كيف أطير؟!

، بقلم ياسر الششتاوي

أنا مفتون بالسماء، ربما يرجع ذلك لعدة أسباب، منها أن الناس لا تنشغل إلا بالأرض في أغلب الأحوال، وبما هو أرضيّ، وقد يرد علىّ البعض، بأن عيونه لم تخلق في أعلى رأسه حتى ننشغل بالسماء!! فأقول له: إن عيون العقل يجب أن تنظر في كل الجهات، فعيون العقل أينما تريدها تأتي ولا تتأخر، فأنا مثلاً أسعى أن أكون مختلفاً عن الناس بعقلي، وكثرة تأملي.
أما السبب الثاني هو أن السماء تعرف ما نحتاج إليه، وتعطينا أكثر مما نحتاج إليه،ونحن لا نعطيها شيئاً، فالشمس تحتضن الوجود، وتمده بالدفء الوافر، والضوء الذي يقطع أيدي الظلام، فالظلام لايطيق أن يسمع سيرة الضوء! وكذلك تُرضع السماء الأرض بالمطر،وكأن الأرض ابنتها التي تحْدب عليها في شفقة وحنو بالغ، فتعلمت منها العطاء، وليس العطاء فقط، ولكن العطاء بدون مقابل.

أما السبب الثالث أن السماء بعيدة بعيدة جداً، أسأل نفسي، لماذا خلق الله السماء بعيدة إلى هذا الحد؟ ما الحكمة من ذلك؟ أتذكر على الفور قصة فرعون ووزيره هامان، فقد طلب منه أن يبني له صرحاً حتي يصل إلى إله موسى!! وأي صرح وأي بناء يمكّن ذلك الفرعون الخائب من بلوغ ما يرجو؟! ألم يجد أحداً يقول له كما أقول الآن؟ وهل لو كنت موجوداً ساعتها، كنت سأستطيع أن أقول له: أيها الفرعون الخائب؟؟ لاأدري، هناك بعض التجارب لا يعرف فيه الإنسان نفسه إلا إذا عاشها بالفعل، وربما لو كانت السماء قريبة لأدعى من يدعي ـ وما أكثرهم ـ بأنه ذاهب إلى أعلى،وأنه ذاهب إلى الله،وقادم من عند الله، وهكذا دواليك، أو ربما لأدعى أحد مثل فرعون أنه ذهب إلى الله، وانتصر عليه!! فالسماء بعيدة لهذا السبب من وجهة نظري، فهي مثل السراب ـ وإن لم تكن سراباً ـ يظنها الإنسان قريبة، ولا يصل إليها مهما أتي من قوة إلا بقوة إلهية،كما حدث مع النبي في رحلة الإسراء والمعراج، ومن هنا تعلمت أن يعرف الإنسان قدره وحجمه في الكون، فيتواضع لرب الكون، فخلق السماء من أعظم ما خلق الله، فكيف نغض البصر عنها، ولا نغضه عن المحرمات؟!!
أما السبب الرابع لفتنتي بالسماء أنها تمنحنا المساحة كي نطير، وتصنع لنا فضاءات جمة، فلو تأملت السماء جيداً، لشعرتَ أنك محاصر، أو أنك في حجرة، ولكنها حجرة واسعة، باتساع الوجود، والسبب الرابع هذا سيكون نهري الذي أحاول أن أكتشف منابعه،ولكن هذه هي أسبابي لعشق السماء، فهل أنت أيضاً من عاشقي السماء؟ وما هي أسبابك؟؟

وهل يمكن أن يصنع الإنسان بداخله سماءً موازية للسماء الحقيقية؟ هل يمكن أن يكون بداخلك نجوم وكواكب وشهب؟ هل يمكن أن تتحمل أن تعيش شمس بداخلك، ولا تخبر عنها؟! هل يمكن أن تطير بداخلك؟ ويكون لك عش داخل نفسك؟ وإن كان لك عش داخل نفسك، فأي مكان تتمنى أن تسكن فيه في قلبك أم في عقلك أم في بطنك؟

وأنا صغير كنت أتمنى أن أكون عصفوراً، ربما لألعب في الفضاء، ولا يصدمني حاجز، أو يوقفني سور، لكنني لا أفهم وقتها لم لا أستطيع أن أطير؟ فطلبت من أبي هذا الطلب: أبي أريد أن أكون عصفوراً، فضحك أبي، ثم قال لي: عندما ينبت لك ريشٌ، ستصبح عصفوراً، ولكن لماذا تريد أن تكون عصفوراً؟ ويمكن أن تذبح إذا تم اصطيادك، أما هنا وأنت تعيش كإنسان بيننا لا يمكن لأحد أن يذبحك، فالله كرم الإنسان، وكذلك توجد حقوق ومواثيق عالمية لحقوق الإنسان، وكذلك حقوق الطفل، يجب أن تطلع عليها يا بني.

وفي الصباح كنت أذهب إلى بيت رجل يحبني، هو جارنا، وله أحد الأبناء يصطاد العصافير، يضع حبات الأرز في وسط الحجرة، ويختفي خلف الباب، وعندما تدخل العصافير، بحثاً عن رزقها، يغلق الباب مسرعاً، ويمسك بها ثم يذبحها، فتذكرت كلام أبي،وكأنه لاشيء جميل بلا ثمن، ثم سألت ابن جارنا هذا، وكان يدرس في الأزهر، لمَ تذبح العصافير هكذا بلا رحمة؟ فرد علىّ كمن يثق في فتواه: ألم تأتِ لتسرق الأرز من بيتنا؟ وجزاء السارق قطع يده؟ وبما أن العصافير لا يد لها، فأنا أقطع رقبتها، ثم قام بذبحهم، ولكن عصفوراً لم يحسن ذبحه، وكان ابن جارنا الذي يكبرني بقليل، قد فتح باب الحجرة، ففر منه العصفور، والدم يسيل من رقبته،هل سيعيش؟ وهل سيدخل بيوتاً لا يعرفها بعد ذلك؟ وماذا سيقول لباقي العصافير عن الإنسان؟ تمنيت لو أطير خلفه، لأنقذه، فكل قطرة دم ينزفها، كأنني من ينزفها.

كبرت،وأصبح حلمي الوحيد، أن أصبح طياراً، وأن أنافس العصافير في امتلاك الجو، وأن أكون نسراً، يتقلب بالطائرة في الجو، كمن يتقلب على سريره، ولكنني فشلت في اختبارات الكلية، فسقطت من على جبل أحلامي، وتذكرت وقتها عباس بن فرناس، ذلك الذي أضاع حياته من أجل حلمه، حلم الطيران، وأخذ مساحة جديدة من أيدي الوجود الشاسع، والخروج من أسر الجاذبية التي تشبه القيد اللامرئي، تذكرته، وسألت نفسي،هل لوكان عباس بن فرناس نجا من المرة الذي سقط فيها، هل كان سيحاول الطيران مرة أخرى؟؟! وكأنني أسمع صوته يجيبني: نعم ؛ لأن أصحاب الأحلام العظيمة صعب أن يخسروا أحلامهم بسهولة.

كيف أطير إذن؟ يمكن أن تطير لو قمتَ بشراء طائرة، كيف أشتري طائرة،وأنا لا أستطيع أن أشتري شقة؟!! عليك فقط أن تحلم، وحتى وإن لم يتحقق الحلم، تظل رائحته تعبق داخل النفس، ولمَ لا يتحقق الحلم؟ ألستَ بشراً مثل هؤلاء البشر الذين يملكون الملايين؟ وهل جميعهم ولدوا وفي فمهم ملعقة من ذهب، هناك من تعذب وسهر واجتهد، حتى أصبح له شأن في عالم المال، لماذا لا أكون واحداً منهم، ويكون عندي طائرة؟!! ما أسوأ أن تختار أن تكون الأخير،أوأن تكون إنساناً عادياً!!
أنام على ظهري على سطح بيتنا في حضرة الصيف الرائق، فأكون وجهاً لوجه أنا والنجوم، والسماء تشاهد ما يدور، أكلم النجوم، لكنني لا أسمع صوتها، كيف يصلني صوتها، وضوء بعض النجوم قد يستغرق مليون سنة حتى يصل إلى الأرض، أي أنه يمكن أن يكون النجم قد مات وتلاشى من الفضاء، ولكننا ما زلنا نراه، لأننا لا نراه هو، وإنما نرى ضوءه، ما أغرب السماء!

إذا كنت لا أسمع النجوم، فهل النجوم تسمعني؟ لا أستطيع أن أجزم بالنفي أو الإثبات، فهناك أشياء نظن أنها حقائق،وهي أبعد ما تكون عن الحقيقة، والعكس صحيح، الشيء الذي أجزم به أنني أحدّث النجوم، بل أحياناً أقوم بلومها! لماذا ألوم النجوم؟! لأنني كل ليلة أجد نفس النجوم في نفس المكان، ألا تتحرك النجوم؟ هل هذه حقيقة أم خدعة رؤية؟ لا أدري، ولكن ما أدريه أن النجوم بهذه الحالة هي عبيد الفضاء، فهي لم تنل حريتها بعد، فرغم أنها في قلب الفضاء الشاسع، وفي السماء الغامرة، التي أحلم أن أحلق فيها، إلا أنها سجينة ؛ لأنها لا تتحرك ـ كما ترصدها عيني ـ إنها أشبه بالطيور المحنطة في الفضاء، لذا لا أريد أن أكون نجماً!!

وبما أن الأحلام يسهل تحقيقها في المنام، فقد حلمت كثيراً، بأنني أطير، ولكنني كنتُ أطير في الحلم، وأنا واقف، ولم يكن لي أجنحة، كنت إنساناً عادياً، إنسانا عادياً يطير، هل سأقابل في حلمي أحداً غيري يطير!!
في صباح الليلة التي أحلم فيها أنني أطير، كنت أقوم من النوم سعيداً،ومنتشياً، ولدي رغبة في العمل، والقضاء على مارد الكسل، أيها الطيران ما السحر النفسيّ الذي تملكه؟!

وإن لم أحقق حلم الطيران في الدنيا، أستطيع أن أحققه في الآخرة، ألم يبدل الله جعفر بن أبي طالب ذراعيه التي قطعت في غزوة مؤتة بجناحين يطير بهما في الجنة؟ ولهذا سمي جعفر الطيار، وهذا هو أول طيار قبل اختراع الطائرة نفسها على ما أظن!

ولكن كيف أدخل الجنة، ولي ذنوب كثيرة؟؟ أعتقد أنها ستقص جناحي، لكنني سأحاول، وأحاول، أصحاب الأحلام العظيمة لا يعرفون اليأس. أستطيع أن أكون صالحاً، وأن أطير فوق الذنوب والمعاصي، فلا ألمسها ولا تلمسني، سيكون هذا هو الطيران الذي أستطيع تحقيقه كلما أردتُ،لأنه طيران معنوي، وإن كان يحتاج إلى قوة أكبر من القوة التي يمتلكها الشيطان.
عندما أدخل الجنة، سيكون أول طلب لي أن يمنحني الله أجنحة أطير بها في الجنة، أيتها الجنة أين أنتِ؟ كأنني أسمع صوت الجنة من بعيد تناديني، وتقول لي: مهري هو الحسنات، فأين حسناتك؟؟