مدارات الرقمية:

من العلوم الإنسانية إلى الأدبية الالكترونية

صدر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع /عمان الأردن، كتاب بعنوان: الثقافة الإلكترونية مدارات الرقمية: من العلوم الإنسانية إلى الأدبية الالكترونية، فبراير 2014 للكاتب المغربي الدكتور عبد النور إدريس، يقع الكتاب في 109 صفحة من القطع الكبير، ويتناول بالتحليل هيمنة الثقافة الإلكترونية من خلال غطرسة وسائطها الإلكترونية، انطلاقا من مبررات الواقع الفعلي من جهة ، وانطلاقا من وعي معرفي تحقق من كون الباحث متخصص في علم الاجتماع وعضو الهيئة التنفيذية لاتحاد كتاب الإنترنت العرب.

جاء في الكتاب أن الوسائط الالكترونية قد فتحت كل العوالم على بعضها، فأنتجت مستهلكيها بغرض دمجهم في الزمن الالكتروني دون السماح لهم، بعد ذلك، من الانفكاك من كل الحوامل الالكترونية التي يمكنها أن تُسوِّق لشخصية الفرد والمجتمع.

فالثقافة الرقمية (الإلكترونية) تضع هامش حرية الأفراد كمبدأ أساسي للتشكل، دون أن تعني بصدق المفهوم الكلاسيكي للحرية، فالمعلومات وهي تزحف متراكمة نحو وعي الأفراد لا تستطيع أن تحافظ على خصوصيات المجتمع، ولا على تدبير تواجدها المجتمعي المتسارع والضيق في نفس الآن ، إن الانصهار الثقافي وارد في ظل الزمن الالكتروني الذي غير من معادلة الإنسان صانع المعرفة ومنتجها ومستهلكها، إلى معادلة مفتوحة تؤسس للمعرفة الرقمية وتنتج الكائن الالكتروني المنفعل بالمعرفة.

وهكذا عرج الكتاب إلى الأسئلة العميقة التي يتيحها البعد التكنولوجي للمعرفة داخل البعد الإنساني من حيث أنه ينتج تصورا آليا لمسألة التغيير الاجتماعي والذي أصبح في حكم العادي داخل الزمن الالكتروني، حيث لا يوجد شيء ثابت ماعدا التغيير.

وفي معرض تطرق الكتاب إلى مسألة العلوم الانسانية والرقمية (علم النفس الرقمي وعلم الاجتماع الرقمي ) تحدث الباحث عبد النور إدريس إلى مسألة اقتحام الأنترنت لحياة الإنسان والكيفية التي استولى بها على مشاعره العميقة التي تمثل الخريطة النفسية للكائن، فكانت لغة القلب هي أولى العواطف التي استسلمت أمام التكنولوجيا، فغدا الأنترنت ليس ذلك الحامل للمعلومة فقط كما بدت أولى أهداف تواجده، بل غدا بديلا افتراضيا لحياة جهد الإنسان منذ العصور على عكس أفقها الواقعي، فبقدر ما يتمثل الأنترنت كإمكانية تواصلية ووسيلة نقل لمشاعر الإنسان تمثلت بالضرورة نمط عيش ووسيلة مفعمة بالنشاط الإنساني.

كما تحدث الدكتور عبد النور إدريس عن الأنترنوت وهو يحس بالانتماء إلى مجتمعه الافتراضي، لا يستغني عن الاستجابة الواقعية لمجتمعه الرقمي، ووضضع مثالا على ذلك: المجتمع الفايسبوكي وتوازن الشخصية الفايسبوكية التي هزت المجتمعات العربية.

فالكائن الفايسبوكي قابل للدراسة النفسية من حيث قابليته للدراسة وتمكينه الدارس من رصد طبيعته المفتوحة وسلوكه الشخصي داخل مجتمع الأنترنت، الذي أصبح يتجلى بعيدا عن المجتمع الواقعي.

لاشك أن العلاقة بين التكنولوجيا والقيم تمكن الباحث من رصدها فيما يمكن تسميته "بأخلقة المعلومة" "information ethic" وهو مجال يرصد المسؤولية السوسيولوجية لثورة المعلومات وخاصة ما يقع من تغيير في القيم :
(قيم الحرية والديموقراطية والعدالة والمعرفة والسعادة ..).

إن تقنية المعلومات تعتبر أداة التغيير الاجتماعي، حيث أنها تندرج ضمن ثالث الثورات الأساسية التي مر منها التاريخ البشري والتي غيرت الخريطة النفسية والاجتماعية للإنسان، فقد عُرِّفت الأولى بالثورة الزراعية والثانية بالثورة الصناعية بينما توسم الثورة الثالثة بالثورة المعلوماتية أي ثورة الاتصالات التي مكنت الإنسان من تشكيل قناعات جديدة مشمولة بطرق جديدة للتفكير من مثل : العشق الالكتروني، التعليم الافتراضي، التجارة الإلكترونية، والديموقراطية الإلكترونية والجريمة الإلكترونية والجهاد الإلكتروني والمقاومة الإلكترونية ..

كما ينقلنا الكتاب إلى الأدبية الالكترونية وهي تنفتح على كل الاحتمالات الافتراضية، فالنص الرقمي وهو يخلخل النظرية الأدبية يُرجع فاعليته الأدبية إلى التلقي، أي إلى المتلقي المتفاعل (المستهلك- المنتج) الذي ينزاح عن المركز ليُقيم في الهامش بدون مرجعية، حيث يستطيع الهامش أن يترابط بالمركز فقط من أجل إضعاف سلطته والتقليل من هيمنة أدواته.
هكذا خلص الكتاب إلى ان الخطاب الرقمي يفرض منطقه وأشكال تجليه بعيدا عن الاستبداد الفكري وغطرسة الورق، إن الأسئلة التي فجرها هذا الخطاب الآنترنيتي، مقلقة ومشاكسة لنمط التفكير السابق نظرا لاكتساح هذا النسيج العنكبوتي كل المجالات التي يستطيع داخلها ابتلاع كل الأطراف والهوامش ويتمركز في خطاب دوائر لا يحترم إلا دائرة التلقي