوتوغرافية جلبتها له الحاجة ياسمينة من هنا...

، بقلم غزالة الزهراء

تسع صور فوتوغرافية جلبتها له الحاجة ياسمينة من هنا وهناك ، من حوزة خيرة نساء البلدة ، ومضت ترقب موافقته النهائية التي ستثلج صدرها ابتهاجا ، وتملأ حناياها استقرارا ، وأمنا ، وسكينة ، لم يرف لها جفن ، ولن تستسيغ قطرات الهناء الكوثرية على لسانها إلا إذا رأته بأم عينيها مع عروسته يظللهما سقف واحد ، لم يلق للأمر كبير اكتراث حيث أهمل تلك الصور في درج مكتبه القديم ، طال انتظارها المقيت لأسابيع عدة ، كاد اليأس والتشاؤم ينخران كبدها ، تضجرت مما آلت إليه ، سألته عسى أن تقتلعه من قوقعة الصمت التي انكمش فيها انكماش الطير الجريح : ألم تنتق واحدة منها ؟
ـــ لا ، لم أفعل ، حاولي إعادة تلك الصور إلى أهلها .
ـــ أتود المكوث طوال رحلتك الحياتية دون زوجة ، ودون أولاد ؟ الأولاد نعمة من السماء ، هم بمثابة الدر الخالص يا ولدي .
صمتت هنيهة ثم تابعت قائلة : أمنيتي الوحيدة أن أمتع عيني بأحفادي وهم ينطون أمامي في خفة الغزلان البرية ، ويرتمون في حضني الدافئ ، وينادونني جدتي .
ـــ أنت تدركين تماما أن اختيارك وقع على ثلاث نساء ، وصدمت أنا فيهن جميعا ، دعيني هذه المرة أنقب عن واحدة بنفسي لعل زواجي يتوج بالسعادة والفلاح ، لا ترهقي نفسك لأجلي ، ولا تقلقي بسببي .
ـــ كيف لا يساورني القلق في كل حين وأنت على هذه الحال من غير رفيقة درب تؤازرك في الملمات ؟ فمن يتولى إدارة شؤونك بعد مماتي ؟

لقد ارتبط بثلاث نساء ، الزوجة الأولى احتست نقيع المرارة معه من غير إنجاب على امتداد خمس سنوات كاملة ، والثانية كانت تتمتع بجمال أخاذ يخطف الأفئدة ، ويدوخ العقول ، عيبها الوحيد أنها تنفق جل أوقاتها أمام المرآة متباهية بحسنها الباهر إلى أبعد حد ، تفاجئ زوجها وفرحة العمر تغسلها طوفانا : ألا تلاحظ بأنك محظوظ عن بقية أفراد جنسك يا عزيزي ؟
وتابعت موضحة : أنا أفوق نساء العالم أناقة ، وسحرا ، وجاذبية .
ـــ لنفرض أن هذا الجمال تعرض في يوم ما إلى تشويه مستديم . ماذا يكون موقفك يا ترى ؟
صفعها قوله الجارح ، ضعضعها بكل قوة ، أهانها إهانة فظيعة لا تغتفر .
ردت عليه وهي تنفث حقدها المستطير : جمالي هذا لا يضاهيه جمال على الأرض ، وسأزداد بهاء ونضارة مع مرور السنين الزاحفة .
ضحك باستهتار وقال : أتظنين ذلك ؟ أنت مخطئة فيما يصوره لك خيالك المريض ، ما تتمتعين به لن يدوم طويلا ، ودوام الحال من المحال ، ستصيرين عجوزا خرقاء شاحبة وذاوية .
ـــ أصمت يا رجل ، لا داعي لهذه الترهات .
أما الثالثة فهي ميالة إلى الثرثرة ، والتقاط أخبار الجيران ، وإدمانها الشنيع على متابعة المسلسلات التركية من أول حلقة إلى آخر حلقة .
تقول لزوجها بولع شديد : في اعتقادي أن البطل سيموت ، لا ، لا ، سيسافر تاركا خطيبته تتأجج نارا وانتظارا .
يصرخ وهو يغلق أنفه بأصبعيه : رائحة شياط يا امرأة .
ويلعنها مهددا : سأبيع هذا التلفاز الملعون .
جثمت على ركبتيها ذليلة محطمة وهي تستعطفه منتحبة : أرجوك لا تحرمني من مشاهدتها ، والاستمتاع بها ، إنها تسري في شراييني كدمي ، أتنفس من خلالها وأعيش .
ـــ إلى هذا الحد ؟ أكيد أنك فقدت صوابك .
وكان مصيرها الطلاق مثل الأولى والثانية .
همس في أذن والدته وكأنه يعزف بأنامله النشطة على بيانو : العروسة موجودة يا أمي .
صاحت بفرح لا يقاوم : من هي صاحبة الحظ هذه ؟
ـــ وردة بائعة الورد .
تمتمت بين شفتيها وكأنها ترتشف عسلا لذيذا مميز المذاق : وردة بائعة الورد .
ـــ نعم يا أمي ، اسمها وردة ، ظاهرها كباطنها تفوح بعبير الصدق ، والشفافية ، والطهر .

زغردت عاليا والدموع تنهمر على خديها ، اقتحمت جاراتها الحميمات بيتها ، تهافتن لسماع ما يطرب قلوبهن .
ـــ ولدي سيرتبط عما قريب ، ويصير لي أحفاد يضجون في كل زوايا البيت ، بهم تزهو حياتي ، وتزدهر أقحوانا وبنفسجا .
انطلقت ألسنتهن تهنئنها على ذلك ، ثم انصرفن متمنيات له حياة زاخرة بالرفاهية والبنين .