صباحكم أجمل

همسات جيوس «الهمسة الثانية»

، بقلم زياد الجيوسي

لجيوس نكهتها الخاصة وجمالها المتميز، والتجوال فيها دوماً يمنحني عبقاً للروح وجمالاً للنفس، فواصلت التجوال بين أزقة جيوس ودروبها حتى وصلت إلى المدرسة، والتي أطلق عليها اسم شاعر جيوس عبد الرحيم عمر تكريماً له وإن تأخر التكريم كثيراً، وبكل أسف بقي التكريم في حدود إطلاق الاسم على المدرسة، ولم أجد لدى المعنيين من أهل البلدة اهتماماً بما طرحته عشرات المرات، بضرورة الاحتفاء عبر مهرجان ثقافي بالشاعر الكبير، فعبد الرحيم عمر الذي احتفي به عبر العالم العربي، لم يلق بعضاً مما يستحق في بلدته الصغيرة، فهل ذهب نداؤه هدراً حين نادى بأشعاره: "جيوس يا قريتي الخضراء.. حي على الصلاة".

وصلت بوابة المدرسة ودخلتها بدون موعد مسبق، ومع هذا استقبلني المدرسون والعاملون الذين رأوني بكل حفاوة، واستأذنت أن أصور المدرسة وأوثقها بالعدسة والكلمة، فقالوا لي: وهل ابن جيوس وأديبها يحتاج إذناً ببلدته؟ فشكرتهم، وجلت برفقتهم المدرسة، وتعرفت إلى مديرها، واحتسيت القهوة معهم، وغادرت المدرسة التي ارتبطت بذاكرتي عبر الزمن بما كنت أسمعه من قصص أسطورية عنها، كانت تثير الفضول في روحي حيناً والرهبة حيناً آخر، ولذا كنت أسأل كبار العمر عن هذه الأساطير التي سمعتها، ومنهم من يؤكدها متأثراً بالخيال الشعبي، ومنهم من ينفيها ويعتبرها ليست أكثر من حكايات شعبية زادها الخيال عبر الأجيال خيالاً، ومنها قصص الجان والشياطين وأرواح الموتى والتي كان الخيال الشعبي يؤكد أنها التي كانت تقطن المدرسة، وخاصة أرواح الذين قتلوا أو الذين تعرضوا للظلم في حياتهم، ولعل ذلك يعود إلى أن تلك الفترات كانت نسبة المتعلمين قليلة نسبياً، وكانت المدرسة تعتبر بعيدة نسبياً عن قلب البلدة، وفي نفس الوقت لم تكن الكهرباء موجودة، وكون المدرسة مرتفعة وفي غرب البلدة، ومحاطة بكثافة بالأشجار، فكانت الريح الغربية العاصفة في الخريف والشتاء وما تثيره من أصوات للشجر، ومع وجود المغائر القديمة التي كانت تشكل جيوس التاريخية تحتها، كان المجال خصباً لهذه القصص الخيالية والأسطورية التي يثيرها الخيال الشعبي.

كنت أسمع هذه الحكايات ممن يزورونا من الأهل وأبناء البلدة، فأنا ولدت وعشت خارج جيوس، وكانت زيارتي الأولى لها وقضاء عدة أيام لم تذهب تفاصيلها من الذاكرة في العام 1965، لتكون الزيارة الثانية في العام 1995، وخلال ثلاثين عاماً بقيت جيوس في الذاكرة لم تغادرها، ولعل من طرائف الزيارتين، أنني في الزيارة الأولى، وكنت طفلاً مع أهلي، تغدينا المسخن الجيوسي في بيت الأستاذ محمد قحوش (أبو هيثم) وهو زوج ابنة عمتي المرحومة (أم فيصل) سيدة الحنان رحمها الله، وفي الزيارة الثانية تغديت نفس الوجبة في بيته وفي نفس الغرفة لكن هذه المرة مع أبنائي، فما بين الزيارتين كبرت وتزوجت ابنة عمتي وشقيقة زوجة (أبو الهيثم)، فهمست له حين انهينا الغداء عن ذاكرة الغداء الأول.

من زيارة المدرسة توجهت لزيارة البلدية واللقاء برئيس المجلس البلدي بفترة تجوالي الأخ محمد الشماسنة (أبو الطاهر)، وهو صديق قديم في مرحلة العمل النضالي، وحدثني الكثير عن مشاريع وأحلام لا أعرف إن كان المجلس الحالي سيواصلها أم سيتجه اتجاهات أخرى بدون البناء على جهود سبقته، فتبقى المخططات السابقة مجرد أحلام تذهب وتتبخر كما ذهبت الكثير من الأحلام والمخططات، فقد استقبلني (أبو الطاهر) كصديق، وكان أول ما لفت نظري وأنا أصعد الدرجات المؤدية للمجلس حين نظرت للغرب؛ منظر الجدار البشع الذي استولى على ثلاثة أرباع أراضي جيوس، في ظل العجز الفلسطيني والهوان العربي، فبدأت عدستي بتوثيق ما تراه عيناي، وروحي تنـزف كالعادة وأنا أتذكر جولاتي خلف الجدار قبل أن ينبت كنبت شيطاني في قطع من الليل، حين كنت أجول الواد والمروج والبيارات كلما وصلت جيوس، مرات بالمرحومة سيارتي ومرات أفضل التجوال على الأقدام، ورغم أنني لم أمتلك ذات يوم متراً واحداً من الأرض في جيوس، إلا أن طيبة وكرم أهل بلدي كانت تشعرني أنني أمتلك الأرض بما رحبت، فكنت أدخل أية بيارة أو أرض مزروعة بكل ترحاب، وأتذوق أجمل وأشهى الفواكه منها، وما زالت في ذاكرتي بشكل خاص بيارة ابن عمتي المرحوم حسن الأحمد، وجلساتي الممتعة معه في بوابة السقيفة التي تخصه في أرضه، فقد كان متميزاً بالحكايات وخاصة المضحكة منها، والتي لم تكن تخلو من الحكمة بين الكلمات، وكنا نحتسي الشاي معاً من إبريقه الشهير على نار الحطب، وهذا الإبريق كان مداراً للحكايات المتداولة بين أحباء المرحوم، حتى أنني شعرت من القصص والحكايات عنه أنه الإبريق الذي شرب منه من عاونوا سيدنا نوح في بناء السفينة، وكانت بيارة حسن متميزة بمزروعاتها وقد حفرها المرحوم بأظافره بين الصخور حتى أصبحت جنة بجمالها ونتاجها وتنوع أشجارها، فجاء الجدار واستولى على الأرض والجهد والتاريخ والتراث، فلم يحتمل المرحوم وقد بلغ سناً متقدمة أن يرى جهده وأرضه كما وطنه يتم الاستيلاء عليها، فنال منه الحزن والألم حتى ناله الموت بسرعة، لتعلن زوجته المرحومة العمة شريفة، وهي ابنة عم والدي، رحلة الرحيل بعدة أيام، وكنت في تلك الفترة أخضع لإقامة جبرية في رام الله، فلم أتمكن من زيارة البلدة والقيام بالواجب تجاه المرحومين رحمهما الله.

والبيارة الأخرى وبالأحرى المنطقة الأخرى هي منطقة المروج، والتي ذهلت حين رأيتها أول مرة، فلم أتوقع هذه المساحة الممتدة بالخضرة والأشجار والجمال، فشعرت بها حين رأيتها أول مرة وكأني أنظر لجنائن الله في أرضه، فكان يحلو لي أثناء زياراتي وتجوالي أن أرتاح فيما هو معروف ببئر سامي، وكان الأقارب وأهل البلدة المتواجدون يحضرون ونجلس أجمل الجلسات مع خيرات الله من الأرض، وكنا إن صدف موعد الطعام نأكل معاً فيقلون البندورة والباذنجان وغيرها بزيت الزيتون على نار الحطب، ونحتسي بعدها الشاي فأشعر أنني لم أتذوق بحياتي أشهى من هذه المأكولات، وها قد أتى الجدار وفصلني عن الأرض وإن لم يتمكن من ذاكرتي، فأقف قبل دخولي البلدية وقد انثالت الذاكرة، فأشعر بدمعة حرى تسيل على وجنتيّ، فأمسحها بحرقة وأدخل المجلس وألتقي بـ(أبو الطاهر)، لتقع عيناي أول ما تقع على كم من بقايا قنابل الغاز والرصاص الذي أطلقه الاحتلال على أبناء جيوس والمتضامنين معهم أثناء الاحتجاجات على الجدار والاستيلاء على الأراضي.


بقايا قنابل الغاز والرصاص الذي أطلقه الاحتلال على أبناء جيوس والمتضامنين معهم

حدثني (أبو الطاهر) عن الكثير من المخططات والأحلام، فتحدث عن مشروع لمتنـزه كبير على مساحة ستة عشر دونماً على أطراف بلدة جيوس من الأراضي الأميرية، ليكون نقطة جذب سياحية للمنطقة ومتنفساً لأهل جيوس والقرى المحيطة بها، وقال لي إن المشروع نال موافقة رئاسة الوزراء في عهد الدكتور سلام فياض، وإنه سيضم بركة سباحة مغلقة للكبار وأخرى للصغار، مع قاعة للاحتفالات والاجتماعات، وكافتيريا وملعباً رياضياً متوسط المساحة، وسيكون متنـزهاً طبيعياً تقريباً لأنه سيكون على تلة مشجرة وسيتم زراعته بالأشجار الحرجية والصنوبرية، واقترحت عليه إن رأى المشروع النور أن يحتوي على متحف تراثي يضم في جنباته بعضاً من آثار المنطقة والأدوات الزراعية والبيتية التراثية التي استخدمها الأجداد، وها قد مضى قرابة العامين على هذا الحديث دون أن أرى شيئاً على أرض الواقع، تغير فيها المجلس وأتى مجلس جديد.

كما حدثني عن مشروع مياه جيوس والذي حظي أيضاً على موافقة رئاسة الوزراء أيضاً، وهو مشروع طموح سيتم من خلاله سحب المياه للشرب من آبار جيوس خلف الجدار، من آبار المروج والشقفة ويوبك لخزان ماء ضخم في جيوس، وستكون كلفة المشروع أقل من مليون ونصف دولار، وأنه قد أثمرت مفاوضات وضغوطات أوروبية على الاحتلال للموافقة على المشروع، على أن يتم مرور الأنابيب من تحت الجدار، وأنه قد جرت تعديلات كثيرة على المخطط حتى وافق عليه الاحتلال تحت الضغط الأوروبي، وأن المشروع حين إنجاز مرحلته الأولى سيمتد بمياهه إلى بلدة صير المجاورة، ومن ثم إنشاء خزان ضخم في بلدة باقة ليسقي ويروي تسعة قرى في المنطقة، وهذا المشروع إن أنجز بالكامل سيساهم بإحياء المنطقة بأكملها، وفي آخر زيارة لي للبلدة سمعت أن المشروع في مرحلة انجاز مراحله الأولى، إضافة إلى مشروع كهربة الآبار الارتوازية خلف الجدار، بدلاً من استخدام الديزل كما هو الواقع الحالي، ما سيخفض من كلفة الضخ خلال الساعة الواحدة من الآبار من 160 شاقلاً إلى 60 شاقلاً فقط، وأعلمني (أبو الطاهر) رئيس المجلس بتلك الفترة أن البلدية ستتحمل التكاليف وفواتير الكهرباء، وحقيقة وبعد مرور ما يقارب العامين على هذا الحديث الطموح الذي جرى في نهاية العام 2011 ، لا معلومات عندي إلى أين سارت المسائل، فمجلس الوزراء الذي وافق على المشاريع قد تغير، والمجلس البلدي في جيوس قد تغير أيضاً.


بعض مما تبقى من البيوت التراثية في جيوس

هي الذاكرة وانثيالها تعيدني للحديث عن البلدة وتجوالي فيها، هذا التجوال الذي سيكون مجال الحديث في الهمسة الثالثة من همسات الروح عن جيوس، أستعيد الذاكرة في هذا الصباح الجيوسي الجميل، بعد أن جُلت بين أشجار الزيتون في أطراف البلدة، وبعد إفطار متميز من أرغفة فطائر البصل بالزيت في الطابون البلدي والتراثي، فجلست أحتسي القهوة وطيفي الذي لا يفارقني ترف روحه معي، فيهمس لي: كم بلدتك هادئة ورائعة الجمال، وأستمع لفيروز وهي تشدو: (يزورنا الصباح مذهب الأماني ندي الجناح، يزورنا الصباح بزهوة الأغاني وفيض الصدى، بشائر الصباح أغنية الكناري تناجي الغصون ونسمة الصباح تطوف حول داري بهمس حنون).

فأهمس لكم جميعاً: صباحكم أجمل.. قراء وأحبة وأصدقاء، صباحك الأجمل يا وطناً يسكنني ويا جيوس التي تقطن الروح والقلب والذاكرة.


زياد الجيوسي

كاتب فلسطيني من رام الله

من نفس المؤلف