آخر ما قاله الرجل العجيب!

، بقلم سعيد أراق

وضعت رحلي في هذا الشاطئ المهجور منذ عشرين سنة! وقفت أمام موجه العاتي وقفة ثابتة. خلعت ملابسي. طرحت عني وَعْثَاءَ السفر وغَبْراءَ السنين الماضية! تجردت من كل شيء، الخاتم الفضي الذي يذكرني بزواج فاشل، ساعة اليد التي كانت عقاربها قد توقفت منذ زمن بعيد! غطست عاريًا في مياه البحر. تلقفني زبده وعانقتني أمواجه المالحة. أنعشتني برودته الرطيبة. اغتسلت في تموجاته المزبدة من أدران اليأس القاتل. تطهرت من جنابتي، وتوضأت وصليت ثم رتلت بعضًا مما أحفظ من سور قصيرة. رتلتها بخشوع وتبتل. سرى مفعولها الروحي في وجداني العَكِر، خالطتني سكينة دافقة وطمأنينة هنيئة. رذاذ البحر أنعشني، هيأني للتلذذ بسعادة صوفية حالمة. شعرت برطوبته تلامس جسدي المتعب، وأدركت حينها أني أتلقى بشائر الرحمة الإلهية.

غالبتني غفوة لذيذة، هدهدتني على إيقاع حلم مُستطاب، فرأيت – في ما يرى النائم – شيخًا نَدِيًا تعتلي ملامحَ وجهه طيبةٌ عجيبة. حدَّق فيَّ الشيخ طويلاً. وضع يده على رأسي. ربت بحنان أبوي على كتفي، ثم خاطبني بصوت أقرب إلى الهمس:

- هذا المدى المفتوح ملكك! البحر طلسم وأنت المفتاح! الريح فرس جموح وأنت الفارس! وسائد الناس محشوة بالهموم، وأنت جئت إلى هذا الشاطئ المهجور لكي تحيا خَلِيَّ البال! ليس لك من الاختيار إلا الوهم! لست أنت الذي اخترت البحر، بل البحر هو الذي اختارك! فَأَقِمْ في حواشيه إقامة المتنسك الزاهد بعد أن تَقَطَّعَتْ بينك وبين العالم كل الأسباب، وتراخت بينك وبين الناس كل العُرَى والعهود!

استيقظت من غفوتي مرتجف الفؤاد، كان العرق البارد يَتَفَصَّدُ من جبيني، والحماسة الوَاجِفَةُ تهزُّ مَعاقِدَ العزم من جسدي. وَجَدْتُنِي مُجَلَّلاً فجأة ببشارة تتجاوز مقاس آدميتي؛ بشارة تلقاها قلبي كما تتلقى الأرض المجدبة الميتة القطرات السخية الأولى من أمطار الشتاء. وبدون انهماك في التفكير والأخذ والرد، قررت أن أبني كوخًا في هذا الشاطئ المهجور. تصورت الكوخ قبل بنائه؛ تصورته مصنوعًا من الخيزران والقصب وجريد النخيل. ستكون بابه مواجهة للبحر، ونافذته الوحيدة مشرعة على الواجهة الشرقية لكي تتسرب منها أشعة الشمس الدافئة. لا يهمني أن يكون الكوخ بائسًا مجردًا من وسائل الراحة وملحقات النعيم. سأضع على بابه كرسيًا من الخشب، وجرة ماء في زاوية ظليلة، وأغرس شَتْلَتَيْ نخل وزيتون. وحين يأتي المساء، أَقْتَعِدُ الكرسي الخشبي، أشحن الغليون بالتبغ، ثم أدخن بنشوة وشرود وأنا أتأمل مشهد غروب الشمس في الأفق البعيد.

ستجري الأمور على هذا النحو، ستكون حياتي بسيطة، هادئة ورتيبة، لكني سأكون سعيدًا، سأكتب بعض الأشعار، وأَصْدَحُ وحدي بالمووايل البدوية الشجية، وأُغامِسُ موجَ البحر مع مطلع كل يوم جديد. سترون! سأكون بخير لأن الشيخ بشرني في المنام، ابتسم في وجهي، رَبَّتَ على كتفي ووعدني أن يزورني بعد أن أعزم وأختار. وها أنا قد اخترت التجرد من كل الأثقال والعلائق الدنيوية، وقررت أن أحيا مُتَنَسِّكًا إلى الأبد في هذا الشاطئ المهجور!

مرت سبعة أيام ولم يحدث شيء، ما زال الكوخ مجرد صورة ذهنية يتقاذفها المد والجزر في ذهني كما تتقاذف الأمواج طعم صنارتي، وتَصْرِفُ عنها الأسماكَ الصغيرة الباحثة مثلي عن فتات طعام يخفف من لسعة الجوع الفَاتِكِ؛ جوع شرس يعتصر معدتي، فتحدث غرغرة تغطي على هدير الموج الصاخب، فتنتابني دوخة غاشمة، وأشعر بحالة من الضعف والخَوَرِ التي تباشر جسدي من أم الرأس إلى أخمص القدمين. أحاول النوم لكي أنسى الجوع وأستعيد بعضًا من قوتي. أغفو غفوة خفيفة، وينط قلبي فرحًا حين يتراءى لي وجه الشيخ في المنام. أبحث في وجهه عن طيبته العجيبة التي زارني بها في حلمي الأول، لكن ملامحه العابسة ونظراته المتجهمة الواجمة تبعث في قلبي خفقة مُحْبِطَةً. يخاطبني بدون صوت مسموع أو لفظ معلوم، يقول لي بلسان الحال:

- اكتفيتَ بالصُّورة ولم تُباشِرْهَا بالإنجاز! كم مر من الوقت؟ سبعة أيام؟ كل الأيام سبعة لمن أراد وكيفما أراد! كل الأيام سبعة على هذا النحو أو ذاك! فانظر من أنت واصْنَعْ سَبْعَتَكَ على شاكِلتِك!

قال الشيخ هذا الكلام ثم اختفى فجأة مثل الشبح، وشعرت بنفسي أهوي في ظلمات متكاثفة. أحسست أني أهيم في عوالم النوم المريح الذي لا أسمع فيه غرغرة معدتي الخاوية، ولا كلمات الشيخ الجسور الذي يقتحم عليَّ غفوتي ويخاطبني بما لا أفهم.

طال نومي ولم أستيقظ إلا على هبة ريحٍ صَفْصَفٍ عاتيةٍ مصحوبة بأمطار شديدة. لملمتُ نفسي ونهضت من فوق الرمال حيث كنت مستلقيًا وغافيًا كالميت. حاولت البحث عن مخبئ أَتَوَقَّى فيه من المطر، لكن الشاطئ كان امتدادًا مفتوحًا من الرمل الذي يجانب مياه البحر المالحة. لم أجد فيه مكانًا يقيني لسعة الزمهرير وقَرَّ الشتاء، فاستسلمت بدون عناد. وقفت تحت المطر المتهاطل. شعرت ببرودته اللزجة تتحسس جلدي، فَتَتَشَعَّرُ المَسَامُّ ويقشعر البدن، وتتفاقم في الفؤاد لُبَدُ الندم على الكوخ الذي لم أُجَشِّمْ نفسي عناء بنائه حين كان زمني مقبلاً وظروفي مواتية.

ظللت واقفًا بِمَسْكَنَةٍ مدة طويلة تحت المطر المُتَصَبِّبِ بسخاء من أديم السماء. كنت أعزل مجردًا مثل المعدم من كل شيء حتى من ظلي، ومن ابتسامتي البلهاء التي كانت دومًا تتدلى من شفتي على مدى السنين الماضية. ظللت واقفًا أحلم بالكوخ، وأمني النفس بالدفء المرتقب والسعادة القادمة حين يصفو الجو وأبني كوخي الموعود!

وحين توقف المطر، وانقشعت الغيوم، تسربت أشعة الشمس الدافئة، لامست جسدي المبلول، بعثت فيه رعشة ناسِفة. تجردت من كل ملابسي المثقلة بمياه السماء، نبشت الرمل عميقًا بحثًا عن تجاويفه الناشفة التي لم تبللها مياه الأمطار. حفرت مترًا، ثم مترين. وحين وصلت إلى الرمل الناشف السخين الذي يحتفظ ببعض دفء الشمس الهاربة، نزلت في الحفرة، ودفنت فيها جسدي ثم أهلت عليه التراب، وظل رأسي مكشوفًا تَعْتَوِرُهُ الرياح الصقيعية الباردة التي عادت من جديد لِتُبَاطِشَ موج البحر ورمال الشاطئ.

ومن جديد أخذتني غفوة مباغتة، سلبتني للحظات من وعيي المهزوم، طَوَّحَتْ بي في عالم رؤيوي بعيد، هِمْتُ فيه بحثًا عن الشيخ الجليل المُتَلَفِّعِ بغموض الأقطاب والأولياء. رأيت ليلاً مثقلاً بدياجيه، ومجللاً بأرواح الموتى وخيالات الأشباح. ومن عمق الظلمة النكراء، اِنْبَجَسَ وجه الشيخ مُشِعًّا متألقًا نورانيَ الطلعة مثل البدر في ليالي التشريق. نظر إلى بعيون مغمضة، هامسني بكلمات مُغَمْغِمَة:

- أنت دومًا حيثما أردت لنفسك أن تكون! الرعشة والبرد هما التجلي السقيم لفجوة الروح الباحثة عبثًا عن مستقر! والحفرة التي أنت فيها هي كوخك الذي أقام فيك لكنك لم تحسن الإقامة فيه! ابق حيث أنت ما دام الحفر نحو القاع هو أفضل ما تتقن وأفضل ما تشتهي... كل يَحْدُو الحَدْوَ الذي على شاكلته!

قال الشيخ هذا الكلام، ثم اختفى وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة. حلمت نفسي أجري في كل الاتجاهات. أتدفق كالسيل من أعالي الجبال السامقة. أتسلق بالنواجذ والأظافر هامات الأشجار الفارهة أو العجفاء. أسبح تارة مع التيار وتارة ضده. أزيح الحجب المتكاثفة. أُعَبِّدُ المسالك التي لم يطرقها إنسان. أنادي بملء الضيم الذي يملأ دخيلتي المعتِمة:
- لا تذهب أيها الشيخ! لا تذهب. أخرجني من حفرتي التي أوقَعْتَنِي فيها!. قل لي كلامًا أفهمه! مللتُ من ألغازك أيها الطلسم! مللتُ من...

استيقظت مفزوعًا وأنا أصرخ كالمعتوه: "مللت من الطلسم!".

تسامع صدى صراخي في أرجاء الشاطئ المهجور. أَعْوَلَتِ الريح الهائجة. دَوَّى هدير الموج الصاخب. سَكَبَتِ السماء كل ما في جعبتها من أمطار طوفانية باردة. امتلأت حفرتي بالماء، وامتلأت نفسي بالشجن الذي يفوق الوصف. تَشامَخَتْ فِيَّ وحدتي، وتعاظمت معها الكآبة التي لا تفنى ولا تنتهي. انتفضت في حفرتي محاولاً الإفلات من قبضة الرمال التي أثقلتها مياه المطر. سَرَتِ الانتفاضة هَدْهَدَةً فاترة في جسميَ الواهن المدفون. شعرت بنفسي مضغوطًا بشراسة تحت أثقال الرمال. ضاعفت جهودي باستماتة من أجل سحب نفسي من ضغطة الحفرة العتيدة، لكن كل محاولاتي كانت تحشرني أكثر فأكثر في أعماق البالوعة الرملية. انتابتني فجأة موجة مُبْكِيَةٌ من الخوف الهائل. تَخَايَلَتْ أمام عيني صورة جسمي المدفون بأكمله تحت الرمال البغيضة. رأيت الرمل يتدافع عبر الفم، يَنْداحُ داخل البلعوم ثم يتابع اندفاعته الظافرة نحو الرئتين، ثم يملأهما عن آخرهما. يُحدث فيهما حالة اختناق مُكْرِبٍ وأليم، فَتَتَقَطَّعُ الأنفاس وتتخثر الدماء في الشرايين وتَتَكَلَّسُ في العروق، وتبدأ الروح في التسلل خِلسة خارج الجسد المكروب، تَنْسِلُ منه مثل قطرة ماء لزجة وبلورية. تدوي غرغرة الموت في الشاطئ المهجور، تبلغ الغرغرة عنان السماء وتخترق تجاويف الأرض، فيتوقف الموج عن مُباطَشَةِ الصخر، وتتوقف الريح عن مُنافَحَةِ البحر العارم، وتستمر السماء في إرسال دمعها الحِدَادِيِّ الغزير، وتسود في المدى البغيض رهبة الموت الدَّاهم، ثم ينبعث الشيخ فجأة من مكامنه الغامضة وهو يردد بصوت مأساوي جهير:

- الله أعطى والله أخذ! فلتشهدي يا ملائكة السماوات والأرض! هنا يرقد الرجل الذي حفر قبره بيده الضامرة! هنا يرقد الرجل الذي لم يحسن تأويل الحلم، ولم يفقه سر البشارة!

عند هذا الحد استعدت نفسي بضراوة من كبسة هذا الحلم البهيم الغاشم. تَوَقَّدَ في ملامس جسدي المدفون كل ما في عزم النفوس من تعلق غريزي بحب البقاء، ونفور رُهَابِيٍ من الموت. انبعثت في مقاسات جسدي الواهن قوة أسطورية، جددت فيه نوابض الإرادة المتهالكة والتَّالفة. تحركت أطرافي المُتَنَمِّلَة داخل الحفرة الرملية. جرى مفعولها الحركي الخارق حول الجسد الكسيح، فَخَفَّ الضغط الهائل القابع مثل الجاثوم فوق الجسم المُتَمَاِوتِ. انزاحت وطأة الرمال البَلِيلَةِ المتفاقمة. انقبضت العضلات المُسْتَقْوِيَةُ باليأس الذي تحول فجأة إلى أمل واندفاع غريزي أَرْعَن. سرى في العضلات نبض الحياة المستعادة. تدفقت من العضلات طاقة وليدة شرسة وبهيمية. سَحَبَتِ العضلاتُ الجسمَ المُلْتَاعَ من تحت ثنايا الرمال الرُّكامِية، وزرعَتْهُ من جديد كالمارد خارج الحفرة المشؤومة!

إحساس عارم بالانعتاق يجلل كياني الممسوس. فرحة دافقة تزغرد في عيوني المبهوتة. شعور بولادة جديدة ومستعادة كأنني أنبعث من الرميم، وأعود من الدَّرَكِ الذي لا عودة منه إلا بالمكابرة البطولية. تملكتني ضحكة صاخبة هستيرية. خامرتني رغبة جنونية في الجري اللاهث حتى حدود الإنهاك. أطلقتُ ساقي للريح. جريت بجموح اللهفان. شعرت بجسدي قد تحول إلى كتلة مندفعة بدون اتزان نحو المدى المفتوح الذي يعانق فيه البحر أفق السماء البعيد. أحسست بجسمي يستميت في الجري الجامح على طول الشاطئ المهجور. هبات الريح الرطيبة لامست جسدي المتصلب. رذاذ الموج المخلوط بزخات المطر ناغى وجهي المكشوف. اختلط الرذاذ بصبيب العرق الساخن، فشعرت أخيرًا أني محظوظ، وأني ما زلت في زمرة الأحياء!

-2-

وأخيرًا بنيت الكوخ. أتيت بالخيزران والقصب وجريد النخل من قرية نائية. حفرت عميقًا في النخل، ووضعت فيه دعائم الخيزران الملفوفة ببعضها والمشدودة بِأَرْتاقِ حِبالٍ قديمة. ثم صففت عيدان القصب عموديًا، بسطتها بعناية بين الدعائم الركنية الأربعة، فَتَكَوَّنَ هيكل كوخ مربع، بابه موجهة ناحية البحر، ونافذته موجهة لناحية الشرق. سَقَّفْتُ الكوخ بجريد النخل. تدلت أهداب الجريد على حافة الكوخ مثل خصلات شعر أشعث. تراجعتُ بضع خطوات نحو الخلف. ألقيت نظرة راضية على الكوخ المتواضع. تأملت هيأته البدائية وامتداد ظله الذي يتوسد الشاطئ بعد أن انقشعت الغيوم وأشرقت سحنة الشمس الدافئة. بدا لي هذا الإنجاز عظيمًا مفرطًا في الفخامة والفَرَادَة. يَا لِهَوْلِ الفرق بين روعة هذا الكوخ وسَوْأَةِ تلك الحفرة التي أشرفتُ فيها على الموت الزؤام!

اصطنعت لنفسي صنارة بدائية. أخذت السلطعون تلو السلطعون. بَتَرْتُ أطرافه الصغيرة ومشابكه الحادة ثم غرزتُ إبرة الصنارة في جسمه الحصين. حوَّلتُهُ إلى طُعْمٍ كما سبق أن رأيت الصيادين يفعلون. رأيت السلطعون أو ما تبقى منه يتلوى من الألم، وتنزف منه مادة لزجة بدون لون. أخذتني موجة شفقة عابرة، لكن الأمر كان يتجاوزني لأن السمك طماع مثل الإنسان، لا يقع في الفخاخ المنصوبة إلا حين يغريه الطعم وتعميه الأطماع.

جاد عليَّ البحر بصيد وفير؛ سمكات طرية ولذيذة، مختلفة الأحجام والأنواع والأشكال. شويتها فوق نار هادئة، وحين استوت ونضجت واحمر لونها، غرزت فيها أسناني بشراهة ونَهَمٍ. لَوَّكْتُ لحمها الأبيض الذي احتفظ بملوحة البحر المُشْبَعَةِ بِالزُّهُومَة. اِزْدَرَدْتُ مُضَغَ اللحم الشهي بجشع الفقراء المعدمين. انتشيت بالوجبة المجانية الفاخرة. أَسْكَتُّ بها لَعْلَعَةَ الجوع الذي داهم معدتي منذ أيام. استعدت قوتي مثلما تستعيد الأرض الجرداء نضارتها عند حلول مواكب فصل الربيع. قفزت من الفرح والشَّبَعِ. تَمَرَّغْتُ مثل الطفل العَصِيِّ والمشاكس فوق الرمل المديد، ثم غَمَسْتُ جسمي في موج البحر الهادر. أَيْنَعَتْ في دواخلي كل الرَّغائِب، فاشتهيت الحياة، وتمنيت لو كانت الحياة سيدة نبيلة فارهة القدِّ، مسبوكة القوام، منضودة الأسنان، مكتنزة الشفتين، ملفوفة الفخذين، مثقلة الأرداف، لأضاجعها في خلوتي عند هذا الشاطئ المهجور. خامرني إحساس بأني أتربع عرش العالم. انبثق في دواخلي شعور جارف بأني أملك هذا المدى المترامي؛ أملكه بقدر ما يملكني. وشيئًا فشيئًا عَنَّتْ لي فكرة تحصين الكوخ، وتأمين مَوَالِجِ الشاطئ لكي لا يشاركني فيه الغرباء، ولا تسطو عليه أيدي المتربصين الأوغاد الذي هَجَّرونِي من بيتي القديم، وناصبوني العداء، وحولوا حياتي الرغيدة إلى جحيم لا يطاق!

أطبقت علي هذه الفكرة في السر مثل الخاطرة أو النَّجْوَى، لاَبَسَتْنِي مثل المَسِّ، سَاوَرَتْنِي مثل الطَّائِفِ العارض أو الخَبَلِ. وقفت مبهوتًا خائر العزم. اضطرمتْ في مخيلتي مشاهد الماضي البعيد. تذكرت ملامح الوجوه التي لا أعرفها. تذكرت الزنزانة والقضبان والكلام السافل، وتذكرت التهجير والمنفى، والوجوه الكالحة والنظرات الشامتة، والمعابر التي أُنْشِئَتْ للعبور لكن لم يَعْبُرْهَا أحد. تذكرت كل الماضي بكل فداحته التي لا تنسى، فجللتني كآبة بدون حَدٍّ وأحزان مستعرة مثل لَفْحِ النار أو جَذْوَةِ السَّعير. ولما حل المساء، وتراءى في الأفق قرص الشمس وهو يتلبس حمرته القانية وغموضه الآسر، ويمارس طقوس الوداع في لحظة الغروب العدمية، أخذت مجلسي أمام الكوخ على الكرسي الخشبي المتقادم. شحنت الغليون بالتبغ، نَاوَلْتُهُ نار الولاعة. جذبت نَفَسًا عميقًا إلى أن تَوَقَّدَ التبغ، وانبعثت فيه حمرة شديدة. نفثتُ الدخان دفعة واحدة. رأيته يتعالى في دفقة مسترسلة، ثم يتلاشى في دوائر ضبابية متراخية ومبهمة. تأملت مشهد الموج وهو يغازل الشط بِرِقَّةٍ وفتور، وتتبعت تحليق النَّوارِسِ وهي ترسل نعيقها الحاد. بدا المشهد محملاً بتنافر متناغم: جمالية فارهة ومأساوية مُضْجِرَة؛ هدوء سَاهِمٌ وحركية كامِنَةٌ كُمونَ الصُّهارَةِ أو النار.

تذكرت ما كانت تقوله زوجتي كلما نظرتْ إلى مشهد الغروب من شرفة شقتنا المطلة على البحر. كانت تقول بكلمات مفجوعة ومأساوية:

- لحظة الغروب دومًا لحظة قصيرة، واهنة وهاربة! ربما لأنها ليست لحظة من لحظات الزمن، بل لحظة من لحظات العدم القادم!

كنت أجيبها أحيانًا بجواب يختلف كل مرة باختلاف حالتي النفسية وصفائي الذهني. أجبتها مرة وأنا مفعم بحالة تأمل شارد:
- ليس الشروق هو البدء بل الغروب! الغروب ملتبس وغامض مثل كل الانطلاقات الأولى. مأساوية الغروب ليست مأساوية النهايات بل هي مأساوية البدء الأول!

تأملت زوجتي لبرهة هذه الكلمات. أَسْبَلَتْ عينيها وظهرت على محياها مُسْحَةَ تفكير عميق، ثم ما لبثت أن هزَّت رأسها، ونفثت نفثة من أنفها على سبيل السخرية، وعلقت باقتضاب:

- هذا كلام بدون معنى، الشروق شروق والغروب غروب. ولا داعي لفلسفة الأشياء!

انتبهت إلى أن زوجتي على حق، فما قلته لا يفيد أي معنى منطقي مقبول. أما في الحالات التي كانت فيها نفسيتي مثقلة بِسُدُفِ السأم من الحياة والضجر من المخلوقات، فقد كنت أعلق على مشهد الغروب بكلام مأساوي متهالك:

- مشهد الغروب هو مشهدنا المألوف في منعطف كل لحظة من لحظات حياتنا العبثية الهاربة! ليست الشمس هي التي تغرب يا عزيزتي، بل نحن الذين نغرب. نحن الذين نمضي الهُوَيْنَى على طريق الأفول.

مسافة كبيرة من رُكامِ الزمن ونُثارِ الأيام تفصلني عن هذا النوع من التعليقات العدمية. أنا الآن مُتَنَسِّكٌ في شاطئي المهجور، أَنِيسِي الموج والرمل والكوخ والنورس والغروب والغليون. كل شيء من هذه الأشياء يشكل صرحي الجديد؛ كل شيء من هذه الأشياء يمثل بعدًا من أبعاد هامتي الأَبِيَّةِ التي تطاول المدى بنفسية مطمئنة وروح ظافرة.

حين مضى الهزيع الأول من الليل، كانت النجوم تتلألأ في السماء، يتوسطها البدر الوَضِيءُ. هدوء عجيب يؤثث المشهد رغم هدير الموج الخافت. استلقيت داخل الكوخ استعدادًا للنوم. تثاقلت جفوني وتغامضت عيناي، وما لبثتُ أن ارتحلتُ نحو عوالم النوم اللذيذة المرصوفة بالأحلام، ورأيت في ما يرى النائم: جحافل الفقراء وصفوفًا طويلة من العراة والجياع؛ رأيتهم جميعًا يَدِبُّونَ بِوَهَنٍ في سُبُلٍ مُضنية وطرق خَرِبَةٍ ومهجورة. يتقدمهم الشيخ الجليل، يهرول في كل الاتجاهات، يأخذ بيد هذا ويساعد تلك أو ذاك. ينهر المتقاعسين، ويشجع المتحمسين، ويتلو بعض الآيات وهو موغل في خشوع صوفي حالم. رأيت الناس مثقلين بِأَحْمالٍ سَامِقَةٍ. تأملتُ أَحْمَالَهُمْ، فرأيتها تتكون من جرائد النخل وعيدان القصب والخيزران. أسرعت نحو الشيخ، شَافَهْتُهُ بأسئلة متتابعة:

- من هم هؤلاء الناس أيها الشيخ؟ إلى أين تأخذهم؟ لماذا يحملون جرائد النخل وعيدان الخيزران والقصب؟!
ناولني الشيخ نظرة حنونة. رَبَّتَ على رأسي. تَبَسَّمَ في وجهي ابتسامة متلألئة، ثم مضى دون أن يعيرني أي جواب. حاولت اللحاق به، فحالت بيني وبينه جحافل المرتحلين وصفوف الجَوْعَى والعراة والحفاة. نظروا إلي بعيون واجمة، ثم أشاحوا رؤوسهم عني وهو يهمهمون:

- الطريق إلى الشاطئ المهجور طويل. لكننا عاهدنا الشيخ على الوصول!.

ثارت ثائرتي. وقفت في وجه الصفوف. أشهرت عصا غليظة وسيفًا مكسورًا، وناديت في الناس:

- أيها الناس! يا أشباه الآدميين وَلَسْتُمْ منهم! أنا الشاطئ. أنا البحر. أنا الموج وأنا الغليون. تراجعوا. عودوا من حيث أتيتم وإلا فصلت رؤوسكم عن أجسادكم بهذا السيف الفتاَّك المكسور!

تابعتِ الجحافل زحفها دون أن تعير تهديداتي أي اهتمام. وقفت أمامهم سَدًّا منيعًا. لَوَّحْتُ بسيفي نحو رؤوسهم، قطعت بعضها كيفما اتفق. انفصلتِ الرؤوس عن الأعناق بخفة وليونة، وتدحرجت على الأرض. نزَّتْ منها دماء ساخنة، وتصاعد من الدماء بخار خفيف، لكن الأجساد تابعت سيرها بدون رؤوس، وتابعت الرؤوس تدحرجها مع السائرين نحو الشاطئ المهجور!

سقط السيف من يدي. أتى طائر غريب، تلقفه بمنقاره وحلق به بعيدًا في السماء. تأملت الطائر وهو يبسط جناحيه ويُبَاطِشُ بهما الأعالي. سمعت حفيف أجنحته وهو يتحول إلى صوت جَهِير:

- استيقظ أيها النائم! قم من نومتك الغافلة أيها الرجل السعيد، فها قد جاءك المَدَدُ! وها أنت قد بدأت مشوار الألف ميل!
ما إن سمعت هذا الكلام حتى استيقظت مفزوعًا لا ألوي على شيء. نظرت حولي فوجدت الكوخ كما عهدته، ووجدتني خافق الفؤاد، مهموم الخاطر، ثم ما لبث الهم أن انزاح، وتلته حالة صفاء ذهني وغبطة باطنية شَفِيفَة. قمت من مكاني. خرجت من الكوخ. كان الليل ما يزال جاثمًا مثل مظلة كونية سوداء، بعد أن غارت كل النجوم، واحتجب البدر عن الأنظار. هدير الموج يتسامع تارة بفتور وغموض، وتارة أخرى يخفت ويتحول إلى مجرد صوت خافت مكتوم وبعيد. تبدو الأمور عادية وهادئة ورتيبة مثل كل ليلة، لكن حدسي ينبئني أن شيئًا ما يجري بصمت وتكتم تحت جنح الظلام الدامس. حركة تُشْبِهُ دَبِيبَ الكائنات الليلية، أَحْدِسُهَا بحاستي السادسة. ينتابني فضول لاَسِعٌ ومفاجئ. أسرع إلى داخل الكوخ، أشعل شمعة، وأخرج مسرعًا، متطلعًا، ومشبعًا بفضول عارم. وفي ضوء نور الشمعة الشاحب، تتراءى لي أشباح وأطيافُ أكواخٍ كثيرة تشبه طيف كوخي المتواضع؛ أراها تمتد في صفوف طويلة يبدأ أولها تحت ضوء الشمعة الباهت، ويضيع آخرها تحت جنح الظلام السحيق.

سارعت بالعودة إلى الكوخ. أغلقت النافذة، ومَتْرَسْتُ الباب. تَكَوَّمْتُ على نفسي في الزاوية القَصِيَّةِ من الكوخ. رَجْفَةٌ مُجَلْجِلَةٌ تهزُّ مَجامِعَ جسدي. خوف غير آدمي ينشب مَغارِزَهُ في قلبي. تساؤلات حارقة كالسيل تُمَطْرِقُ رأسي:

- من هم هؤلاء الغرباء؟ من أين أتوا؟ ما الذي يحدث؟!

تذكرت الأشباح الذين أحاطوا بي ذات يوم، وقيدوني بألف قيد، واقتادوني معصوب العينين نحو الزنزانة الواقعة تحت الأرض في جوف الصحراء. تركوني في الزنزانة عدة سنين. نبتت لحيتي إلى أن أصبحت كثة، كثيفة، طويلة تلامس الأرض العَفِنَةَ، وتعيق خطوي الواهن. اِصْفَرَّتْ أسناني وتَهَدَّمَتْ، وشِخْتُ وحدي بعيدًا عن زوجتي وابنتي مريم. أطعموني الطين والتراب، وحين كنت أتضور من العطش، كانوا يقدمون لي كأسًا من الغِسْلِينِ أو العلقم، فأشربه عن آخره، ويظل العطش في الحلق مثل الغصة الكريهة أو الحَصْبَاء. أخذوني من زنزانة إلى أخرى. كانت وجوههم مُقَنَّعَةٌ، وأيديهم محشوة على الدوام في القفازات السوداء، لكني لم أرهم أبدًا يبنون الأكواخ مثل هؤلاء الغرباء الذين يقومون قَوْمَتَهُمْ الجماعية تحت جنح الدُّجى، في جوف الليل الماطر.

استعدت كلام الشيخ الذي قاله لي في المنام؛ عن أي بشارة يتحدث؟ هؤلاء الغرباء يزاحمونني في شاطئي والشيخ يخدعني بكلامه الملغوم. أشعر أن هذا الشيخ مسلط علي ليوقع بي، ويدل الأشباح علي لكي يعيدوني من جديد إلى الزنزانة التاسعة حيث قضيت أجمل سنين العمر.

أخذتني غفوة جديدة. نمت نَوْمَةً مُوغِلَةً في الغفلة عن كل ما يقع في عالم اليقظة أو الأحلام، ولم أستيقظ هذه المرة إلا على صوت هرج ومرج قادم من أمام الكوخ. استجمعت نفسي بهمة عالية وفضول دَاهِمٍ. فتحت باب الكوخ. تطلعت نحو الخارج بنظرات مستقصية. رأيت جموعًا غفيرة من الناس، ومئات الأكواخ، بل آلاف الأكواخ المصنوعة من جريد النخل وعيدان الخيزران والقصب. عجزت نظراتي عن محاصرة المشهد بكامل شساعته ومساحته وغربته وتفاصيله. سمعت همهمة تنبعث مثل الصدى المكتوم في الجموع الغفيرة:

- نحن عطشى نريد أن نشرب! الشيخ دلنا عليك في الحلم. الشيخ أرادنا أن نؤنسك في وحدتك، نُزِيحَ عنك غُبْنَ وحشتك! نحن جوعى نريد أن نأكل. نحن عطشى نريد أن نرتوي. نحن موتى نريد أن نبعث من رميم القبر الأغبر!
رباه! ها هو الشيخ من جديد يعكر علي صفو حياتي. يرسل لي شعبًا من الجوعى. يحملني وزرهم. تأملت وجوههم النحيفة الواجمة. رأيت فيها البؤس الشديد، والفاقة المضجرة، والكرامة الإنسانية المهدورة. تحركت في فؤادي مشاعر شفقة لا يتسع لها قلبي الضيق؛ شفقة أكبر من كل ما يمكن أن يتصوره ذهني المعلول. سالت دموعي وانتحبت طويلاً. ولما رأوني على ذلك الحال انتحبوا جميعهم. تعالت في الأجواء أصداء شهقات البكاء والعويل، وسالت الدموع غُدْرانًا على رمل الشاطئ، فتلقفها الموج، واختلطت ملوحة الدمع بملوحة البحر... وبكت السماء؛ نزلت أمطارها الغليظة علينا جميعًا. غسلتنا من حسرتنا الغامقة، وأعادتنا إلى أنفسنا أنقياء من ضغينتنا الإنسانية، ومن حزننا الذي تشعب فينا مثل عروش الخريف!

وقفت في ذلك الموقف وقفتي الوجودية القصوى التي لم أقف مثلها لا من قبل ولا من بعد. دعوتهم كلهم إلى الدخول إلى الكوخ. كانت أعدادهم بالآلاف، ورغم ذلك لم يترددوا في الدخول؛ اصطفوا صفوفًا طويلة ومنتظمة. تحركت الصفوف بمهل باتجاه باب الكوخ، وبدأت عملية الولوج العجيب، ثم حدث شيء مفرط في الغرابة:

وَسِعَ الكوخ كل حشود الناس. تَمَطَّطَتْ جدرانه القصبية، ورَحُبَ مداه، وعلا سقفه، واخْضَرَّتْ أرضه، وأينع جريده. وحتى السمكة الوحيدة التي كانت قد بقيت لدي من وجبة العشاء السابقة، تضخمت وازَّيَّنَتْ وتزايد حجمها، وتحولت إلى كومة هائلة من اللحم الأبيض المطبوخ بدون بهارات وبدون نار. أكل الناس منها حتى شبعوا. انزاحت عنهم لَوْثَةُ الجوع القاتل الذي قدموا علي به من مضاربهم البعيدة. قبلوا يدي وشكروني بهمهمة غير مفهومة، ثم انسحبوا تباعًا، والتحق كل واحد منهم بكوخه.

هدأت الجلبة وساد الصمت، ثم ما لبثت أصداء شخيرهم أن ملأت الأجواء؛ شخير آلاف مؤلفة من النائمين. غطى شخيرهم على هدير الموج. وضعت في أذني قطعتين من لحم السمك لكي لا أسمع. أغلقت باب كوخي. حشرت نفسي في زاويته المظلمة. اِلْتَحَفْتُ الرمل وأسلمت نفسي للنوم العميق، ورأيت في ما يرى النائم الشيخ الجليل وهو يستلقي من الضحك، ثم يتمالك نفسه ويستعيد وقاره، ثم ينظر إلي طويلاً، ويلقي في روعي كلمات قليلة:

- هؤلاء الغوغاء الذين سَاكَنوكَ شاطئك المهجور هم نصيبك من الدنيا! أنت تشبههم ولستَ منهم! نَمْ نومتك الغافلة، لكن احذر صولة الأمير حين يأتي!

حين أفقت من نومي، كانت جموع الغوغاء تطرق باب كوخي بضراوة. خرجت إليهم. تأملتهم بعيوني المنتفخة من أثر النوم. رأيت في عيونهم نظرة متوسلة وذليلة. تعالت همهمتهم المقيتة من جديد:
- هذا موعد الغذاء! نحن جَوْعَى نريد أن نأكل. نحن عطشى نريد أن نرتوي. نحن موتى نريد أن ننبعث من رميم القبر الأغبر!

انتابتني موجة غضب عارم. كرهت همهمتهم وكرهت مرآهم على تلك الحالة من المهانة والصَّغَار. عدتُ إلى كوخي وأغلقت بابه علي، فلحقوا بي، وتدافعوا بشراسة نحو الداخل، لكن الكوخ ضاق هذه المرة بأول الداخلين؛ لم يتسع للجحافل المُجَحْفَلَةِ كما فعل في السابق. بدا الكوخ ضيقًا مُوغِلاً في البؤس والصغر، وحتى السمكة التي كانوا قد أكلوا منها وبقي منها الكثير، ضَمُرَتْ وصغرت ولم يبق منها سوى بعض الأشواك والزعانف التي لا تغني من جوع. أخذت الصنارة المعلقة فوق دفة النافذة. تدافعت مع المتدافعين إلى أن خرجت من الكوخ بجهد جهيد. حاصرتني الجموع. أخذت بخناقي، ضيقت عليَّ السبل. هددوا بالتهامي إن لم أمنحهم ما يسكتون به لسعة الجوع. لوحت لهم بالصنارة. تراجعوا إلى الخلف وهم يتطلعون نحوي بفضول. فَسَحُوا لي الطريق. قصدت البحر. رميت الصنارة في المياه المالحة. تجمعت الأسماك من كل صوب؛ جاءت سابحة متقافزة ترتمي عند قدميَّ الحافيتين المغموستين في الرَّمل البَلِيل، آلاف الأسماك كبيرة وصغيرة، ألوانها مختلفة وجلدها لامع وصقيل. تسارع الغوغاء، لَمُّوا السمك الوفير، وشرعوا في التهامه أخضرَ نيئًا. بدا لي سلوكهم بمثابة حالة من حالات الوحشية الحيوانية التي تتستر تحت اللبوس الآدمية القميئة.

اِنْتَحَيْتُ مكانًا قَصِيًا. أشعلت نارًا هادئة. شويت فوقها السمك وشرعت في الأكل. جاء الغوغاء نحوي. أخذوا من ناري الجذوة تلو الجذوة. أشعلوا بها نارهم. تكاثرت مواقد النار في كل مكان على امتداد الشاطئ المهجور. شَوَوْا سمكهم مثلما رأوني أفعل. أكلوا السمك المشوي اللذيذ. فرحوا ورقصوا وتقافزوا من الغبطة والسعادة. ومن تجاويف البحر الهادئ، خرج مغني نصفه إنسان ونصفه سمكة، فغنى غناء احتفاليًا صاخبًا، فتراقص الناس وعَرْبَدُوا، ثم غنى غناء حزينًا فبكى كلُّ من حضر. سالتِ الدموع الغزيرة من المآقي. تحولتِ الدموع إلى مَجَارٍ صغيرة وَخَطَتْ رمال الشاطئ، وحفرت فيها أخاديد صغيرة باتجاه البحر الذي اختلطت ملوحته مرة أخرى بملوحة الدموع، وحدث شيء غريب: هاج البحر وماج، غطى على صوت المغني. هَبَّتْ ريحٌ صَرْصَرٌ عاتِية. همد حماس الجموع. تَصَاوَلَتْ أمواج البحر. هربت كل الأسماك. احتجبت الشمس. تلبدت السماء بالغيوم. غرقت كل السفن. نُكِّسَتْ كل الأعلام. وظهر موكب الأمير!

-3-

صفوف من الجنود بدروع نحاسية وخوذات فضية وسيوف مُهَنَّدَةٌ. طبول ومزامير. خيول مُسَوَّمَةٌ، وفرسان أشداء يحيطون بالأمير. يتقدم الموكب على إيقاع الموسيقى العسكرية الصاخبة. طلعة الأمير تشبه البدر في ليلة التمام: ذقن حليق وشارب كثيف مُخَضَّبٌ بالحِنَّاء. سَوالِفُ شعره الناعم تتدلى على الكتفين. مناكبه العريضة تغطي غُرَّةَ الشمس. سِلْهَامُهُ الأميري مُوَشًّى بزخارف بلاد العجم. قبضة سيفه تشع بألف سَنًا وبريق. فرسه الأصيلة المُطَهَّمَةُ ذات البطن الضامر والأذنين الصغيرتين تتهادى فوق قوائمها المسبوكة الرفيعة. هالة من الفخامة السؤددية المَهِيبَةِ تُجَلِّلُ الكائن الأميري العجيب!
وقفت الجحافل وقفتها المنبهرة الواجفة. حالة من الافتتان الخرافي تأخذ بمجامع الجحافل والغوغاء. صمت ثقيل وجليل يلقي رداءه المهيب على المشهد.

ترجل الأمير عن فرسه. سارع الجنود إلى بسط الأفرشة المخملية تحت قدميه. سار الأمير فوقها بخطو وئيد وجلال سلطاني يخلب الألباب. بدا صولجانه الذهبي المطعم بالأحجار الكريمة مثل العصا السحرية التي توجد في حكايات الجدات، والتي تغير وجه العالم وتصنع المستحيل وتحقق المعجزات.

نزلت نظرات الأمير المتعالية فوق الناس والأشياء. لامست المنظورات ملامسة رَهِيفَةً خفيفة ومُتَبَجِّحَة، ثم شردت بعيدًا نحو السماء، فتضاعفت المسافة التي تفصله عن الجحافل المخلوبة. خفض الجنود رؤوسهم، غرزوا نظراتهم في الأرض، وطأطأت الخيول هاماتها، وتفاقم الصمت، وتوقفت عقارب الزمن، وغاب الحاضر في الماضي، وغاب الماضي في الحاضر، وانطلى سحر الأمير على الجحافل التي اختارت الإقامة والتَّنَسُّكَ في الشاطئ المهجور.
نادى الأمير في الناس:

- أيها الناس! يا معشر القَوْلِيَةِ والغوغاء! هذا الشاطئ لي. أكواخكم قصوري. جوعكم شَبَعِي. عَرَقُكُمْ مُكابَرَتِي. تعاستكم هنائي، وفَاقَتُكُمْ ثروتي ورصيدي المُوَفَّى ضد جَهالَةِ الأيام ومَكْرِ الزمن! من هو الزعيم فيكم؟! سلموني إياه قبل أن أُسْلِمَ رقابَكم لِحَدِّ السيف ومَقْطَعِ المِقْصَلَة.

بدا التهديد الخارج تَوًّا من فم الأمير مثل اللحظة الوجودية المُتَنَصِّلَةِ من كل الترتيبات التي يصطنعها الإنسان، ويهنأ بها ويطمئن إليها، لكي تبدو له الحياة مقبولة والعيش مُطاق. في لحظة واحدة انقلب كل شيء ضدي! تسارعت الجحافل نحوي، عَفَسُونِي بالأقدام، تَناوَبَتْنِي أيديهم باللكمات والضرب المبرح. قيدوني بالدُّومِ الذي اقتلعوه من جريد النخل. سحبوني فوق الرمل، ورموني جثة هامدة عند أقدام الأمير.

صَوَّبَ نحوي فُوَهَةَ نظراته المستعلية. وضع طرف سيفه في مَغْرَزِ عنقي المكلوم. تَحَيَّنَ فرصة هدوء الجلبة التي أحدثها تدافع الغوغاء، أشار لي نحوهم باحتقار، وجَابَهَنِي بسؤال لم أجد له أي جواب:

- أهؤلاء هم من تعول عليهم؟! أنظر كيف سلَّموك إلى حتفك بدون تردد أو ندم!
ظللت صامتًا أحملق فيه فلا أكاد أرى من ملامحه إلا الأسنان المنفرجة عن ابتسامة ساخرة وعدوانية. بدت لي تلك الابتسامة أشبه ما تكون بالتكشيرة الضارية التي تمهد للهجمة الدموية الأخيرة. كان الألم قد بلغ مني مبلغه، ووصل أقصى وأقسى مداه. يداي وقدماي المشدودتان بالحبال تَنِزَّانِ دمًا. مَطاعِنُ اللكمات والرَّكَلاتِ التي تلقَّاها جسمي كانت قد تحولت إلى بقع زرقاء يخالطها احتقان شديد الحمرة وسواد مُبَرْقَعٌ. ضربات قلبي فقدت وتيرتها المنتظمة، وتحولت إلى خفقات عشوائية وخافتة. حالة من الخَوَرِ المُدْقِعِ تَقَمَّصَتْ كلَّ مقاسات جسدي الكَسِيح؛ حتى لساني المثقل بِغُصَصِ الألم والضرب المبرح تَخَشَّبَ وتَكَوَّمَ على نفسه، وغَاضَتْ كلماته وانْبَثَّ بيانُه. جف الحلق وخالطته الغصص، تدلت الهامة وانكشف زيف الكبرياء، ثم هانت علي نفسي كما هانت على الغوغاء والأمير.

غلبتني غفوة خفيفة، أخذتني مني ومن الآخرين الذين كانوا يتفرجون على مأساتي بحقد غير مبرر. رأيت الشيخ الكريه في الحلم؛ رأيته بلحيته البيضاء، ومسبحته اللؤلئية، وجلبابه الناصع، ووجهه الذي تتوقد فيه الحمرة الرطيبة القَانيَة. نظر إليَّ بعينين مُشِعَّتَينِ. رأيت فيهما قسوة وجفوة يخالطهما حِلْمٌ ورأفة. اقترب مني، وأَلْقى في أذني بصوت جَهير:
- الشمس لا تشرق إشراقتها الجميلة إلا لكي ترتحل وتَنْأَى ثم تغرب وتغيب! والشاطئ ليس شاطئًا إلا لأنه جَانَبَ البحر وخَالَطَ أمواجَه! ليس الهوان أن تكون ممددًا فوق الأرض في انتظار لحظة النهوض؛ بل الهوان هو أن تهون على نفسك فَتَأْسَى، والذل هو أن تَغِيضَ فيكَ نَخْوَتُكَ التي جُبِلْتَ عليها فتحزن! أنت الأمير في شاطئك المهجور! وأنت الصَّرْحُ الذي لاَذَتْ به الجحافل! وأنت الأمل القادم. لذلك خاف منك الأمير!

أفقت من غفوتي على صوت الأمير وهو يأمر الجنود بفك وثاقي. حملوني إلى كوخي. مَدُّوا الأفرشة الأميرية المخملية فوق أرضه الرملية، علقوا الستائر الحريرية على الجدران القصبية. غطوا سقف الكوخ بألواح الخشب المنقوش وسبائك الزجاج البلوري المذهب. ضَوَّعُوا أجواء الكوخ بعطر النَّدِّ الحجازي. ألبسوني لباس العِلْيَةِ من القوم: عباءة وسِلْهامٌ من الحرير المُصَفَّى، وعمامةٌ من قطنِ البَابُونْجِ وكتَّانِ الصين، ونَعْلٌ طُنْبورِيٌ من جلد النمر وريش النعام، بالإضافة إلى كل الملحقات التي تليق بالمقام السَّنِيِّ والشأن العالي: خواتيم ذهبية بفصوص لؤلئية مكعبة، سيف مهند مصنوع من ذهب الحبشة، ساعة زجاجية عجمية معلقة بسلسلة فضية تعلوها نقوش تركمانية، وبضع أكياس من النقود الثمينة المسكوكة في بلاد الشام.

فجأة بدوت لنفسي على غير ما عهدت نفسي عليه؛ شعرت بالعظمة والتعالي، وأطللت على الجحافل من المقام الشاهق. وفي لحظة واحدة تَخَفَّفْتُ من كل لَوْعاتِ ومَقالِبِ الشوط الوجودي المضني والطويل، ومن كل آلام الحاضر وضَيْمِ السنين الماضية. شعرت بنفسي أتعالى فَتَتَسَامَقُ هامتي وتَتَشامَخُ قامتي، وتَعْظُمُ مقاساتي، وتبدو لي الكائنات صغيرة مفرطة في الصغر، حقيرة مُدْلِجَةً في الحقارة؛ بدت لي جحافل الغوغاء مُقَزِّزَةً كريهة وحقيرة مثل الديدان أو الجرذان، وبدت لي أكواخهم مثل الجحور والكهوف البدائية، فكرهتهم وكرهتُ مرآهم، وكرهت معهم شاطئي المهجور.
أسرعت نحو الأمير. قَبَّلْتُ يده ومدحته بقصيدة مقفاة وموزونة على عادة فطاحل الشعراء المتمكنين. تدفقت القصيدة على لساني دفعة واحدة، بدون تلعثم وبدون مُوارَبَةٍ. هزَّ الأمير رأسه ابتهاجًا بالقصيدة التي يرى من خلالها نفسه بالصورة التي يتخيل أنها صورته الحقيقية. صفق الجنود، وتصايحت الجموع، وتسارع الكَتَبَةُ، وتنافس المُدَوِّنونَ من أجل تدوين القصيدة التي قيلت لِلتَّوِّ في مدح وتمجيد الأمير.

انسحب الجميع وظللتُ وحدي معه، ودار بيننا حوار. قال الأمير بطريقته المُتَفاخِمَةِ التي لا يحسنها إلا المتحكمون في رقاب الخلق:

- ها أنت قد أصبحت واحدا منا! لقد أنعمنا عليك وقربناك منا، ورضينا عنك كما يرضى الحاكم عن عبده الذي كان آبِقًا فندِم، وكان حَرُونًا فاستهدى بالله وتَاب! وأنت خير من تعلم أن إنكار النعمة فِسْقٌ، وأن الاعتراف بالفضل لأهله واجب. وقد رأينا أن ما أنت عليه في هذا الشاطئ المهجور لا يليق بك ولا تليق به، وهؤلاء الغوغاء ليسوا ممن يطمئن إليهم العاقل أو يَرْكَنُ إليهم اللبيب، لذلك قررنا أن نُزَوِّدَكَ من المال الوفير والنَّوْلِ العظيم ما نَشُدُّ به أَزْرَكَ، ونُعْلِي به شأنك لكي ترحل عن هذا الشاطئ المهجور رحلة مربحة لا عودة لك بعدها، ولا أَوْبَةَ لك منها مهما تَدَاوَرَتْ بك السنين وتَنَاوَبَتْ عليك العُهود وتَطاوَلَتْ بك حِقَبُ الزمان. أما كوخك فقد أعجبني فأحببته، ورأيت أنه يليق أن يكون ملكي ولا يليق أن يكون ملكك، لهذا فقد أصبح كوخك من مُقْتَنَيَاتِي، وصِنَّارَتُكَ أصبحت من مُشْتَهَيَاتِي. وقد جَرَّدْتُكَ مما تملك لكي لا تطغى، وأَسْبَغْتُ عليك مما أملك لكي أُذِلَّكَ بالعطاء، وأَسْتَخْذِيكَ بِالمُناوَلَةِ فتطيعني طاعة العبد لمولاه؛ فإن رضيتَ بما أردناه وقَبِلْتَ مَا دَبَّرْناَهُ، وَدَّعْناكَ وداعًا رسميًا تُدَقُّ فيه الطبول وترقص فيه القِيَان، أما إن سَوَّلَتْ لك نفسك رَدَّ هِبَتِنَا وإنكار فضلِنا عليك، فسترى منا ما لا تُطِيقُ، وتَخْبَرَ منَّا ما لا يَلِيقُ. هذا قولنا ومَبْلَغُ حِلْمِنَا، فما قولُك؟!

شعرت أن الأمير لا يُخَيِّرُنِي بل يجبرني على قبول عرضه. شعرت ببعض الحرج وكرهت هذا النوع من الإِجْبارِ المُقَنَّعِ الذي لا يدع لي فرصة حقيقية للإحساس باستقلالية قراري، لكني أجريت في ذهني عملية حسابية بسيطة لقياس ما سأربحه وما سأخسره، فَتَبَيَّنَ لي أن منطق الاتزان والعقل يُمْلِي عليَّ ضرورة التفكير بمنطق الربح.
تراقصت نفسي طربًا لهذا العرض السخي، ورأيت فيه فرصة للحصول على المكاسب التي لم أحصل عليها في حياتي، ولم أحلم بها في يوم من الأيام: الجَاهُ بَدَلَ الضِّعَةِ، والمال بدل الفقر، والثراء بدل الفاقة، والبعد عن هذا الشاطئ المهجور الذي يملأه الغوغاء، وتَذْرُوهُ الرِّياح ويُباطِشُهُ الموج. يا له من عرض!

سارعت إلى تقبيل يد الأمير، وتهافت قائلاً:

- لا قول لي بعد قولك أيها الأمير السعيد، أنت تأمر وأنا أطيع وأنفذ.

أمر الأمير أتباعه وجنوده بتنظيم حفل وداع فَارِهٍ. أركبوني سفينة شراعية قديمة، وضعوا فيها أكياسًا ثقيلة من الذهب والفضة والنقود النحاسية، وملؤوا مخازن السفينة بالطعام الكافي والشراب الشافي، وكل ما تحلم به النفس ويشتهيه الخاطر.

وقف الغوغاء على الشاطئ يودعونني بعيون باكية، وهامات منكسرة وجِباهٍ مُسْوَدَّة، وشفاه مرتعشة، وقلوب واجفة. تقدم مني أحدهم في غفلة من جنود الأمير، وقال لي بكلمات مهموسة:

- في الليلة الماضية، زارنا الشيخ في المنام، وبكى كثيرًا وانتحب طويلاً، وقال لنا إن زمن البشارة وَلَّى، وعهد الخير الذي تأتي به مياه البحر ورياح السموم قد انتهى وراح، وأن السفينة التي سترحل مثقلة بالمغانم ستغرق عند أول هبة ريح!
نظرت إلى الرجل بسخرية واستعلاء، وقلت:

- قل لشيخك إن الشاطئ المهجور خراب، وقل له إن أقوال المنامات أضغاث أحلام وهلوسة وهذيان. هذا الذي أنا فيه اليوم هو الحقيقة، أما ما كنتُ عليه بالأمس في شاطئكَ الخَرِبِ المهجور، فقد كان صفحة مهينة وسوداء، وها قد طويتها حين رضي عني الأمير!

ودعت الشاطئ ذلك اليوم في جو احتفالي بديع. صدحت الموسيقى، تعالت الهتافات، لوحت لي الأيادي بالمناديل، رمقتني النساء بعيون الفتنة والإعجاب، هبت علي ريح البحر الرطيبة، أَنْعَشَتْ فِيَّ أحلام السفر وملاحم الإبحار. خفق شراع السفينة ودَوَّى مدفع الوداع، وانزلق المركب بأناقة وجمال فوق مياه البحر المتماوجة. ودعت الأمير بتلويحة حماسية. سالت من عيوني دمعة الفراق الأخير، لكني وَلَّيْتُ وجهي شطر البحر، وتركت خلف ظهري كل ما ألفته وألفني في الشاطئ الخرب المهجور.

-4-

شقت السفينة عباب اليم الأسطوري الفسيح. أخذتني نحو وجهتي الغامضة. تسلقتُ الصاري إلى أن وصلت إلى قمته، وضعت كفي فوق عيني لتظليل الرؤية واتقاء أشعة الشمس. أجلت النظر حول السفينة، فلم أَرَ سوى المدى الفسيح والأفق المفتوح على اللامتناهي والأبعد. أحسست بالضآلة والصغر وسط هذه العظمة التي تفوق عظمتي المزيفة، وعظمة الأمير المتبجحة والمصطنعة.

مر شهر ثم شهران وبضعة أيام. شعرت بالوحدة القاتلة والسأم الكريه. أنهكني دوار البحر، أصابني القنوط في مقتل. تذكرت جمال الشاطئ المهجور، وفتنته الآسرة. تذكرت كوخي الدافئ، ونظرات الجموع وهي تودعني بعيون مثقلة بِبَلَلِ البكاء. تذكرت كل ذلك فأصابني الندم. أحسست بمرارته تهصر شغاف قلبي الملتاع. سارعت إلى أكياس الذهب وصناديق الفضة والنقود، طوحت بها بحقد ونفور نحو البحر الأرحب. تلقفها بموجه المزبد الهادر، رأيته يبتلعها بشراهة. حدثتني نفسي برمي جسدي أيضًا في هذا البحر الشَّرِهِ الذي لا يشبع أبدًا ولا يهدأ. تسلقت حافة السفينة، وقفت فوقها وقفة بطولية خرقاء. أحسست برياح البحر الباردة والعاتية تلامس جسدي بتحد كأنها تدعوه للمنازلة الأخيرة قبل كربة الانطفاء. سألت البحر بصوت حاد:

- أتحداك أيها البحر فأجبني جواب الحكماء أو الأنذال: ما الذي نربحه جميعًا من السفر نحو المجهول أو الإقامة المخزية في الشواطئ المهجورة والمحاصرة بالجنود وثقيل العتاد؟ من منا البحر ومن مِنَّا الشاطئ؟ من منا الغوغاء ومن منا الأمير؟ من منا الشيخ ومن منا الجموع؟ من منا الوجه ومن منا القناع؟ من منا الحقيقة ومن منا السراب؟ هل أنا الذي سأنتحر فيك أم أنك أنت الذي تنتحر فينا حين نغطس فيك بحثًا عن حلم مفقود أو جنة فردوسية موعودة؟ أين تقودنا سفننا المغتربة المعرضة للغرق في أي وقت وحين؟ من ذا الذي يأتي من عمق العمق ليغتصب منا ما نملك، ويُهَجِرَنَا من ديارنا، ويزج بنا في دوامة التيه والمهالك؟ من أنا الذي ركبت البحر محملاً بأحزاني، ومضرجًا بلعنة أزماني، ومثقلاً بالسهاد ولوعة الجفاء وشجن الحب الذي ما اكتمل؟ أخبرني أيها البحر! من أنا الذي قبلت سفينة بالية، وأبحرت فيها بأشرعة ممزقة وأذرع لا تحسن السباحة والتجديف؟!

هبت الريح، هدر الموج، أعتمت السماء، وهطل صبيب المطر. لم يجبني البحر، ولم أبالِ بجوابه، لأني أحسست فجأة أني حصلت على كل الأجوبة، وأدركت الكامن خلف الأبواب الموصدة، وعاينت تعويذة كل الطلاسم، وانكشفت لروحي كل الألغاز والأسرار.

وفي لحظة الحسم النهائية، حين قفزت قفزتي البطولية من حافة السفينة نحو مجاهل الموج المتلاطم، رأيت البحر مجرد امتداد مفتوح، ليست فيه طريق مرسومة، وليس فيه مَعْلَمٌ أو منار؛ رأيت أشرعة السفن تنفخ فيها الريح، فترحل السفن رحلتها العجيبة بعيدًا عن الشواطئ الدافئة، حدثتها حديثي الأخير:

- إلى أين الرحيل أيتها السفن الهاربة؟! هل الريح هي وقود الإبحار أم أن وقود الإبحار هو أعمارنا التي تفنى، وأجسامنا التي تبلى، وأحلامنا التي تظل مؤجلة ومعلقة على مشجب الزمن؟ كيف لنا أن نبحر بإسطرلاب الإمكان ونحن مشدودون إلى القاع بمرساة الاستحالة؟ أيتها السفن التي تمضي دون رغبة حقيقية في المضي! ها هو البحر شاسع مشرع المدى، وها أنا أمضي بملء إرادتي نحو القاع الذي يخفت فيه الصوت، ويموت فيه الصدى! ضمني إليك أيها البحر، فأنا ابنك العاق الذي عاد اليوم إليك! لا الشيخ اليوم ينفعني، ولا الرحلة اليوم توصلني، ولا جاه الأمير ينقذني من صولة الأقدار!

قلت كلامي هذا وقفزت!

كانت القفزة أسطورية! لم يحصل مثلها من قبل ولا من بعد. ران على العالم صمت الاندهاش الأعظم. حل في المشهد عنصر المفاجأة الضروس، وتحقق يومذاك ما قالته النبوءة القديمة!

تلقفني الموج بعناق الأحبة الذين فرقت بينهم السنين. كان الارتطام شديدًا، لكن جسدي تلقى صدمته بصلابة البحارة والملاحين. كان الألم أكبر من الألم، وكانت الريح أسرع من الريح، وكان البحر مشدوهًا يتعجب مما يرى، وكان الغرق شهيًا مثل فنجان الشاي المترع بنعناع الحقول.

ضخ البحر مياهه المالحة في رئتي. تدفقت المياه في تجاويف الجسد المنهوك. نزلتُ نحو القاع، رأيت الشيخ يصلي، يتبتل في المحراب المرجاني. ألقيت عليه السلام، لوح لي بيديه. أفسح لي مكانًا بجانبه على السجادة الرملية. صليت بخشوع، وتَحَّيْتُ وسلَّمت، ثم شرعت في التهليل والتسبيح. اكتنفتني طمأنينة روحية وسكينة عميقة، وقلت لنفسي:

- ها قد وجدت أخيرًا موضع حلولي ومنزل إقامتي الدائم! لن أرحل من هنا، لن أجشم نفسي عناء السفر مرة أخرى، ولن أُبْحِرَ ولن أغامر!

نظر الشيخ إلي نظرة شزراء. رأيت في عيونه فجوة الجحيم. ارتعدت فرائصي، وأحسست أني على وشك سماع كلام لا يعجبني. تحدث الشيخ بكلام لا يشبهه كلام:

- الأرض موطئ القدم والبحر مُعْتَلَى الرُّبَّان! ليس الذي يطفو مثل الفقاعة كالذي يسبح بمرح مهتديًا بالنجم القطبي وعِبَرِ الزمان. أنت ملاح بدون سَفِين، وأنت مركب بدون شراع. ليست لديك ديار تهجرها أو ربع تؤوب إليه حين يتعبك الارتحال وتُضنيك دَوْخَةُ الأسفار! لذلك لم تعرف كيف تعلو فانحدرت نحو القاع، ولم تعرف كيف تطفو فقفزت في البحر قفزتك المقيتة الخاسرة! ها أنت قد صليت صلاتك الخاشعة، لكنك نسيت أن تيمم وجهك شطر القبلة الشرقية! وها أنت قد شربت كل مياه البحر، لكنك لم تعرف كيف تتحول أنت نفسك إلى بحر، فظللت مجرد بركة مائية آسنة! وها أنت قد قفزت في البحر قفزة بطولية، لكنها قفزة خرقاء لأنها أشبه ما تكون بالسقطة الدامية والكبوة العاثرة! وها أنت قد ركبت سفينة محملة بالكنوز، لكنها سفينة متهالكة لا توصل إلى شط، ولا تبحر إلا نحو الهاوية!

توقف الشيخ عن الكلام. نظر إليَّ كأنه يقيس أثر كلامه في نفسي، ثم أشاح بوجهه عني، ونهض واقفًا، وغادر المكان بخطوات وئيدة وصمت مهيب.

نظرت حولي كمن استفاق بعد غفوة داهمة. انتبهت فجأة إلى أني قد خدعت حين قبلت مغادرة الشاطئ المهجور نحو وجهة ملتبسة. تمنيت لو أعود إلى كوخي الدافئ. تراقصت في قلبي رعشة الحنين إلى مقامي الأول، حيث كنت أدخن الغليون، وأتأمل شمس العالم الآفلة. أغمضت عيني باستكانة وخشوع، وتخيلت ما سيحصل:

قذفني الموج نحو الشاطئ. تسارعت الجموح نحوي. تحلقوا حولي. تأملوني بنظرات واجفة. صاح أحدهم:
- ها هو الهارب منا قد عاد إلينا! ها هو الخائن قد لفظه البحر كما تلفظ القمامة! هاتوا حبلاً لكي نشنقه، هاتوا سكينًا كي نقطعه إربًا إربا، ونرميه في البحر كي تقتات الأسماك على لحمه العَفِن!
تدخل صوت آخر قائلاً:

- بل خبئوه بسرعة قبل أن يراه جنود الأمير، فَيُفْتَضَح السِّر!

حين أفقت حكوا لي ما حصل:

- سعد الأمير برحيلكَ وأقام الأعراس والأفراح، وأعلن حالة الطوارئ في الشاطئ المهجور، ومنع الشيخ من زيارة الناس في المنام، وحرَّم استعمال الصنارة للصيد، واستفرد بكل أسماك البحر لنفسه، وأمر جنوده بمراقبة البحر كي يمنعوا عودتك. وعاث في البر والبحر فسادًا لا يشبهه فساد. وحَزِنَّا عليك حزنًا عظيمًا، وأَعْلَنَّا عليك الحداد.

ظللت مختبئًا بعد ذلك في أكواخ الناس، لكن خبر عودتي إلى الشاطئ تسرب ووصل إلى علم الأمير، فأمر الجنود أن يبحثوا عني في كل مكان. جرفوا الرمال وأحرقوا بعض الأكواخ، واقتادوا الكثير من الناس إلى السجون، وهددوهم بالويل والثبور، وطمعوهم بالذهب والفضة، لكن الناس لم يَدُلُّوهُمْ على مكاني.

وحين غاب الشيخ غيبته الطويلة، وساءت الأمور، خشيتُ أن أقع في أيدي الأمير فتكون نهايتي، ففكرتُ ودبَّرتُ، وبدأت وأعدت، واهتديت أخيرًا إلى أن الحكمة هي أن أختبئ في أحلام الجموع، وارتأيت أن الحل هو أن أفقد آدميتي المفلسة، وأن أصير تجليًا شبحيًا يأتي الناسَ في المنام فيحمل لهم البشارة، ويذكرهم بالنصر القادم!

بحث عني جنود الأمير في العيشة الضنكة للناس، وفي أوكار الفقر وأغوار البؤس التي تتكاثر في فيافي الوطن؛ فتشوا الزوايا والكهوف والمغارات والأركان، أقاموا حواجز المراقبة والمتاريس عند مداخل الشاطئ ومخارج البحر. سألوا عني الريح وطيور النَّوْرَسِ، والمنجمين والعرافين وقارئات الفنجان، فقالوا لهم: إنه قد صار شبحًا يأتي الناس في الأحلام!
لم يصدق الأمير! أعلن في الناس عن جائزة بدون مثيل لمن يأتي برأسي أو يَدُلَّ جنودَه عليّ!

تهافت الناس وأشباه الناس بحثًا عني. سُيِّرَ الفرسان في المسالك الوعرة والفِجاجِ والوِهادِ والثغور القَصِيَّةِ، والقلاع العَصِيَّةِ. استقصوا أثري في كل مكان، سألوا عني القائم والقاعد، والأخرس والأطرش، والميت والحي، والإنس والجن، لكنهم لم يقعوا لي على أثر، فاشتد كربهم، وضاقت صدورهم، وَاعْتَرَتْهُمْ غُصَصُ الخيبة، وحلَّت عليهم لعنة البحث عمن لا سبيل للعثور عليه!

زرتُ الناس في أحلامهم، أمرتهم أن يهدموا الأكواخ، وأن يزيلوا عيدان القصب والخيزران وجريد النخل، وأن يرحلوا بعيدًا عن الشاطئ المهجور، ففعلوا.

وحين أصبح الصبح وأطل الأمير من شرفته المُزْدانَةِ العالية، وجد نفسه وحيدًا؛ رأى أمامه خلاء مقفرًا على مَدِّ البَصر! لا رأس يطأطئ له، ولا هامة تنحني أمام سلطته الشاهقة الحاقدة. جميع الناس رحلوا؛ جميعهم لاَذُوا بِوَعْثَاءِ السفر الموجِع نحو الفيافي والمَهَامِهِ المُوحِشة. لم تُخِفْهُمْ وحشة الطريق الطويل، ولم تُثْنِهِمْ دنانير الأمير عن مواصلة السير الحثيث نحو الربوع المُونِقَةِ!

ذُهل الأمير. أُسْقِطَ في يده. ثارت ثائرته. هدَّد وتوعَّد، صَالَ وَجَال، ونَادَى بالويل والثبور وعظيم الأمور، ثم خرج يجري مسرعًا كالإعصار أو القذيفة، لحق بالناس وأمرهم بالعودة؛ هددهم بالسجن، وتوعدهم بالقتل، توسَّل إليهم بعيون باكية وهامة مكسورة، مَرَّغَ جبهته في التراب، قبَّل نعالهم الممزقة، تعلق بأهداب عباءاتهم الرثة البالية، لكن الناس استمروا في متابعة سيرهم بعيدًا عن الشاطئ. جاء جنود الأمير. أحاطوا بالناس من كل صوب. قطعوا بعض الرؤوس، لكن الأجساد ظلت تتابع طريقها وتساير. أحرقوا بعض الأطفال، لكن الأطفال انبعثوا من رمادهم مثل طائر العنقاء؛ بَقَرُوا بطون النساء، لكن الأرحام الْتَأَمَتْ من جديد، وتحوَّل حِملها إلى حفلات حناء، وأعراس خِتان، وفرحة عيد.
بكى الأمير، وتوسل للناس أن يبقوا في الشاطئ لكي يظل عليهم أميرًا، ورَشَاهُمْ ليبنوا الأكواخ، لكنهم تابعوا طريق الرحيل، وتفرقوا أخيرًا عند المنعطف المتشعب الواقع بين الأرض والسماء، حاملين معهم جريد النخل وعيدان القصب والخيزران.

وظل الأمير وحيدًا في شاطئه المهجور! ظل فريدًا منكوبًا يلعب لعبة الحاكم المفلس المجنون؛ يأمر البحر أن يرحل لكن البحر يبقى، ويأمر الموج أن يهمد ويسكن لكن الموج يزبد ويرعد ويطغى.

وحين خارت عزيمة الأمير، ركب سفينته الشراعية، وأمرها أن تمخر به عباب البحر، وانتظر أن تُلَوِّحَ له الجموع بالمناديل والرؤوس المطأطِئة، لكن الشاطئ كان مهجورًا، ووحده الموج الغاضب كان يتعالى، وينثر رذاذه في المشهد الكئيب أمام نظرات الأمير الذاهلة!

***
آخر ما قاله الراوي قبل أن يتحول بدوره إلى خيال يزور الناس في المنام:

- تحول الشاطئ المهجور اليوم إلى كورنيش فَاِرهٍ، يرتاده الناس أيها السادة، يَحُلُّونَ فيه حلول عبور، ويقيمون فيه إقامة استهتار وعَرْبَدَة. لم يعثر جنود الأمير على الرجل العجيب. ولم يعرف الناس ما حل بالأمير؛ بعضهم قال إنه شَاخَ وتَحَوَّلَ إلى كَوْمَةِ عظامٍ نَخِرَة، وبعضهم الآخر قال إنه تحول إلى كابوس يغتال أحلام الناس، ويُجْهِزُ عليها بِالسَّاطورِ والمِقْصَلَة، لكن العارفين المتيقنين يعلمون أن الأمير قد تَنَحَّى، وذَرَتْ ذكراه الريح، وأُوصِدَتْ في وجهه كل المَآتِي والأبواب. لكن الأمير الذي تَنَحَّى خَلَّفَ سُلالة من الأمراء، وصار لكل أمير شاطئه المهجور، وصار لكل حلم كابوسه. وانتهى الأمر بالناس إلى ما هم عليه الآن وبعد الآن!

***
سرد أخير:

لم يكد الراوي ينهي هذا الكلام حتى تَحَوَّطَتْهُ جحافل الجنود من كل صوب، وضعوا القيود في يديه، والأصفاد في قدميه، وَكَالُوا له الضربات الموجعة، وجَزُّوا لسانَه من مَنْبَتِهِ، وَاسْتَلُّوا أسنانه، وَخَاطُوا شفتيه المَشْرُومَتَيْنِ، ثم حملوه بحقد وتَقَزُّزٍ مثل سلعة تَالِفَة، ورموه جثة هامدة تحت أقدام الأمير.

دقق الراوي النظر في وجه الأمير، وانتابه ذهول سامق، وقال:

- أنت هو إذن! أنت هو الأمير! أنت لم تمت. ما زلت حيًّا منذ ألف عام!

لكن كلام الراوي ظل حَبِيسَ شفتيه المَخِيطَتَيْن. التقت نظراته المذهولة بنظرات الأمير المُسْتَعْلِيَةِ القاسية، ورأى ابتسامة الشَّماتَةِ على شفتي الأمير، وسمعه يقول بصوت كَرِيهٍ مثل صوت البوم:

- الأمير كابوس لا يموت! الأمير موجود في كل شاطئ مهجور!
تَصادَتْ كلمات الأمير الشَّامِتة في كل المَدَى المنظور، ثم تَفاقَمَ الصمت، وتوقفت عقارب الزمن، وغاب الحاضر في الماضي، وغاب الماضي في الحاضر. اِحْتَجَبَتِ الشمس خلف الغيوم الرُّكامِيَةِ التي تُجَلِّلُ السماء. هَبَّتْ ريحٌ شرقية عاتية، حملت معها أَخْلاطًا من الرؤى والكوابيس والأحلام. دَبَّتْ في المشهد أطيافُ خيالات غريبة سَاهِمَة، وارتسمت في الأفق ملامح وجه مألوف، تتدلى منه ابتسامة جَذِلَةٌ واثقة، وتترامى من شفتيه كلمات هامسة، فتتحول حروفها إلى صَدًى يُكْرِبُ الروح، ويُفْعِمُهَا بالأسى والشَّجن:

- الأمير كابوس لا يموت، لأن للحلم في قلوبكم حَيِّزٌ واهنٌ وضئيل! وشاطئكم مهجور، لأن بَحْرَكُمْ ماتت أمواجه الغاضبة، وسكنته الطحالب منذ ألف عام. أنا الرجل العجيب، وهذا كلامي الأخير، أما الباقي فمجرد كوابيس أو أضغاث أحلام! أنا الشيخ الذي كان يأتي الناس في المنام، وَهَا قَدْ قلتُ كلامي ومضيت... مضيت... مضيت... مضيت... مـ... مـ... ضـ... يـ... يــ... يـ... تـ...!