في الفنّ والتاريخ

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

- 1- كان أعداء الفنّ والفنّانين لدينا يردِّدون على أسماعنا قديمًا أن «الفنّان» هو الحمار، اعتمادًا على ما يجدونه في العربيّة من وصف الحمار بـ«الفنّان». من نحو قول (الأعشى)(1)، في وصف حمار وحش وأتانه:

وإِنْ كانَ تَقريبٌ مِنَ الشَدِّ غالَها ** بِمَيْعَةِ فَنَّانِ الأَجارِيِّ مُجْذِمِ

وكانوا بذلك يُغالِطون، أو يجهلون، أن الحمار ما أُطلِق عليه «فنّان» إلّا لأنه يتفنَّن في سيره ويَتمايع عُجْبًا، كما وصفَ الأعشى. وكلّ ذلك افتِنان وتفنُّن، من حمار أو غير حمار. غير أن بعض الفنّ المعاصر صار «استحمارًا» بالفعل؛ فهو كفنّان الأعشى، مع حفظ الألقاب!، معنًى ومبنًى، يَرفس، ويَعضّ، ويغول «بِمَيعَةِ فَنَّانِ الأَجارِيِّ مُجْذِمِ»!
على أن الفنّ، كما يقول (هيجل)(2)- حتى ما يمكن أن يصدُق عليه هذا الاسم، يمكنه أن يكون كذلك؛ فيُحدث الشرَّ والخير. ذلك لأن الإنسان- كما يشير- «غنيٌّ بالخير والشر، بالأشياء السامية والدنيئة على حدٍّ سواء؛ ولهذا يَقدر الفنّ على أن ينفخ فينا الحماسة والحميَّة للجَمال والسموّ قدرتَه على الانحطاط بنا وإثارة أعصابنا بتهييجه الجانب الحسّي والشهواني منّا. ليس ثمَّة من فارقٍ، إذن، من هذا المنظور، بين مضامين الفنّ. فالفنّ يَقدر على أن يسمو بنا قدرتَه على أن يحطّنا إلى أنانيّين أدنياء، وعلى أن يشدّنا إلى العالَم الحسِّي قدرتَه على جذبنا إلى الدوائر السامية من الروحيّة.»

وبذا فإن بوسع الفنّ أن يُغذِّي غرائزنا البدائيَّة المتوحِّشة؛ فيُعيدنا إلى تجارب الأسلاف الحمراء. وما يميِّز المتحضِّر عن البدائي هو ضبط الغرائز والأهواء، وتنظيمها تنظيمًا إيجابيًّا. وأَنَّى رأيتَ امرأً يَرزَح تحت نِير الهوى، اعلمْ أنه ما زال ضحيَّة شخصيَّته الحيوانيَّة البدائيَّة، التي لم تتهذَّب. وما كانت وظيفة الأديان والنُّظُم الحضاريَّة إلَّا معالجة هذا الجانب في شخصيَّة الإنسان. ولقد نشأتْ معظم الفنون، لذلك، على صِلَةٍ، بشكلٍ أو بآخَر، بالدِّين في التجربة البشريَّة. وتأتي خطورة الفنّ- حين يستحضر تلك الأهواء استحضارًا سلبيًّا- بأن يقف عند الشِّقّ الأوَّل من معالجة الفنّ للنفس البشَريّة؛ فيكون كالطبيب الجرّاح الذي فتح القلب المريض، وتركه كذلك ينزف وانصرف. أي حين يُريك شخصيتك على بدائيّتها- بحسب نظريّة «التطهير Catharsis» لدى (أرسطو)- لكنه يقف عند ذلك. ولا نعني بأن عليه أن لا يقف عند ذلك أن عليه أن يحوِّل عمله إلى وَعظ. بيد أن أبلغ عبقريّات الفنّ إنما تكمن في المهارة في حلّ هذه المعادلة: (عرض المسكوت عنه، وعدم السكوت عنه). أي عرض النفس البشَريَّة ونقدها، بهدف إصلاحها والارتفاع بها، دون أن ينحطّ الفنّ بذلك إلى منبر الخطيب. ومن هنا فإن الأخطر في العمل الفنّي: أن يغريكَ بالعودة إلى تلك الشخصيّة البدائيَّة، إنْ كنتَ قد غادرتها. ولذا يناقش (هيجل)(3) تلك الدعاوَى لدى المدافعين عن (أعمالهم الفنّيّة اللا أخلاقيّة)، قائلًا: «لقد حامى بعضهم عن التمثيلات الفنّيّة والأعمال الأدبيّة الأكثر نأيًا عن الأخلاق وأوجدَ الأعذار والمبرّرات لها؛ بحُجّة أن المرء بحاجةٍ، لكي يكون أخلاقيًّا، إلى أن يعرف الشرَّ والخطيئة أيضًا، وأنه لكي يكون في إمكانه تعرُّف الخير فلا غنى له عن معرفة نقيض الخير، وعلى هذا النحو خُيِّل لبعضهم أنه مستطيع تبرير اللا أخلاقيَّة في الفنّ! وهذا لم يمنع بعضهم الآخَر من القول: إن تمثيلات مريم المجدليّة، الخاطئة الحسناء، قد أوردت مواردَ الخطيئة عددًا من الرجال يفوق بكثير عدد من قادتهم إلى التوبة والندامة». ثمّ يتساءل في نبرة ساخر: «لكن أ ليس من الضروري أن يقع المرء في شِراك الخطيئة حتى يمكنه أن يتوب؟!».
وهذا كلّه، للأسف، ما لا يعيه أكثر المتورّطين في هذا المجال القيمي من الفنّانين والأدباء. ثم تراهم يضِجّون إذا استُنكر عليهم ما هم فيه خائضون. مع أنهم يخوضون في أخطر مجالٍ يُمكن أن يخوض فيه بَشَر. إنهم بذلك أخطر من ممارس حرفة الطبّ دون عِلْم. فهذا، مهما وَقَعَ فيه من أخطاء طبّيّة، أو بالأحرى فَعَلَ ما لا علاقة له بالطبّ أصلًا، فأودَى بحياة بعض الناس، يظلّ فسادُه محدودًا جدًّا قياسًا إلى هؤلاء. والسبب أن أكثر هؤلاء الفنّانين والأدباء موهوبون لكنهم غير مثقَّفين، أو هم موهوبون ومثقَّفون، لكنهم لا يستشعرون المسؤوليّة الاجتماعيّة، أو ربما لا يعزب عنهم ذلك كلّه، غير أن الفنّ لديهم قد بات كسبًا، وولوجًا في دهاليز التجارة، ولم يَعُد رسالةً إنسانيّةً سامية.

-2-

على أن من عبقريّات الغرب تحويل القُبْح إلى جَمال، والعنف إلى فنّ. نعم، إن الثقافة الغربيّة عبر التاريخ كانت ثقافة عنف وتوحُّش. لا نهجو الغربَ حينما نقرِّر هذا، لكن تلك حقيقته التاريخيّة، التي يعرفها هو خيرًا منّا. ومَن جهل هذا الماضي- الذي تبلورت تراكماته في الحاضر من خلال عبقريّة الغرب في الفنون، كما تجلَّت من خلال عبقريّة الغرب في صناعة الموت للإنسان بشتّى أنواع الأسلحة- فليتغنَّ بحُبّ الغرب ما وسعه الهوى، وليقبّل الأيادي والأقدام أيضًا. ومن الحُبّ ما قتل! ولأن الأمر كذلك، يُلحظ أن الغرب قد أفاد من ثقافات الشرق في شتَّى العلوم والفنون الإنسانيّة، إلّا في صناعة الموت والهلاك؛ لم يحتج فيها إلى نظريّةٍ أو اقتباسٍ أو سابق معرفة؛ فهي من بنات أفكاره العتيقة المعتَّقة؛ نظرًا لما يتفرَّد به من فكرٍ نيِّرٍ في هذا الميدان، منذ محاكم التفتيش، إلى النازية، إلى استعمار الأوطان، إلى الحروب العالميّة العظمى، إلى القنابل الذريَّة.. إلخ.

وعلى الرغم من هذا فإن لصاحبنا (القلّاب للحقائق)، أن يقول، استطرادًا: لقد أخطأ (أنطونيو جالا) في روايته «المخطوط القُرمزي، أو يوميّات أبي عبدالله الصغير آخر ملوك الأندلس»، حينما وصف ما عمله (الإسبان) بالأندلسيّين، من عرب ومسلمين، إذ قال: «مات في مالقة عشرون ألف أندلسي، أما الخمسة عشر ألف المتبقون فقد باعهم الملِكان النصرانيّان بستة وخمسين ألف ألف مرابط، وبقيت المدينة مثالًا في التنكيل لما تبقّى من مدن لم تسقط.»(4) فالأندلسيون- بحسب (المنطق القلّاب)- هم الذين فعلوا ذلك بالمَلِكَين النصرانيَّين، لا العكس!

كما أن له أن يتساءل: أ ولم يبتكر العرب كذلك، في تاريخهم الحديث الحافل بالمنجزات الإنسانيّة، غُرَف الغاز في محرقة سُمِّيت «الهولوكوست»، أبادوا فيها (اليهود)، وذلك في (ألمانيا النازيّة العربيّة)؟! وهي جريمة نكراء، لا تنتطح فيها عنزان. ولكن بـ«غدرة غادر» صارت من الذرائع التي أراد بها الغرب تعويض اليهود بإقامة دولةٍ لهم في (فلسطين)! تلك الدولة التي لم تقم لها قائمة تُذكر منذ تحطيم (نوبختنصر) هيكل (سليمان)، في القرن السادس قبل الميلاد، حتى عصرنا الحديث. وما العبريّون إلّا بدوٌ رحَّل، لم تستقرّ بهم أرض، وإنما هبطوا أرض فلسطين بدوًا رعاة، من عِبْر الفُرات، أي ضفَّته الغربيّة، التي عبروها من العراق، نازلين بين ظهرانيّ أقوامِ فلسطين الأصليِّين، (الفلسطينيِّين- أو «الفلشتيم»)، كما جاء اسمهم في «التوراة»، وإلى جوارهم كان الكنعانيّون والحثيّون والأموريّون، وسواهم.(5) فهم طارئون تاريخيًّا على تلك البقعة الجغرافيّة. قامت دولتهم في العصر الحديث لأن الغرب هو إلاه اليهود الحديث، بعد إلاههم العتيق، الذي اتّخذهم أبناءَه، دون العالَمين، وأحبّاءَه، وشعبَه، يتعهَّدهم بالحُبّ والحنان وتسخير البشر في خدمتهم، وإعطاء أراضي الشعوب لسواد عيونهم، وسحق الأُمم من أجلهم، كما تُؤسطِر التوراةُ إلاهَ (بني إسرائيل)، مصوِّرة علاقته الأبويّة المنحازة، بل الخادمة، لأحبّ ما خلق من البشر، بني إسرائيل، المدلَّلين دائمًا، الجالسين على حِجر الرب!(6)

(1) (1950)، ديوان الأعشى الكبير، شرح: محمّد محمّد حسين (مصر: المطبعة النموذجيّة)، 121/ 14.

(2) هيجل، (1988)، المدخل إلى علم الجمال/ فكرة الجمال، تر. جورج طرابيشي (بيروت: دار الطليعة)، 48.

(3) م.ن، 56.

(4) (1998)، ترجمة: رفعت عطفة (دمشق: دار ورد)، 298.

(5) انظر: ظاظا، حسن، (1990)، الساميُّون ولُغاتهم: تعريفٌ بالقرابات اللغويَّة والحضاريَّة عند العرب، (دمشق: دار القلم- بيروت: الدار الشاميَّة)، 59- 86.

(6) انظر مثلًا، العهد القديم، سِفر صَفَنْيا، الإصحاح الثاني: العبارات 1-7.-[الكاتب: أ.د/عبدالله بن أحمد الفيفي، عنوان الموضوع: «في الفنّ والتاريخ!»، المصدر: صحيفة "الجزيرة"، "المجلّة الثقافيّة"، السبت 11 صفر 1435هـ= 14 ديسمبر 2014م، ص11].