الغيرة الحمقاء

، بقلم غزالة الزهراء

شرارات الغيظ المسمومة تنبثق من عينيه الجاحظتين ، والغيرة الحمقاء تقضم جنبات روحه مثلما تقضم ألسنة النار المسعورة غابة بكاملها ، لم يعد قادرا على مسايرة وضعه الراهن ، هذا الوضع الأشد قبحا يموج في كل آونة بالمرارة ، والإحباط ، والانكسار ، يدنو من مكتبتها الراقية التي تتربع في كبرياء جم ، تلتهم عيناه القلقتان تلك العناوين الروائية المكتوبة بخط عريض ، يقرأ كل عنوان على حدى وهو يئن ببشاعة مخيفة كثور إفريقي أصابه العطب : العشق الأبدي ، النهر الخالد ، أمهات عازبات ، ضد التيار ، خيوط العنكبوت ، المطر والرباب ، و.....، و..... ، و.....
هذه رواياتها التي سطعت في الأفق عاليا كالبدر المضيء ، والتي سطرتها أناملها السخية في فترات حميمية متقاربة ، نجاحها الساحق في مجال الكتابة كان مؤشرا كافيا لأن تكون محط امتنان ، وإعجاب ، وتقدير ، وشكر .

تغيمت عيناه بضباب السخط والمقت ، وتاه في منعرجات تساؤلاته البالية ، وهواجسه الضالة المبعثرة ، عاصفة اشمئزازية مؤذية زحزحت وجدانه ، وسحبته بقوة هائلة نحو الفيافي النائية الأكثر جدبا .
هذه الكتب النيرة الموضوعة بعناية فائقة في الرف العلوي تشعره بمدى ضآلته السخيفة التي تحاكي ضآلة الأقزام السبعة .
قال في سره كالمعتوه : عود ثقاب واحد سيقضي عليها في ظرف دقائق ، سيبيد أثرها .

لحظات سريعة تمر كالبرق الخاطف ، بنات أفكارها استحالت إلى مضغة سائغة بين ألسنة النيران ، ثم انطفأ ذلك الوهج العاتي ، وصارت رمادا .
ـــ أنا متعبة جدا يا عزيزي .
استله صوتها الأنثوي الناعم من براثن تصوراته المريضة ، عاد إلى واقعه الدميم مكبلا بسلاسل همومه وعذاباته ، مازالت رواياتها الناجحة موضوعة في الرف العلوي من المكتبة ، ومازالت تشهد على انتصارها الكبير في معترك الحياة
سألها بنوع من الخشونة الطائشة : وما الذي يرهقك إلى هذه الدرجة ؟
ـــ العمل خارج البيت .
ـــ قدمي استقالتك من الوظيفة ، ولا ترهقي نفسك أكثر مما ينبغي .
ـــ أقدم استقالتي ؟ هل هذا حل مناسب في نظرك ؟
لم يرد على سؤالها ، بل تبرعم سؤال آخر على لسانه يفوح خبثا وغيرة : متى تعزفين عن الكتابة ، وتوفرين وقتك الثمين لي ولأولادنا ؟
باندهاش كبير : أأنت واع مما تقول ؟
ـــ دعينا من تخريفاتك التي تسكبينها على الورق بدون جدوى .
ـــ متى كان الاحتراق مع الحرف تخريفا مسكوبا على الورق ؟
لم يشأ التوغل أكثر في مثل هذه الأمور بل اكتفى بقوله : أنت أمام خيارين اثنين .
وسكت .
ـــ ماهما ؟
ـــ الكتابة أم الطلاق .
ـــ أحبذ الخيار الثاني .
ـــ إذن أنت تهدمين بيتك .
ـــ لست أنا من عولت على ذلك ، وإنما شخصك المريض الذي يقبع داخلك ، أنت معقد حقا ، وغيور أكثر مما أتصور .
ثم ضجت معنفة إياه : ليس لك أدنى حق في أن تذبحني من الوريد إلى الوريد وأنا حية أرزق ، السمكة تحيا بالماء ، أتريدني أن أحيا بدون ماء ؟
زفر بشدة كأنما يبعد عن صدره كما هائلا من الكوابيس المزعجة التي استبدت به لأعوام .
قال له صديقه وهو يمتدح زوجته علنا : إنها كاتبة بارعة ، معظم القراء يتهافتون لانتقاء رواياتها وأنا واحد منهم ، أنا أعشق الأدب يا صديقي .
تخيل نفسه يرد عليه : زوجتي تافهة مثلك أيها الأبله اللعين ، أنتما لا تساويان شيئا ، أنتما لا شيء ، لا شيء .

استبدت به الغيرة الحمقاء ، كاد يفقد عقله ، ويندرج ضمن لائحة المجانين ، أما هي فقد عقدت العزم على مواصلة مشوارها النبيل الذي خلقت له حتى ولو كلفها ذلك غاليا .
.