جنين

، بقلم فيصل سليم التلاوي

جنين ليست المدينة الفلسطينية التي تتربع فوق الزاوية الجنوبية لمثلث مرج ابن عامر، أخصب أراضي فلسطين، مقابلة لمدينتي طبريا و الناصرة، التي تتمدد أولاهما على الزاوية الشرقية لهذا المثلث، بينما تقابلها الأخرى على زاويته الغربية.
لكنها الفتاة التي أسماها والدها جنين تعلقا منه بمدينته و مدينتها، و أملا منه بعودته أو عودتها إليها ذات يوم.

إن جنين تذرع صبيحة هذا النهار ظَهر الجسر القديم القائم على نهر

" نيكار " جيئة و ذهابا، في انتظار صديقها الدنمركي "مارتن " الذي تأخر عن موعده.

جنين التي تدرس الطب في مدينة هايدلبرغ منذ سنوات، هي ناشطة طلابية ضمن حملة المقاطعة لمنتوجات المستوطنات الإسرائيلية (BDS)،التي أنشأتها جماعة من الناشطين الفلسطينين و العرب في أوروبا، و استقطبت العديد من الناشطين الأوروبيين المدافعين عن حقوق الإنسان المعادين للاحتلال و الاستيطان، الداعين لمقاطعة منتوجات المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.

وقد أثمرت جهود هذه الحركة كثيرا، و أسفرت عن مقاطعة كثير من المصانع و الشركات و المؤسسات و المصارف الإسرائيلية، التي لها فروع أو منشآت في المستوطنات، من قبل نظيراتها الأوروبية. و قد آلمت هذه الحركة إسرائيل كثيرا في الفترة الأخيرة، و أخرجتها عن طورها، و قد تبدى ذلك في كثير من التصرفات العصبية، التي طبعت سياسة دولة الاحتلال في الآونة الأخيرة.

إن جنين واحدة من نشطاء حركة BDS ، و قد استقطبت العديد من زملائها الطلاب الأوروبيين لهذه الحركة، و من بينهم صديقها الدنمركي

" مارتن" الذي تخلف عن موعده للقائها اليوم.

بعد أن أعياها السير، جلست جنين على مقعد خشبي خالٍ على رصيف الشارع الممتد بين ضفتي النهر، بينما امتد أمام عينيها شريط طويل من الذكريات المؤلمة. منذ أن تفتحت عينيها على الحياة لتجد نفسها تعيش في كنف والد فقط، يودعها مرة في رعاية والدته، و مرة في دار للحضانة، يحضر لزيارتها و تفقد أحوالها و تلبية طلباتها بين فترة و أخرى.
يتحاشى أي ذكر لوالدتها، بل يتعمد طمس أخبارها مدعيا مرة أنها مريضة مرضا خطيرا لا يحسن معه زيارتها، و مرة بأنها قد سافرت سفرا طويلا بعد انفصاله عنها لأسباب ظلت مجهولة لدى جنين، و إن صارت تخمن بعد أن كبرت و وصلت إلى سن المدرسة و باتت تميز الأمور و تقلبها في ذهنها، فتظن أنها مسائل تتعلق بالشرف و السمعة، لفرط التأثر و الانفعال و الغضب الذي يرتسم على ملامح والدها إن ذكر اسم والدتها أمامه، و لو بشكل غير مقصود.

كبرت جنين و صارت في المرحلة الدراسية المتوسطة، تعيش مع والدها في منزله، لا يرافقهما فيه سوى خادمة تسهر على خدمتهما. و مضت أيامهما بطيئة على رتابتها و ركودها، و نسيت أو أُرغمت على نسيان السؤال عن أمها، حتى كان عصر ذات يوم رن فيه هاتف المنزل، و كانت جنين و حدها في البيت، فرفعت سماعة الهاتف ليفاجئها صوت أنثوي يخاطبها:

جنين، حبيبيي.

من المتكلم؟

ألم تعرفيني؟ ألم تحسي بدفء صوتي، و تلهفي لسماع صوتك؟ أنا أمك يا ابنتي التي تتحرق شوقا لرؤيتك و أخذك بين أحضانها.

أمي! و أين كنت طيلة هذه السنوات التي انقضت؟ و لماذا لم تسألي عني قبل اليوم؟

إن والدك يمنعني يا ابنتي و يهددني إن اقتربت منك، وقد انتزعك مني، و أخذ قرارا من المحكمة بحقه في حضانتك منذ كنت صغيرة، و تركني أتحسر على فراقك، و أتشوق لرؤيتك و لو من بعيد، و إنني أفعلها كثيرا، أتبعك إلى المدرسة في طريق ذهابك أو إيابك أحيانا، و أُمَلي ناظريَّ منك و أنت لا تدرين و لا تحسين بي.

و اختنق صوتها بالعبرات التي لم تستطع معها مواصلة الحديث، و انتزعت من فمها عبارة واحدة:
غدا أنتظرك باب المدرسة ساعة الانصراف.

و انقطع صوتها، و أقفلت جنين سماعة الهاتف بعد أن انتظرت طويلا لتسمع كلمات أخرى، لكنها لم تأت.
لم تجرؤ جنين على مفاتحة والدها بخبر المكالمة الهاتفية التي تلقتها، خشية أن يثور و أن يتخذ من المواقف العنيفة ضدها أو ضد والدتها ما لا تقدرعلى تحمل عواقبه، فحبست أنفاسها و كتمت سرها منتظرة ساعة لقائها بأمها يوم غد، مؤملة أن تجد عندها من الحنان و العطف، ما يعوضها عن سنوات الجدب العاطفي، التي عاشتها برفقة والدها.

لكنها من ناحية أخرى ظلت نهب وساوس و مخاوف قد يتكشف عنها لقاء يوم غد، و راحت تحدث نفسها:
لماذا لم تسأل عني كل هذه السنين الطوال؟ و هل حقا هناك من يستطيع أن يمنع أما من مشاهدة ابنتها، و تتبع أخبارها مهما بلغت سطوته؟

واصلت جنين تقليب شريط ذكرياتها المؤلمة صفحة إثر صفحة، وهي متسمرة على المقعد الخشبي لا تبرحه، و أمامها تمر أفواج السابلة و السائحين يعبرون الجسر ذهابا و إيابا، و يلتقطون الصور التذكارية، و هي تتذكر كيف كان لقاؤها بوالدتها باردا و باهتا، و ليس حميميا و لا عاطفيا مثلما أملت و انتظرت. ثم تتذكر العواقب الوخيمة التي أسفر عنها ذلك اللقاء، عندما علم أبوها – و لا تدري إلى اليوم كيف و من أعلمه بذلك اللقاء – لكنها تتذكر بمرارة و أسىً بالغين تلك اللحظات التي طردها فيها من المنزل إلى غير رجعة، خالية اليدين إلا من حقيبة ملابسها، لا تدري إلى أين تذهب.
حتى الوالدة التي فجَّر ظهورها كل هذه المأساة، ما كانت قد دلتهاعلى عنوان لها، فتلجأ إليها عند الضرورة.

تذكرت نفسها و قد هبطت درجات العمارة حسيرة كسيرة باكية، لتجد نفسها وجها لوجه أمام العم " أبو علي " حارس العمارة المصري، الذي لاحظ هيئتها الرثة البائسة، فاستوقفها سائلا عن حالها، فأطلعته على ما جرى لها، فأجلسها على كرسي قديم يستخدمه لجلوسه أثناء حراسته الطويلة، و أخذ يخفف عنها و يهون عليها، و يعدها أن يكلم والدها و هي تجزم له قائلة:

لا فائدة من الحديث معه، و أنه لم يكن قاطعا في أمر في يوم من الأيام، مثلما كان قراره قاطعا اليوم في أمر طردي من منزله.

و راح يواسيها قائلا:

حسبنا الله و نعم الوكيل يا ابنتي. كل مشكلة و لها حل.

ساعتها مر جارنا الطيب"أبوعيسى"،التي كانت ابنته"لينا "صديقتي، أتبادل و إياها الزيارات المنزلية بين الفينة و الفينة، فما كان من الحارس إلا ان استوقفه و أخبره بخبري، فتأثر بالغ التأثر، و دعاني لمرافقته إلى منزله، و العيش مع بناته كواحدة منهن حتى يفرج الله كربتي، و طمأنني و وعدني خيرا، و أنه سيبذل قصارى جهده للتوسط لدى والدي، و عمل ما يستطيع من أجل راحتي و طمأنينتي.

حمل " أبو عيسى " حقيبتي و سرت وراءه إلى منزلهم، و نزلت ضيفا في بيته بين بناته مدة تزيد على شهرين. ما ميز يوما واحدة من بناته في شيء عني، و لا انتقص من مصروفي اليومي و شراء لوازمي شيئا مما يقدمه لبناته الثلاث، حتى أحسست أنني ابنتهم الرابعة. و قد كان يطلعني أولا باول على محاولاته لإصلاح ذات البين بيني و بين أبي أولا، حيث سارع بإخباره بوجودي في بيته من أول يوم. إذ خشي المسؤولية التي قد يُحمِّله إياها نتيجة لجوء ابنته لمنزله دون إعلامه، و توقع أن يبادر فورا لاستردادي و الغيرة على بقائي و مبيتي خارج منزله، لكن المفاجأة التي أذهلت " أبو عيسى " و أهل بيته و سائر الجيران – و إن كانت لم تفاجئني – أنه لم يهتم للأمر، بل كأنه قد استراح و اطمأن لهذه النتيجة، و لم يحرك ساكنا. و اطمأن أبو عيسى لإخلاء طرفه من المسؤولية المترتبة على لجوئي إلى بيته، فزاد في ترحيبه بي، و إغداقه الهدايا و الملابس الجديدة لي، كأنني مولودتهم الجديدة، محاولا أن ينسيني ما أنا فيه من هم و غم. وقد بحث جاهدا عن عنوان والدتي و وصل إليها أخيرا، و أطلعها على وضعي، علَّه يجد لديها حلا مناسبا لوضعي، يكون أفضل من بقائي في منزله، الذي هو وضع غير طبيعي. فحضرت ذات مساء برفقة رجل عرفتنا أنه مديرها في العمل، و لم تمض معنا سوى قرابة نصف ساعة، أمضتها في الاعتذار عن سكنها الضيق، و وضعها الذي لا يسمح لها باستضافتي، و مضت إلى غير عودة.

شيء واحد كنت أحس أنه يحرج جارنا الطيب مضيفي أبو عيسى هو شرعية وجودي في بيته، و خشيته أن ينبري له أحد يوما يمت لي بطرف قرابة بعيدة، أو واحد من المتنطعين المتلبسين بلبوس الدين – و ما أكثرهم هذه الأيام – فيسأله عن شرعية وجودي في بيته دونما محرم، خاصة أنه المسيحي الوحيد وسط قوم من المسلمين، فقد كان يحسب حساب موقف كهذا.

و قد هدته بصيرته إلى أن يقصد المفتي العام، الذي كان يسكن جارا لنا و له في نفس الحي، فأخبره بخبري من أوله إلى آخره، و أنه لا يضيق بضيافتي، و إنما يريد أن يطمئن إلى أنه لا يرتكب إثما أو محرما يساءل عنه أمام أي جهة شرعية أو مدنية.

طمأنه سماحة المفتي إلى أنه يفعل خيرا عظيما، يستحق عليه الشكر و الثواب، و أنه لا حل لديه لوضعي سوى استضافتي في بيته بين بناته، إن ضاق بي المقام في بيت أبو عيسى.

اطمأن أبو عيسى لسلامة موقفه، و واصل إغداق كرمه و نبله عليَّ، حتى حل منتصف العام الدراسي، و حان موعد سداد القسط الثاني من الرسوم المدرسية في مدرسة راهبات الوردية، التي كنت أدرس فيها.

عندما ذهب أبو عيسى لتسديد قسط بناته و قسطي أيضا. حاول أن يحصل على حسم جزئي لي من إدارة المدرسة، فأخبرهم بخبري و أنه هو من ينفق عليّ و سيسدد قسطي، فما كان من مديرة المدرسة إلا أن بادرت بإعفائي من القسط كاملا، و عرضت عليه أن تستضيفني في القسم الداخلي للطالبات على نفقة المدرسة، و أن ذلك حل أنسب من بقائي في وضع غير طبيعي في بيته.

لم يبت أبو عيسى بالأمر إلا بعد أن استشارني مساء ذلك اليوم، و خيرني بين البقاء في بيته كواحدة من بناته، أو الانتقال إلى السكن المدرسي، فاخترت السكن المدرسي الذي أمضيت فيه عامين آخرين، ثم أرسلتني المدرسة في بعثة لدراسة الطب في مدينة هايدلبرغ في ألمانيا.

و هنا أفاقت جنين من رحلتها الطويلة مع ذكرياتها المؤلمة، و نهضت من جلستها و قد استطالت غيبة صديقها "مارتن"، و قررت أن تمر عليه في مقر اتحاد الطلبة بالجامعة، ليواصلا معا برنامجهما المقرر لهذا اليوم، في حملة توزيع منشورات الBDS الداعية لمقاطعة منتوجات المستوطنات الإسرائيلية، عاقدة العزم على أن تعود إلى جنين ذات يوم و لو وحدها.