هلوسات ليلية «١»

، بقلم عبد الرحمن عبد العزيز أقرع

وددتُ هذا المساء أن أغتسلَ بالنبيذ
أن أحتسي مقطوعة موسيقية محببة في كأسٍ بلوري رائق لأستشعر الدفء
وددتُ أن أتعطر بالليلك
وأن أنثرَ أزهارَ التفاحِ والكرز على فراشي
أن أتخذ وسادةً من بتيلاتِ النرجس
وأن التحفَ بغطاءٍ من ريشِ أقصرِ الطيورِ عمراً
فعمرُ كل ما ذكرتُ قصير وان كان أثر جمالها خالداً
نشوة الحب قصيرة يتبعها عذاب الم الشوق الخالد
ولحنُ الفرحِ في الحب يعقبهُ لحنٌ جنائزيٌ أبدي
وعطر الليلكِ تسكرنا رشاتٌ منه ولا يلبثُ أن يتلاشى وتخلدُ ذكرى شذاه
وعمر النرجسِ كعمرِ التوليبِ قصير ، ولكننا ما أن ندهشَ بجمالهِ حتى تسكننا نرجسية الهوى
 
يتسع فضاءُ المساجد والكنائس والمدارس والجامعات للجميع ، وتغصّ بالبشرِ الطرقات ولا تضنُّ بمكانٍ لأي عابر ، ومع ذلك تضيقُ بعاشقين
يجلس مئاتُ المارة على الأرصفةِ والمحطات ومقاعد الحدائق ولا يلفتونَ نظرَ أحد ، بينما يجذبُ مقعدٌ لا يتسع لأكثر من عاشقين آلاف النظراتِ المتطفلة
لماذ تعتري الحبُّ فينا جفلة الترقبِ لصفعة القدر ؟
 
وددتُ هذا المساء أن أقطع شرايين رسغي لاكتب بالدم ما هو ممنوعٌ أن يسطرَ بالحبر
أن يكونَ أديمُ الأرضِ رِقّ كتابتي ليحظى وهجه بالهدوءِ بعيداً عن ضجيجِ الشاشات
وددتُ أن تجوبَ روحي فضاءات الزمن اللاحق والسابقِ بحثاً عمن يشبهنا
وددتُ كثيرا أن الملمَ أزهار الأقحوان لأفرش بها الطريق لحلمٍ جريءٍ تجاهل محاذير الحياة ليشق طريقه على صهوة الجنون نحو النور الذي لن يدركهُ يوماً .
 
أودّ هذا المساء كلّ جميل
أن أشارك الغجر رقصاتهم
أن أغسل قدميِّ حبيبتي بأجود النبيذ
أن أراقصها تحت وصوصاتِ النجومِ الخافتة في سماءِ تشرين
أودُّ أن أسافر في قطارٍ يبدلّ ركابهُ على كل محطة ، وأن أفتح رئتيَّ لرائحةِ الفحم المحترقِ الشهية ، وأن أطل من نافذة القطار فجراً لأدرك كيف نمر مسرعين عن الحياة المتفتقة دون أن نحظى بتحيةٍ من جمال
وفي لحظةٍ من الهوَسِ والدهشة أن أقفز من نافذةِ القطار لاعانق الفجرَ بجبينٍ مشجوجٍ وأطرافٍ متكسرة ،وأنا أضحك لفرطِ الألم .
أريد الا يكون مثلي أحد لا في جزيرة العرب ولا في شبه جزيرة البلقان
أريد أن أقطفَ من تفاحِ الشامِ أشهاه ، وأن أعتصر من كرومِ قانا أجود النبيذ ، وأن أملأ كفيّ برمان الجليل .
أريد أن يحسدني الكون لأنكِ احببتني في لحظةِ جنون
وأريد أن تحسدك كل سكارى الأرضِ ومجانينها لأني أحببتكِ في لحظةِ عقلٍ يقتص من ظلمِ الأقدار للمحبين
(الساعة الأخيرة )