قراءة في كتاب«لكل مقام مقال»

، بقلم إدريس محمد جرادات

صدر كتاب لكل مقام مقال :عظات لربع قرن 1988-2013م للقس الدكتور متري الراهب -عميد كلية دار الكلمة في بيت لحم ومن مؤسسي دار الندوة الدولية – عن ديار للنشر سنة 2013م ،وحمل معيار دولي رقم 978-9950-376-19-9 بحجم 255 صفحة من القطع المتوسط ، وتصنيف محتويات الكتاب :المسيحيون العرب،اللاهوت المسيحي ،الكنيسة الإنجيلية اللوثرية –وجاء إصدار هذا الكتاب مع احتفال المؤلف باليوبيل الفضي لرسامه قسيسا في كنيسة الميلاد الإنجيلية اللوثرية في بيت لحم.

أهدى المؤلف القس متري الراهب كتابه إلى زوجته التي قاسمته محطات الكتاب جميعها حلوها ومرها-رفيقة عمره ودربه وسبيله، كما جاء في مقدمة الكتاب :"بأنه تمت دعوة الكاتب ليخدم كنيسة الميلاد الإنجيلية اللوثرية ،ليخدم رعيتها شيبا وشبانا ، رجالا ونساء،وعلى منبرها وقف الأحد تلو الآخر واعظا ومعمدا ومثبتا ومكللا وخطيبا مفوها".

جمع في الكتاب 63 عظة موزعة على خمسة أقسام، القسم الأول حوى المحطات الرئيسة في حياته خادما ويوم تسلمه رئاسة المجمع الكنسي ويوم الاحتفال بمرور 150 سنة على تأسيس كنيسة الميلاد:"بأنه سيسير في هذا الدرب شعبا وكنيسة وأفرادا لنشر بشارة الإيمان والرجاء والمحبة"صفحة 17.

أشار المؤلف إلى فضل العرب في نشر العلم قائلا:"تصفحوا كتب التاريخ أو نسبهم كيف نقلتم في القرون الوسطى نور العلم من بلاد العرب إلى أوروبا فأنرتم تلك القارة المتخبطة في الظلام،فكونوا ملحا صالحا بأقوالكم وأفعالكم بحياتكم وكيانكم، وكونوا نورا ساطعا بمدارسكم ومصانعكم وفي متاجركم ومساكنكم وأنه يعتز بهويته اللوثرية :"بأنه لوثري أبا عن جد ورعيه الكنيسة اللوثرية الإنجيلية وأنه تعلم الإصلاح في حياته وأنه يتفاعل مع كل زمان ومكان ومتحدث في قناعاته وله بعد سياسي واجتماعي وتنموي.صفحة 23.

اعتز المؤلف بأن الإنجيليين في الشرق الأوسط أول من ادخل مبدأ الانتخابات إلى الشرق العربي وأول من انتخب مجالس كنسية لتسيير أمور الطائفة المحلية والكنيسة وأن الانتخابات هي إرادة الله ، والله يعطي المسئولية والصلاحية لمن يُنتخب وعن رسالة الكنيسة يرى المؤلف بأنها تقوم على الوعظ والبشارة المفرحة والتعليم وخدمة الشفاء.–صفحة 29.

وذكر في العظات عن تأسيس دار الندوة والتي بدأت كنواة صغيرة بمقدار حبة خردل في الغرفة الصغيرة أسفل الكنيسة ونمت وكبرت وصارت شجرة كبيرة تحتمي في أفيائها طيور السماء ، وأن مفهوم الدار تربية الفرد ليصبح في المجتمع الإنساني عضوا فاعلا في جسد المسيح .صفحة 39-40.

أما عظة الشباب يذكر :"بأن الكل ينادي بأهمية عمل الشباب والشبيبة وأن يحضروا لتنفيذ الخطة ويوجه رسالة للآباء غير القادرين على إقناع أبنائهم الشباب بالحضور لأن لهم قراراتهم واهتماماتهم، ويرى بأن الشيبة تعرف على يسوع وتعلم لغة الحوار وأن يكون الشخص مسكونيا وتكسر عنده طوق القبيلة وتعلم معنى التطوع والاهتمام بالتراث الشعبي الفلسطيني وتاريخه العريق وكذلك التعرف على العالم الواسع من خلال اكتساب مهارة المحادثة وتعلم القيادة ويرى بأن الشبيبة هي الدولاب الذي يتشكل فيه الإنسان؟ صفحة 53.

عبر المؤلف في عظاته عن الدهشة حينما تحولت شوارع بيت لحم إلى ساحات حرب دامية في الانتفاضة الأولى وزاد من دهشته حينما رأى الجيش الإسرائيلي وهم يقبضون على فتاة من بنات الطائفة والتي لم تبلغ بعد سن الثالثة عشرة وكذلك تركيزه على الحاجة إلى الثقة في هذه الأوقات والشعور بخطورة الموقف وصعوبة الدرب ، وأن سياسة الإضرابات وحدها قد تضر ولا تفيد بل بحاجة إلى الإيمان وحركة التفكير وحركة أبنائه ليساعد الإنسان كل يوم على محاسبة نفسه وصوّر مشهد عودة العيد إلى بيت لحم وهي حزينة وكذلك أوضاع حرب الخليج الأولى مخاطبا العيد:"هل أخافتك أزمة الخليج، أم أنك ستحتفل مع الجنود الغربيين هناك..صفحة 59-76.

أما عن حصار بيت لحم تعلم منه بأنه لن تقوم لأمة قيامة إلا بالاستقامة وأن الفوضى تجلب تعاسة ، أما معركة غزة وكيف أن إسرائيل خامس أكبر قوة نووية في العالم وأن مركز قنابلها الذرية لا تبعد عن المدينة أكثر من كيلو متر هوائي وذلك لأن موقعها في ديمونة صحراء النقب وأن التحدي الأكبر في غزة أكثر الأماكن اكتظاظا في العالم.صفحة 119.

وعن اتفاقية السلام الزائف-اتفاقية أوسلو-يرى المؤلف أن السلام بين الله والناس ويقوم على التوبة والإيمان والغفران والخطايا، وكذلك الحال في السلام بين الإنسان وأخيه الإنسان ويقول:"ففي أثناء القصف على بغداد وفي اللحظات التي كانت فيها أرواح العراقيين تزهق راح الحلفاء يتحدثون عن النظام الجديد والسلام في الشرق الأوسط ، وها هم اليوم يتحدثون عن السلام ، ويرى بأن السلام الحقيقي هو السلام الذي يصالح الدين والسياسة بحيث تصبح حقائق العدل تمجيدا لله ، ولا يمكن أن يكون حبرا على ورق أو عظات على منبر أو اجتماعات في دورات مغلقة بل هو سلام ملموس على أرض الواقع. صفحة 81-90.

وبخصوص الربيع العربي يرى بأن الشعب بحاجة إلى تغيير القيادات الفردية وبحاجة إلى قيادة جماعية ومساءلة. صفحة 142، وعن ظاهرة تسونامي الكونية يرى بأن العلم مهم لفهم وتفسير الظواهر ولكن ضرورة العمل على مواجهة الكوارث، أما رأيه في الجدار يقول:"لو ولد المسيح اليوم ،لولد على حاجز 300 في الشطر الإسرائيلي منه كما يولد العديد من الأطفال الفلسطينيين على الحواجز بلا طبيب أو مشفى أو قابلة قانونية.صفحة 124.

كما دعا المؤلف في عظاته إلى سياسة الإصلاح لجميع المؤسسات وتحريرها من رواسب الصراعات الذاتية والأحقاد والضغائن الطائفية.

و في فصل الأفراح وفي عظة إكليل بعض أبناء الطائفة خاطبهم قائلا:"بأن الحياة الزوجية تقوم على التسامح والتحرك بهدوء وانسجام والسير بالإيمان وفي عظة سر كعكة الزواج السعيد مقاديرها 365 غرام تفاهم ، و365 غرام تعاون ، و490 غرام تسامح وملعقتان محبة ونصف ملعقة إيمان، ويقتصر إعداد الكعكة على العروسين فقط حيث كلما كثر الطباخون فسدت الطبخة.صفحة 179-181.

كما تناولت عظات الفصل الأخير وهي عظات جنائزية في أوقات الحزن في تأبين أشخاص ماتوا من أبناء الطائفة حول السطور التي كتبت من عند الله بنقاء البصيرة والرأفة والرقة والتواضع خاصة في جنازة أمه بديعة الراهب –رحمها الله- واختتم الكتاب بصلاة للعام الجديد وخوض غماره بكل ثقة وإيمان راسخ قائلا:"فإن كان الله معنا في هذا العام الجديد فمن يقدر علينا.

بعد هذا العرض السريع والموجز للكتاب من قبل د.إدريس جرادات يمكن الإشارة إلى الملاحظات الآتية:
*الكتاب هو باقة من العظات التي تربط الراعي برعيته ومسئوليته أمام الناس والله من وجهة نظر الديانة المسيحية.
*أخذت العظات الطابع الإنساني والروحاني والتعايش السلمي والتسامح الديني.

*مشاركة المؤلف المجتمعية في مناسبات أفراح وأتراح أبناء طائفته –يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم فهو جزء منهم وعضو فاعل وناشط مجتمعي وأكاديمي ناجح أعطى العظات قيمة ومسؤولية مجتمعية .

*واكب المؤلف الأحداث المحلية في المجتمع الفلسطيني ومعاناة أبناء شعبه من مشاكل الاحتلال فهي عظات تدوي أصداؤها في كلمات إنسان واعظ مهتم ومشارك معاناة شعبه.

* النتيجة التي يخلص إليها القارئ بأن القس د.متري الراهب بكى مع الباكين وفرح مع الفرحين وتقاسم مع رعيته و أبناء شعبه حلو الحياة ومرها.

* يعتبر هذا الكتاب جوهرة ثمينة ندعو الباحثين والكتاب والمهتمين إلى اقتنائه وإضافته إلى مكتبتهم المحلية ودراسته وتحليله لأنه جهد ثمين, فهو تجربة شخصية تجسد الهوية الذاتية لشعبنا الفلسطيني .

والى الأمام د.متري الراهب نحو جوهرة تراثية أخرى .