الجزيرة المفقودة

، بقلم مريم الهادي

دخلت لتراه على سرير المرض وكل ما فيها يرتعش غير مصدقة أنها تراه في هذا الوضع .. ياه ما أشد قسوة الحياة ..!! وما أغرب فصولها .. كيف تحول الحال بهذا الإنسان؟!

كانت تركض في فلاه، تنظر إلى عينيه، إلى قسماته ترقب أي تصرف يريح قلبها المتعب فلا تجد سوى الصدود ..
تفتحت براعم عمرها تحت ناظريه، يمثل لها الكثير ولا تشعر بأنها تعني له شيئا. قُوبلت عند ولادتها بالرفض فكأنها شعرت منذ تلك اللحظة بهذا؛ لتنشأ كقطة شرسة مسالمة، ولكن لا يحاول أحد الاقتراب منها، وإن اقترب مازحا أو جادا فنهايته التشوه بأظفارها وأسنانها، فهي بهذا الفعل أقصت نفسها أكثر، فاختارت العُزلة لتجد فيها ملاذا آمنا من التوبيخ والتقريع وربما الضرب من الكبار!! ورغم ذلك فهي لم تسلم كلية، فكان أحد الأخوة يحيل كل تصرف سيئ يفعله إليها ويتهمها أنها من حرضته على ذلك..

هو في نظرها فوق البشر جميعهم فلا بشر إن ظهر، تراقبه بحب، تسترق النظرات إلى وجهه الحبيب. كان نادرا ما يلتفت إليها وإن ابتسم لها أشرقت دنياها ورقصت أطيارها، فما بالك إن كلمها أو امتدحها وهذا الأخير نادر ما يكون، تدافع عنه بضراوة حيوان مفترس حتى مع أقرب قريب، إلى أن رأت منه موقفا مزق فيها كل شيء هشّم الصورة التي رسمتها بطول عمرها ولونتها من جدران قلبها وأنطقتها بنبضه، كان الموقف عاديا بالنسبة لغيرها ولكن لها كان جحيما.. تناوشتها ضباع الهم والحزن ومزقتها الحسرة والدمعة، حاولت أن تعيد للصورة ملامحها، تعيد تعليقها في مكانها، محاولات مضنية، وأخيرا نجحت ولكن بمسخ عما كان. أعادت تعليقها في الموضع الأول فلم يقبلها، فوضعتها في آخر أدنى منه وفي هذه المرة كانت غير ثابتة متزعزعة؛ ليأتي موقف آخر ويقضي على كل شيء .. خسرت الشخص الوحيد الذي كانت ترى الدنيا بعينيه..

يا الله، ما أقسى أن يغفو الإنسان ويصحو على الفراغ ! يطعم بطعم التراب وينظر بعين الغراب .. هي مازالت تحبه بل تعشقه ولكن أصبح من عامة الناس وليس في السماء كما كان .. كان يكفيها أن تراه وكأنه في جزيرة يلوح لها من بعيد تسعد لمرآه ويعود الأمل ليطرب أطرافها، لكنه للأسف استكثر عليها ذلك ليحرك جزيرته بعيدا ... بعيدا جدا .. وا حسرتاه من ويواسيها الآن فلا أحد يحل محله بامتداد الزمان فهو البداية التي سطرت أول حرف في حياتها وبفعله سطر آخر سطر في حياتها ..!! هو والدها وهي جزء منه كما يقال، بتره وتركها تنزف لتجف روحها وتنضب عاطفتها، ويُكسر بصرها وتضيع وسط الأصوات أذنها فيتوه عقلها ..!!

تناجيه على بعده فلا يسمع ولا يرى ما اعتراها من تغيير، بدأت تذوي، ولكن سنين عمرها تجري وأهلها يصرون على زواجها، ترفض الجميع بمجرد رؤيتهم إلى أن رأت ذلك الشخص الذي يشبه والدها، نعم يشبهه في شاربه الأشيب ورأسه الأقرع. وافقت وسط استغراب وذهول من حولها، تريد أبا بديلا أو جزيرة تراها، دخلت إلى ذلك القفص الذي يدعونه الذهبي لتجده من رصاص وتجد فيه ريش طيور شتى عندها فقط علمت أن جزيرتها ذهبت ولن تعود ولن تجد لها بديلا. امتدت معاناتها بطول الثواني والدقائق.

اليوم يعود إليها الأمل الطريد حين تُخبر بعودة الوالد الحبيب فتهرع لبيت أهلها لرؤيته فيقال لها في المستشفى فتركض إلى ذلك المكان.. أخيرا رأته أشبعت عينها الجوعى وفؤادها الصدئ، تقدمت إليه قبلت جبينه نظر إليها نظرة حانية متألمة فانطلقت السعادة صارخة ثملة في أركانها الناشفة، اغرورقت عيناها، ابتسم وكأنه يخفف من وجيب روحها فلم تصدق، أرض أنهكها الجدب والهجر تجد فجأة ماء دافقا!! لم يقوَ قلبها المعروق متعانق الأرجاء على تحمل كل هذا؛ فهوت إلى الأرض ويدها ممسكة بيده، يسرع إخوتها لينتشلوها من الأرض ولكن ستار الحياة أسدل ..