مجانين بيت لحم في اليوم السابع

، بقلم جميل السلحوت

ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية «مجانين بيت لحم» للأديب الفلسطيني أسامة العيسة، وتقع الرواية التي صدرت أواخر العام 2013 عن دار نوفل في بيروت في 254 صفحة من الحجم المتوسط.
بدأ النقاش مشرف الندوة ابراهيم جوهر فقال:

ينحاز الكاتب (أسامة العيسة) إلى براءة وطن المجانين القائم في بيت لحم ويرفض (وطن العقلاء) الذي يظن قاطنوه أنه كذلك، والكاتب يبيّن أنه على النقيض تماما من العقل والتعقل.

قامت الرواية غريبة الأطوار جديدة الأسلوب على التوازي؛ الماضي والحاضر، المجانين والعقلاء، الصدق والكذب، الإخلاص والغدر. توازيات قائمة في الحياة الخارجية وجدت ذاتها تتحقق في حياة الرواية الداخلية هنا أيضا. واستعان الكاتب بحيلة (شهر زاد) التي ظلت تولّد حكاية من سابقتها وهي ترمي لتأجيل موعدها مع الموت. فهل أراد الكاتب هنا تأجيل موعد وطن المجانين مع الحياة المجنونة!

أما أسلوب الجاحظ في استطراده الشهير فبدا واضحا والكاتب يستعيد ويستطرد.

بنى الكاتب روايته التي أشار إلى أن النقاد سيحتارون في تصنيفها على عالمين متوازيين وهو يضعهما في كفتين متقابلتين من ميزان الحياة، وإن كان قد استعرض عالم المجانين تاريخا وشخصيات وحقائق وأحداثا أكثر مما استعرض عالم (العقلاء) وهو الأقرب إلى الجنون بمعناه الحقيقي.

العقلاء يعتدون على وطن المجانين فيصادرون أجزاء من مساحته، ويقتلون قاطنيه، وينسونهم لانحيازهم إلى (جنون) حياتهم المادية .

بدا الكاتب متناصا مع متشائل (إميل حبيبي) في لغته، وسخريته، ومواقفه الكوميدية الساخرة. انظر إليه مثلا وهو ينحت من ضرب النزيلات ب(الشباشب) إحدى المريضات بقوله: شبشبنها. وفي حادثة رفع العلم الأبيض في عام 1967م.والشواهد على محاكاة لغة المتشائل وافية في الرواية التي سيحتار الدارسون في تصنيفها فعلا؛ أهي رواية فنية؟ أم دراسة بحثية تأريخية؟ أم نقد سياسي اقتصادي اجتماعي لمرحلة ما بعد أوسلو، وللتنظيمات والأحزاب القائمة، والدول؟ أم هذا كله في إطار أدبي تاريخي سياسي جغرافي اجتماعي؟ إنها رواية المكان والإنسان في فلسطين؛ الوطن الفلسطيني وإنسانه المضيّع.
وأرى أن الكاتب متأثر إلى حد بعيد بعمله الصحافي ، وأظن أن أجزاء عديدة من هذا العمل قد أنجز لغاية النشر الصحافي قبل أن يقرر الكاتب جمعه وربطه بخيط روائي أشار في أكثر من موضع إلى أنه يسعى لإكماله والإمساك به والبناء عليه في سبيل الوصول إلى رواية عن مجانين في وطن مجنون.

والتصنيف الأدبي هنا مسألة مهمة تصب في صالح العمل الأدبي – التأريخي الذي قدّمه أسامة العيسة وهو يقصد الإتيان بجديد في أسلوب التعبير ولغة الروي وتقديم الشخصيات وفي إثبات صفحات طويلة من كتب تاريخ وأدب، وحشد عدد من الشخصيات لتكون الرواية حياة، أو مرآة حياة.

ربما سيقترح الدارسون الجادون تسمية جديدة لها.

وستضاف صفات إلى كلمة رواية (رواية تاريخية ناقدة) أو ( رواية من عالم المجانين)...

الجديد في هذا العمل هو التأريخ والوثائق والنقد الجريء لرجال ثورة وسياسة واقتصاد وصحافة، أما الحيلة الفنية التي توسّل الكاتب من خلالها نشر ما يريد فقد استعان بها في عمله الأول (المسكوبية)، ولها شواهد أخرى لعل آخرها رواية (ساق البامبو) لسعود السنوسي.

تثير الرواية – العمل الأدبي أسئلة، وتقدّم معلومات وحقائق، وجرأة في النقد، واحتراسا يشير إلى العيش في عالم (العقلاء) المجنون.

لا حدود بيّنة تفصل بين العالمين. فقط – ربما – هو الصدق هناك في الدير التلحمي، والبراءة في مقابل الكذب واللؤم والفهلوة هنا في عالم (المجانين) العقلاء.

صدرت الرواية (مجانين بيت لحم) عن دار نوفل في بيروت عام2013 م. في طبعتها الأولى ، وتقع في 254 صفحة من القطع الكبير.

صدرت رواية"مجانين بيت لحم للأديب الفلسطيني أسامة العيسة في اواخر العام 2013 عن دار نوفل في بيروت،وتقع في 254 صفحة من الحجم المتوسط.

وقال جميل السلحوت:

يفتتح الكاتب روايته بـ "احتراز" جاء فيه:"في هذه الرواية –الشهرزادية، مثل ما في الروايات الأخرى قليل من الحقائق، كثير من الخيال، وثرثرة...تماما مثلما هي الحياة" وفي "الشهرزادية" هذه اعتراف من الكاتب بأنه يكتب حكايات على غرار الف ليلة وليلة، وفي مدخل الرواية يكتب:"ولكن هذا لن يمنع القارئ من المطابقة بين الراوي والمؤلف، ولن يسبب لي ذلك أيّ حساسية ولن أجهد لنفي ذلك" وهذا اعتراف ثان بأن الكاتب يكتب عن جانب من تجاربه، وبعضا من ذكرياته، مشوبة بشيء من سيرته الذاتية، مع التأكيد بأنه لم يكتب سيرة ذاتية.

وأديبنا أسامة العيسة في هذه الرواية يقدم لنا نصوصا متشابكة، ومثيرة للجدل، وفيها خاض التجريب وجاءنا بابداع جديد، أبطاله مجانين، متكئا على لغة انسيابية جميلة كما هي لغة الحكايات، مع أنه يروي الحكايات ولا يحكيها. واعتمد على السخرية كأسلوب لحكاياته المتعدّدة والتي يربطها خيط الجنون، جنون المكان، جنون الانسان، جنون الحروب، جنون مفاوضات السلام، جنون الساسة، جنون الأباطرة والرؤساء، جنون الصحافة والصحفيين، جنون العادات والتقاليد، جنون الشعراء والأدباء والمثقفين، جنون الأطباء والممرضين، جنون الدّين والمتدينين، جنون المدينة والقرية والمخيم، جنون الأحزاب والتنظيمات والفصائل، جنون الدّول، جنون النضال والفداء، جنون الانهزاميين والمتخاذلين، جنون المال والاقتصاد، جنون الشعب الذي ينطلي عليه جنون المجانين كلهم، جنون العالم، وجنون السّارد الذي هو الكاتب نفسه....الخ.
والقارئ لملحمة الجنون هذه سيجد أن الكاتب قد بذل جهدا كبيرا حتى تمكن من كتابتها، فقد اطلع على عشرات إن لم تكن مئات الكتب التاريخية والأدبية والدينية والسياسية والفلسفية، والتقط منها ما يخدم مشروعه الروائي، تماما مثلما استمع الى مئات الحكايات والشعبية، والروايات الشفوية عن نكبات الشعب الفلسطيني الأولى والثانية والمستمرة، ومعاناة اللاجئين الفلسطينيين وذكرياتهم عن الفردوس المفقود، وحنينهم اليه، بل واستشهادهم في سبيل العودة اليه، وحتما مثلما استفاد من عمله الصحفي، ومتابعته بل ومشاركته في نشاطات سياسية، وتسجيله ما يخدم مشروعه الروائي أيضا، كما استفاد كثيرا من ولادته وسكنه وعيشه في مخيم الدهيشة المحاذي لمدينة بيت لحم، وبينهما مستشفى الأمراض العقلية، وما يترتب على ذلك من معايشته لبعض نزلاء هذا المستشفى على تفاوت الحالة المرضية لكل منهم.

وهذا العمل الأدبي يشكل سبقا للأديب العيسة، انفرد به عن غيره من الكتاب، ومن يتابع كتابات أديبنا بما فيها التقارير الصحفية، سيجد أنه يكتب بطريقة مغايرة شكلا ومضمونا عن أقرانه، وكأني به يقول "لكم أسلوبكم ولي أسلوبي، لكم ما تعلمتم، ولي ما أبتكر، فلستم مني ولست منكم، وهو هنا ليس من جماعة"خالف تُعرف" بل هو مجدّد ومبتكر.
والكاتب هنا الذي هو نفسه وشعبه ووطنه ضحايا لجنون العالم، وعهر السياسة الدولية، لكنه لم يستسلم لهذا الجنون، ولم يتصالح معه، بل راقبه وحلّله وسجّله ثم جمعه وربطه ليكتب فضيحة جنون المرحلة.

وقد تحلّى الكاتب بجرأة غير مسبوقة، واخترق كل "التابوهات" التي نأى كثيرون بأنفسهم عنها، فتعرض للقادة ولـِ "الرموز" السياسية والنضالية، والتاريخية، لم يظلم أحدا، ولم يكذب على أحد، وانما اعتمد على "من فمك ومن أفعالك أدينك" لا أتجنى عليك، لكنني لا أهادنك،

واعتمد على الكثير من الحقائق، وعلى القليل من الخيال الواقعي، في قالب سردي ساخر، لا ينقصه عنصر التشويق، ومليء بالكوميديا السوداء، و"شرّ البلية ما يضحك". وهو بهذا ينشر غسيل حبل الكذب القصير، وكأن الحياة مبنية على الأكاذيب، وعلى سبيل المثال فقد جاء في الرواية عدّة حكايات عن سبب تسمية"الدهيشة" المقام عليها مخيم اللاجئين الذي يحمل اسم المكان، ولا أحد يستطيع الجزم بالسبب الحقيقي لهذه التسميات المتعددة، ولا أيّها هو الصحيح.

والقارئ الحاذق لهذه الرواية لن تخفى عليه معاناة الكاتب، وهو يصوغها ابداعا أدبيا، بطله الجنون. وأن نزلاء مستشفى الأمراض العقلية مع معاناتهم المرعبة، والظلم اللاحق بهم، هم عقلانيون مستسلمون لقدرهم أكثر من غيرهم الذين يدّعون العقل والحكمة.

وفي تقديري أن الكاتب لم ينتبه عند كتابته هذا العمل لرائعة اميل حبيبي"الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد لأبي النحس المتشائل، ولا لـِ "كنديد" فولتير من قبله، ولم يكن في وارده محاكاتهما أو التناصّ معهما.

يبقى أن نقول بأن أديبنا العيسة قد جاءنا بجديد في تمرد وخروج عن البناء الروائي المتعارف عليه، وهذا يتطلب اخضاع هذا النص لدراسات معمقة لتحليله وتحليل أسلوبه.

وقال عبدالله دعيس:
قديما قالوا "خذ الحكمة من أفواه المجانين"

لعل المجنون أقدر على وصف الواقع وتشخيص الداء ووصف الدواء من العاقل. فالعاقل يقف عند حدود لا يستطيع أن يتخطاها، أما المجنون فلا يحكمه أي حد ولا أي عائق اجتماعي ولا خوف من سلطان جائر. فابن المقفع أنطق الحيوانات في كليلة ودمنة، فنطقت بالحكمة. أما النيسابوري في كتابه عقلاء المجانين فقد أثبت أن المجانين أكثر فهما لواقعهم من العقلاء. فإذا تتبعنا عقلاء المجانين وحكاياتهم، والتي استعار منها الكاتب أسامة العيسة شخصية عجيل المقدسي، نجد أن المجانين ما هم إلا حكماء هربوا من الواقع الذي لم يستطيعوا أن يتعايشوا معه إلى الجنون، فولجوا عالما يستطيعون فيه أن يعبروا عن آرائهم بحرية بعيدا عن عالم العقلاء.

فالكاتب قد وجد ملاذا في المجانين للتعبير عن سخطه على الأوضاع السياسية والاجتماعية، خاصة بعد دخول السلطة الفلسطينية وإصابة الكثير من الفلسطينيين بخيبة الأمل، بعد أن تقزّمت أحلامهم العملاقة بالعودة إلى ديارهم إلى هذا الواقع الأليم.

بعد أن تقرأ هذا الكتاب تشعر أن هناك مجنونا يعيش في داخل كل واحد منا، يريد أن ينفلت كلما اقتربنا من مرحلة يبدأ اليأس فيها يتسلل إلى نفوسنا، وأن هناك لحظات جنون تنتاب كل إنسان. إن نظرية الجنون التي أسس لها أسامة العيسة لتستطيع أن تفسر كثيرا من الأحداث التاريخية التي ما زال الحاضر يعاني من آثارها المدمرة. فالامبراطور الألماني الذي جاء إلى بلادنا بصحبة ثيودور هيرتزل، وأسس دير المجانين في بيت لحم، كان حضوره نذير شؤم على هذه البلاد التي ما زالت ترزح منذ ذلك الحين تحت ظلم مجنون.

هذه الرواية هي مجموعة من الحكايات التي مزجت بين الحقيقة والخيال، وربطت بين الحاضر والماضي، وأدخل الكاتب عنصر الجنون بذكاء حتى لا يلتزم بشكل صارم بوقائع التاريخ. فإذا كانت الرواية التاريخية التقليدية تحتوي على الكثير من السرد الفني الخيالي البعيد عن الحقائق التاريخية، وهي تتحدث عن شخصيات تاريخية مؤثرة فتخلق لهم عالما جديدا يمتع القراء ويربط التاريخ بالواقع، فإننا هنا أمام عنصر آخر يطوع التاريخ للخيال، ألا وهو الجنون. فالراوي لهذه الأحداث أولا وأخيرا هو مجنون وليس على المجانين حرج. فإذا لم نستطع أن نصنف هذا الكتاب كرواية تاريخية فلنصنفه في خانة جديدة هي (أدب المجانين).

إن تعدد الشخصيات وتنوعها في هذه الرواية تدل أن الكتاب يدور حول الهموم العامة للإنسان وليس أمام أزمات شخصية محدودة لأناس محدودين. فشخصيات الكتاب، أو مجانينه، تنوعت من أناس بسطاء لم يحصلوا على أي قسط من التعليم إلى علماء وأدباء وشعراء ورجال دين وسياسيين. ومن أناس عاشوا بمخيم للاجئين إلى أناس حضروا من اصقاع الدنيا، مثل الأمريكي ريتشارد، أو الذين عاشوا حياة رغد وثراء في بيروت.

فدير المجانين الذي انتقلت ملكيته من حكومة إلى أخرى ثم بدأ بالتقلص، واقتطع من أطرافه أجزاء فضاق الحيز على المجانين الذين نظروا إليه من أغلالهم غير قادرين على تغيير الواقع، لمثل مصغر لفلسطين التي اغتصبت وسلخت منها أراضيها وحوصر أهلها ونظروا إلى غاصبيها من داخل اقفاصهم ثم اتهموا بالإرهاب كما يتهم ساكنو الدير بالجنون. فدير المجانين هو وطن المقهورين.

ليس مجنونا من يشتري أرضا في بلده المدمرة التي قد لا يعود إليها، إنما المجنون من يتخلى عن حق العودة إلى وطنه.
وكتب محمود شقير:

يكتب أسامة العيسة عن مجانين بيت لحم بجدارة وثقة، وبتأملات لا ينقصها العمق. ولذلك، لن ننتقص من عمله الإبداعي هذا إن طرحنا السؤال: هل نحن أمام رواية بالفعل؟ ذلك، لأن هذا السرد المتقن الذي نجده في مجانين بيت لحم، يجعل الهدف من طرح السؤال منصبًّا على ضرورة البحث المتأني في أشكال الرواية الحديثة، وفي قدرتها على كسر القواعد المألوفة للكتابة الروائية، والإتيان بتجليات جديدة لهذه الكتابة نابعة من تجربة المبدع نفسه، ومن قدرته على تشكيل مادته الروائية الخام على النحو الذي يجعلها متجاوزة للمألوف، محلقة في عوالم جديدة سواء أكان ذلك في الشكل أم في المضمون.

ولقد ارتكز هذا النص الروائي المفتوح على ثلاثة عناصر ضمنت له التفوّق والنجاح. أولها عنصر الجنون الذي بدا واضحًا تمكّن الكاتب منه وإحاطته به إحاطة جلية، وتنقيبه في الواقع وفي بطون الكتب عن كلّ ما من شأنه أن يضفي عمقًا على تناوله لهذا العنصر الجديد في الكتابة الإبداعية الفلسطينية كما أعتقد. كنت أثناء قراءتي للرواية أتذكّر ميشيل فوكو الذي خصّص الكثير من جهوده الفكرية والفلسفية لدراسة ظاهرة الجنون، وخروجه ببعض الاستنتاجات التي ترى أن المجانين قبل ظهور المجتمع البورجوازي كانوا طلقاء، وكان لبعضهم شأن كبير في الأدب والفن، ولعلنا نتذكّر، للتأكيد على ذلك، أن تراثنا العربي شهد مثل هذه الظاهرة، ولعلّ أبرز مثال عليها مجنون ليلى.

ولم يستمر الحال كذلك، بحسب فوكو. ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر، تغيرت نظرة المجتمع إلى الجنون بسبب تغير الحالة الاقتصادية، وأصبح المجنون كائنًا غير اجتماعي، وغير منتج، ما دفع المؤسسة الرسمية إلى تقييده وإلى تسخيره، قسرًا، للقيام بعمل منتج.

في أوضاعنا الراهنة، وللتساوق مع مجانين بيت لحم، فليس تغير الحالة الاقتصادية وحده هو الذي غيَّر النظرة نحو المجانين، وإنما كذلك وجود الاحتلال الإسرائيلي وانحطاط الحالة السياسية. هنا، وإزاء ذلك، طالعنا أسامة العيسة بمجانين عانوا وما زالوا يعانون من هذه الحالة، وطالعنا كذلك، وبحسب فلسفة فوكو أيضًا "بالحقيقة وهي تخرج من أفواه شخصيات تعيش على حافة الجنون"، بل إن السارد في الرواية يمارس جنونه العاقل على نحو جريء وهو ينقد مظاهر الانحطاط في الوضع الفلسطيني الراهن. ويبدو لي أن ممارسة هذه الجرأة هي التي برّرت للكاتب الدخول المباشر إلى قضايانا الراهنة، من دون أن يكون هذا الدخول مرهقًا للسرد أو ثقيل الوطأة عليه.

ولعلّ هذا يقودنا إلى العنصر الثاني متمثلاً في السخرية التي أجاد الكاتب استخدامها، فلولاها لكان نصه الروائي مفتقرًا إلى الحيوية وإلى متعة التلقي. لكنّ إجادته لعنصر السخرية وابتعاده عن الميلودراما في عرض القضية الوطنية، وعن الشعارات الرنانة والتحيّزات العاطفية الرخوة، جعلت لنصّه نكهة عذبة، زادتها عذوبة لغته الجميلة وسرده المتأني الرشيق.
أما العنصر الثالث الذي لملم أطراف الحكايات وجنون الشخصيات وجعل للنص بؤرة ينطلق منها ويعود إليها، فهو المكان. وهو هنا بالتحديد دير المجانين في الدهيشة، أو مستشفى الأمراض العقلية في بيت لحم. فقد أسهم المكان في تعزيز الرسائل الفكرية التي ينطوي عليها النص، وفي توسيع دلالات هذا النص، بحيث كان استجابة لما ينبغي أن تكون عليه تقنية العمل الروائي، وكان في الوقت نفسه تعبيرًا رمزيًا عن حالة مجتمعية أشمل، تعني المجتمع الفلسطيني الراهن تحت الاحتلال.
بالطبع، لا يخلو هذا العمل الفني من بعض هنات، فقد لاحظت تفاوتًا في تناول الشخصيات، إذ جاء بعضها مسطّحًا لا يعدو كونه "كمالة عدد". ولاحظت استعجالاً يقترب من التغطيات الصحافية لدى تناول بعض القضايا الراهنة التي يحفل بها مجتمعنا.

لكن هذا لا يقلّل من قيمة هذه الرواية الممتعة، وتحية للمبدع أسامة العيسة..

وشارك في النقاش عدد من الحضور منهم: محمد موسى سويلم، راتب حمد وصقر السلايمة.