الثلاثاء ٢٥ شباط (فبراير) ٢٠١٤
بقلم غزالة الزهراء

امرأة رخيصة

الشاحنة الكبيرة تتقدم رويدا رويدا صوب العمارة ذات الطوابق السبعة ، تحمل على متنها أثاثا مستوردا من الطراز الرفيع ، النسوة يرقبن هذا المشهد عن كثب بأعين متطفلة من النوافذ والشرفات أما أولادهن هبطوا السلالم الرخامية مرفرفين ابتهاجا ، تزاحموا ، وتدافعوا بقوة لا مثيل لها حول الشاحنة الكبيرة ، واشرأبت أعناقهم الطرية للتطلع لا غير ، هذا ساكن حديث العهد سيضاف إلى قائمة القاطنين هنا ، ويصير في فترة غير بعيدة واحدا من هؤلاء .
ضجت صارخة مزلزلة : افسحوا لنا المجال أيها الأبالسة ، هيا تفرقوا ، إلام تنظرون ؟
نعتتهم بالأبالسة ، هذا سلوك غير متمدن نابع من اعوجاج أخلاقها ، وقلة أدبها ، لا تحترم صغير السن ، ولا الشاب اليافع ، ولا الكهل المسن ، الأمور في نظرها متشابهة متداخلة على حد سواء .

منذ التحاقها بمقر سكناها أوقدت بلبلة فظيعة ، وفوضى عارمة وسط الرجال ، باتت تتحين الفرص لاقتناصهم الواحد تلو الآخر، ومن غير توبيخ الضمير تتوق بجنون أحمق إلى تخريب دعائم الأسر المتماسكة ، وتشتيت أفرادها .
كم من رجل سحرته بغمزاتها اللئيمة ، وابتسامتها الشيطانية المغرية .
إنها تعتلي ذروة الاستهتار ، والخبث ، والفجور .

دعت الجارة رحاب نساء العمارة للاجتماع في منزلها مساء هذا اليوم ، قالت لهن واضعة أصبعها على بؤرة الداء الفاسد : نحن في ورطة مزرية يا أخوات ، يد واحدة لا تصفق ، علينا بتعزيز جهودنا للتصدي لتلك الفاجرة الملعونة .
سألتها إحدى جاراتها متأوهة : كيف يتم ذلك يا رحاب ونحن ندرك يقينا أنها شبيهة بتمساح شره يجوب المحيط ؟
ـــ لا نمنحها أية فرصة للدنو منا ، والاختلاط بنا لأنها ستهدد استقرارنا العائلي المتين ، وتكون وبالا وخيما على رؤوسنا ، ورؤوس أزواجنا .
وتابعت قائلة زارعة فيهن وهج أمل : لا تتركن القلق يفترسكن ، سنشتكيها للسلطات المعنية لترحيلها في أقرب الآجال .
قالت أخرى وفي صوتها الأبح تحذير واضح مخيف : إنها أشد براعة في فن اختلاس الرجال.
صاحت نبيلة من هناك : يا للمصيبة ! يا للعار ! صارت تطارد أزواجنا في وضح النهار .

الجارة نفيسة انطلقت باكية شاكية : زوجي لم يعد كما كان في سابق عهده يمطرني بشلال الحب والدفء ، المرأة الملعونة سممت دماغه بألاعيبها الملغمة ، صيرته إلى أسير جبان .
انغمست بين جنبات الصمت لدقائق معدودة كأنما تفكر في حيلة ذكية تنقذها من مخالب اليأس الأشد بطشا ، ثم انفجرت كقنبلة ناسفة : نقتلها ، ونرتاح جميعا من شرها وبلائها.
أطلقت النسوة من حناجرهن صرخات مهزوزات مفجوعات : نقتلها !؟
تدخلت رحاب لتهدئة الوضع المتكهرب لتقول : القتل العمدي تترتب عليه أقصى العقوبات ، لا تتهوري يا نفيسة لأجل امرأة فاسقة تقتات من فضلات الوحل الرخيص .
وأضافت : قيل أن زوجها هو الذي يحرضها على اقتراف المنكرات ، فكم يبهجه مال الحرام الذي يتدفق بين يديه .

ذات صباح صقيعي بارد اهتز ساكنو العمارة على وقع جريمة في الطابق الخامس ، من
القاتل يا ترى ؟ أيمكن أن تكون نفيسة ؟
المرأة الملعونة ماتت مقتولة .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى