تجارة المخدرات في مصر

، بقلم عادل عامر

تشكل ظاهرة إنتاج وتعاطي المخدرات مشكلة عالمية لا يكاد يخلو مجتمع إنساني من آثارها المباشرة أو غير المباشرة. كما تكلف الإجراءات الدولية والمحلية لمكافحة انتشار المخدرات والتوعية بأضرارها وعلاج المدمنين حوالي 120 مليار دولار سنويا،وتمثل تجارة المخدرات 8% من مجموع التجارة العالمية، ويشير تقرير الأمم المتحدة عام 2000 بشأن المخدرات - الذي تم الاعتماد عليه في إعداد مادة هذا التقرير - إلى أن الكمية المضبوطة مقارنة بما يتم تهريبه تشكل نسبة ضئيلة فعلى سبيل المثال لا تزيد كمية الهيروين المضبوطة عن 10% فقط من الكمية المهربة، كما لا تزيد في الكوكايين عن 30%.وتختلف كمية الاستهلاك من صنف إلى آخر، فقد زادت كمية استهلاك المنبهات خلال عقد التسعينيات عشرة أضعاف عما كانت عليه في الثمانينيات، في حين استقرت نسب استهلاك الأفيونات خلال السنوات الثلاث الأخيرة منذ سنوات طويلة تصل إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي والكل في مصر يعلم أن عدد متعاطي المخدرات في البلد وحجم تجارتها تحدده وزارة الداخلية، ليس من زاوية ممارسة التجارة والترويج للمواد المخدرة ولكن من خلال قيامها بالتدخل في سوقها لصالح زيادة استهلاك أصناف بعينها أو منع أصناف أخرى، مثلما حدث مع مخدر" الحشيش " قبل الثورة بعدة شهور حيث تم حجبه وتقليل كمياته لصالح عودة مواد مخدرة أخرى للانتشار مثل " الهيروين " وكذلك لزيادة استهلك مخدرات أخرى مثل " البانجو".
وبعد ثورة يناير، واصلت وزارة الداخلية اللعب في سوق المخدرات ولكن هذه المرة عبر القيام بدور الصمت الكامل عن تنامي حجم تجارتها بمعدل غير مسبوق، وذلك في إطار خطة القيادات القديمة بالوزارة لتشويه سمعة الثورة وإظهارها بمظهر المتسبب في كل المظاهر السلبية بالمجتمع وعلى رأسها انتشار البلطجة وتجارة المواد المخدرة. إن مصر احتلت المركز الأول عالميا في تجاره المخدرات بعد ثوره يناير حيث كانت تحتل المركز الثالث عالميا قبل الثورة هذا ما صندوق مكافحه وعلاج الإدمان وتأتى السعودية في المركز الثاني
إن مصر تخطت بالفعل المعدلات العالمية المتعارف عليها والتي تبلغ نسبتها 5% وصلت الآن إلى 7%!وذكر التقرير أن 65 ? من طلاب الجامعات في مصر مدمنين على الحشيش وكشف التقرير أيضا عن الأسباب الرئيسية لدمان ومنها ل ضعف الشخصية.. غياب الوازع الديني.. والرغبة في خوض التجربة وحب الاستطلاع.. غياب القدوة.. الفقر والقهر.. وكذلك وقت الفراغ.. وضعف دور الأسرة.. فشل التجارب العاطفية
أن تجار المخدرات استغلوا حالة الانفلات الأمني المتعمدة بعد ثورة يناير وقاموا برفع معدلات تجارتالمصري،صبحت مصر تحتل المرتبة الثانية في أفريقيا من حيث انتشار تعاطي وتجارة المخدرات، وذلك خلال الشهور الخمسة الماضية. أن التراخي الأمني رفع عدد متعاطي المخدرات في مصر ليصبح 8 ملايين مواطن بما يعادل 10 % من الشعب المصري، وامتد الأمر لتصبح هناك أحياء ومناطق سكنية كاملة عبارة عن أوكار مفتوحة لتجارة وترويج المخدرات تحت سمع وبصر رجال الشرطة. أن نفس التراخي الأمني تسبب في انتشار مفهومالثورة،ن تعاطي بعض أنواع المخدرات ليس مجرما قانونا مثل البانجو والأفيون! أنه بقدر ما كان مخدر " الحشيش " شحيحا قبل الثورة، فقد عاد هذا النوع من المخدرات ليشهد رواجا وانتشارا منقطع النظير. أن جزءا كبيرا من القوة الجديدة التي يشعر بها تجار المخدرات يعود لكونهم حصلوا على كميات ضخمة من الأسلحة من أقسام الشرطة ومقار الأمن التي تم فتحها أثناء الثورة وتهريب ما بها من سلاح للبلطجية لنشر الرعب بين المواطنين. وللتدليل على الدور الذي يقوم به التراخي الأمني في حماية انتشار تجارة المخدرات بعد الثورة، أن العمل بدون ملاحقة الشرطة ممل، وأعلنوا عن خفض أسعار عدد كبير من أنواع المواد المخدرة !
وفي تحليل لأسباب ظاهرة انتشار تجارة المخدرات بمعدلات غير مسبوقة بعد الثورة بسبب التقاعس أن انتعاش تجارة السلاح والمخدرات من سمات الفترات الانتقالية في حياة الشعوب، والتي تعقب التغيرات السياسية والاجتماعية الكبرى، وأنها تنتعش بسبب رخاوة القبضة الأمنية والتركيز على الأمن السياسي دون الجنائي. أنه خلال هذه الفترات الانتقالية غالبا ما يسعى تجار السلاح والمخدرات والدعارة لاستغلال الوضع الأمني المنفلت في إنعاش تجارتهم، وأن هذه الفترات الانتقالية تطول مدتها أو تقصر بحسب الظروف السياسية التي تمر بها الدولة، لكنها تأخذ وقتا أطول في حالة الثورات الشعبية على عكس الانقلابات العسكرية التي يواكبها إحكام سريع للقبضة الأمنية على البلاد، وذلك بسبب احتياج الثورات الشعبية لفترات أطول لكي تنتشر في مؤسسات الدولة، أن مصر بعد ثورة يناير هي الأقل من حيث انتشار الجريمة من بين الدول التي تمر بظروف مشابهة.

فإن مخدر " الحشيش " هو الأكثر والأوسع انتشارا في مصر بسبب انخفاض سعره، وتمثل تسع محافظات في مصر أكبر سوق لانتشار تجارة وتعاطي الحشيش وهي: القاهرة – الإسكندرية – الشرقية – القليوبية – الدقهلية – المنيا – الجيزة – أسيوط – جنوب سيناء. وعن سيناء أفردت الدراسة مساحة كبيرة للحديث حول تفاصيل وخبايا تجارة المخدرات بها حيث تقول أن محافظتي شمال وجنوب سيناء تستأثران بـ 90 % من حجم تجارة المخدرات في مصر، وقد وصلت الكمية المضبوطة خلال العام الماضي فقط في سيناء إلى 3313 فدان مزروعة بأنواع مختلفة من المخدرات،

.. إن حجم هذه التجارة وصل خلال العام الماضي فقط لنحو 18.2 مليار جنيه، منها 15.7 مليار جنيه قيمة الزراعات المخدرة (القنب ـالخشخاش) و2.41 مليار جنيه قيمة المواد المخدرة الطبيعية و900 مليون جنيه قيمة المواد المخدرة التخليقية.إن التأثير السلبي على الاقتصاد المصري، قائلة إن قيمة ما يتم إنفاقه على المواد المخدرة تصل نسبته إلى 2.5 في المائة من عوائد الدخل القومي المقدرة بحوالي 731.2 مليار جنيه للعام المالي 2006 ـ 2007، وأضافت الإحصائية أن ما أنفق على المواد المخدرة بمصر في العام الماضي يمثل بالنسبة لعوائد الدخل القومي نحو 79.5 في المائة من دخل قناة السويس، و32.8 في المائة من عائدات الصادرات المصرية (العادية)، و41.3 في المائة من عائد السياحة، و109 في المائة من عائد الاستثمار، و46.9 في المائة من تحويلات المصريين بالخارج، و32.7 في المائة من عائدات البترول.

فقد بلغت كمية المواد المخدرة الطبيعية المضبوطة في عام 2007 نحو 47 ألف كيلوغرام من البانجو، و 6 آلاف كيلوغرام من الحشيش، و49 كيلوغراما من الأفيون، و3.82 كيلوغرام من الكوكايين، بينما بلغت كمية المواد المخدرة التخليقية المضبوطة حوالي 88 كيلوغراما من الهيروين، و2380 قرصا من العقاقير المخدرة، ونحو 172 سم3 من سائل الماكستون فورت.

ووصل حجم المضبوطات من الزراعات المخدرة لحوالي 272 فدانا مزروعة بالقنب يقدر إنتاجها بنحو 2.2 ملايين كيلوغرام، و233 فدانا مزروعة بالخشخاش يقدر إنتاجها بحوالي 7 ملايين كيلوغرام. وقالت الدراسة إن قيمة ما أنفقه المصريون على القنب في سوق الاتجار غير المشروع خلال العام الماضي وصلت لنحو 12.64 مليار جنيه، بنسبة 69.45 في المائة، يليه الخشخاش بقيمة حوالي ملياري جنيه، بنسبة 16.8 في المائة من إجمالي قيمة ما تم تداوله والبالغ 18.2 مليار جنيه.الوضع العالمي شهد إنتاج الكوكايين في الفترة ما بين 92/1993 – 1999 انخفاضاً يناهز 20% عما كانت عليه في الثمانينيات التي شهدت صعوداً هائلاً في إنتاج وتصنيع هذا المخدر، وقد بلغ إنتاجه العالمي غير المشروع 765 طناً عام 1999، كما تعرضت مساحة الأرض المزروعة به إلى التقلص عام 1999 بنسبة 14% عما كانت عليها عام 1990. والأمر نفسه نجده في الأفيون، إذ انخفض إنتاجه إلى 4.800 طن سنويا عام 2000في مقابل 5800 طن عام 1999. وتقلصت المساحات المزروعة به عام 1999 بنسبة 17% عما كانت عليه عام 1990.


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف