الثلاثاء ٤ آذار (مارس) ٢٠١٤
بقلم غزالة الزهراء

الغيرة الحمقاء

شرارات الغيظ المسمومة تنبثق من عينيه الجاحظتين ، والغيرة الحمقاء تقضم جنبات روحه مثلما تقضم ألسنة النار المسعورة غابة بكاملها ، لم يعد قادرا على مسايرة وضعه الراهن ، هذا الوضع الأشد قبحا يموج في كل آونة بالمرارة ، والإحباط ، والانكسار ، يدنو من مكتبتها الراقية التي تتربع في كبرياء جم ، تلتهم عيناه القلقتان تلك العناوين الروائية المكتوبة بخط عريض ، يقرأ كل عنوان على حدى وهو يئن ببشاعة مخيفة كثور إفريقي أصابه العطب : العشق الأبدي ، النهر الخالد ، أمهات عازبات ، ضد التيار ، خيوط العنكبوت ، المطر والرباب ، و.....، و..... ، و.....
هذه رواياتها التي سطعت في الأفق عاليا كالبدر المضيء ، والتي سطرتها أناملها السخية في فترات حميمية متقاربة ، نجاحها الساحق في مجال الكتابة كان مؤشرا كافيا لأن تكون محط امتنان ، وإعجاب ، وتقدير ، وشكر .

تغيمت عيناه بضباب السخط والمقت ، وتاه في منعرجات تساؤلاته البالية ، وهواجسه الضالة المبعثرة ، عاصفة اشمئزازية مؤذية زحزحت وجدانه ، وسحبته بقوة هائلة نحو الفيافي النائية الأكثر جدبا .
هذه الكتب النيرة الموضوعة بعناية فائقة في الرف العلوي تشعره بمدى ضآلته السخيفة التي تحاكي ضآلة الأقزام السبعة .
قال في سره كالمعتوه : عود ثقاب واحد سيقضي عليها في ظرف دقائق ، سيبيد أثرها .

لحظات سريعة تمر كالبرق الخاطف ، بنات أفكارها استحالت إلى مضغة سائغة بين ألسنة النيران ، ثم انطفأ ذلك الوهج العاتي ، وصارت رمادا .
ـــ أنا متعبة جدا يا عزيزي .
استله صوتها الأنثوي الناعم من براثن تصوراته المريضة ، عاد إلى واقعه الدميم مكبلا بسلاسل همومه وعذاباته ، مازالت رواياتها الناجحة موضوعة في الرف العلوي من المكتبة ، ومازالت تشهد على انتصارها الكبير في معترك الحياة
سألها بنوع من الخشونة الطائشة : وما الذي يرهقك إلى هذه الدرجة ؟
ـــ العمل خارج البيت .
ـــ قدمي استقالتك من الوظيفة ، ولا ترهقي نفسك أكثر مما ينبغي .
ـــ أقدم استقالتي ؟ هل هذا حل مناسب في نظرك ؟
لم يرد على سؤالها ، بل تبرعم سؤال آخر على لسانه يفوح خبثا وغيرة : متى تعزفين عن الكتابة ، وتوفرين وقتك الثمين لي ولأولادنا ؟
باندهاش كبير : أأنت واع مما تقول ؟
ـــ دعينا من تخريفاتك التي تسكبينها على الورق بدون جدوى .
ـــ متى كان الاحتراق مع الحرف تخريفا مسكوبا على الورق ؟
لم يشأ التوغل أكثر في مثل هذه الأمور بل اكتفى بقوله : أنت أمام خيارين اثنين .
وسكت .
ـــ ماهما ؟
ـــ الكتابة أم الطلاق .
ـــ أحبذ الخيار الثاني .
ـــ إذن أنت تهدمين بيتك .
ـــ لست أنا من عولت على ذلك ، وإنما شخصك المريض الذي يقبع داخلك ، أنت معقد حقا ، وغيور أكثر مما أتصور .
ثم ضجت معنفة إياه : ليس لك أدنى حق في أن تذبحني من الوريد إلى الوريد وأنا حية أرزق ، السمكة تحيا بالماء ، أتريدني أن أحيا بدون ماء ؟
زفر بشدة كأنما يبعد عن صدره كما هائلا من الكوابيس المزعجة التي استبدت به لأعوام .
قال له صديقه وهو يمتدح زوجته علنا : إنها كاتبة بارعة ، معظم القراء يتهافتون لانتقاء رواياتها وأنا واحد منهم ، أنا أعشق الأدب يا صديقي .
تخيل نفسه يرد عليه : زوجتي تافهة مثلك أيها الأبله اللعين ، أنتما لا تساويان شيئا ، أنتما لا شيء ، لا شيء .

استبدت به الغيرة الحمقاء ، كاد يفقد عقله ، ويندرج ضمن لائحة المجانين ، أما هي فقد عقدت العزم على مواصلة مشوارها النبيل الذي خلقت له حتى ولو كلفها ذلك غاليا .
.


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى