امرأة رخيصة

، بقلم غزالة الزهراء

الشاحنة الكبيرة تتقدم رويدا رويدا صوب العمارة ذات الطوابق السبعة ، تحمل على متنها أثاثا مستوردا من الطراز الرفيع ، النسوة يرقبن هذا المشهد عن كثب بأعين متطفلة من النوافذ والشرفات أما أولادهن هبطوا السلالم الرخامية مرفرفين ابتهاجا ، تزاحموا ، وتدافعوا بقوة لا مثيل لها حول الشاحنة الكبيرة ، واشرأبت أعناقهم الطرية للتطلع لا غير ، هذا ساكن حديث العهد سيضاف إلى قائمة القاطنين هنا ، ويصير في فترة غير بعيدة واحدا من هؤلاء .
ضجت صارخة مزلزلة : افسحوا لنا المجال أيها الأبالسة ، هيا تفرقوا ، إلام تنظرون ؟
نعتتهم بالأبالسة ، هذا سلوك غير متمدن نابع من اعوجاج أخلاقها ، وقلة أدبها ، لا تحترم صغير السن ، ولا الشاب اليافع ، ولا الكهل المسن ، الأمور في نظرها متشابهة متداخلة على حد سواء .

منذ التحاقها بمقر سكناها أوقدت بلبلة فظيعة ، وفوضى عارمة وسط الرجال ، باتت تتحين الفرص لاقتناصهم الواحد تلو الآخر، ومن غير توبيخ الضمير تتوق بجنون أحمق إلى تخريب دعائم الأسر المتماسكة ، وتشتيت أفرادها .
كم من رجل سحرته بغمزاتها اللئيمة ، وابتسامتها الشيطانية المغرية .
إنها تعتلي ذروة الاستهتار ، والخبث ، والفجور .

دعت الجارة رحاب نساء العمارة للاجتماع في منزلها مساء هذا اليوم ، قالت لهن واضعة أصبعها على بؤرة الداء الفاسد : نحن في ورطة مزرية يا أخوات ، يد واحدة لا تصفق ، علينا بتعزيز جهودنا للتصدي لتلك الفاجرة الملعونة .
سألتها إحدى جاراتها متأوهة : كيف يتم ذلك يا رحاب ونحن ندرك يقينا أنها شبيهة بتمساح شره يجوب المحيط ؟
ـــ لا نمنحها أية فرصة للدنو منا ، والاختلاط بنا لأنها ستهدد استقرارنا العائلي المتين ، وتكون وبالا وخيما على رؤوسنا ، ورؤوس أزواجنا .
وتابعت قائلة زارعة فيهن وهج أمل : لا تتركن القلق يفترسكن ، سنشتكيها للسلطات المعنية لترحيلها في أقرب الآجال .
قالت أخرى وفي صوتها الأبح تحذير واضح مخيف : إنها أشد براعة في فن اختلاس الرجال.
صاحت نبيلة من هناك : يا للمصيبة ! يا للعار ! صارت تطارد أزواجنا في وضح النهار .

الجارة نفيسة انطلقت باكية شاكية : زوجي لم يعد كما كان في سابق عهده يمطرني بشلال الحب والدفء ، المرأة الملعونة سممت دماغه بألاعيبها الملغمة ، صيرته إلى أسير جبان .
انغمست بين جنبات الصمت لدقائق معدودة كأنما تفكر في حيلة ذكية تنقذها من مخالب اليأس الأشد بطشا ، ثم انفجرت كقنبلة ناسفة : نقتلها ، ونرتاح جميعا من شرها وبلائها.
أطلقت النسوة من حناجرهن صرخات مهزوزات مفجوعات : نقتلها !؟
تدخلت رحاب لتهدئة الوضع المتكهرب لتقول : القتل العمدي تترتب عليه أقصى العقوبات ، لا تتهوري يا نفيسة لأجل امرأة فاسقة تقتات من فضلات الوحل الرخيص .
وأضافت : قيل أن زوجها هو الذي يحرضها على اقتراف المنكرات ، فكم يبهجه مال الحرام الذي يتدفق بين يديه .

ذات صباح صقيعي بارد اهتز ساكنو العمارة على وقع جريمة في الطابق الخامس ، من
القاتل يا ترى ؟ أيمكن أن تكون نفيسة ؟
المرأة الملعونة ماتت مقتولة .