من نحن – الجانب المظلم

، بقلم محمد زكريا توفيق

يجب أن نعترف بأنه يوجد داخل كل منا، جانب مظلم يعشق العنف. راقب الأطفال وهي تشاهد أفلام الرسوم المتحركة. والكبار وهي تقفز من مقاعدها صارخة: "جول"، عندما يحرز فريقها هدفا في مرمى الخصم.

راقب السعادة والرضا على وجه لاعب الشطرنج وهو يقول "كش ملك". الملك هنا يمثل الأب الذي يريد "أوديب" قتله (عقدة أوديب). الفيلم السينمائي الملئ بالضرب والعنف، هو الفيلم الجيد عند البسطاء.

مشاهدة مصارعة الثيران والديوك، ورياضة الملاكمة والمصارعة، لا نشبع من مشاهدتها، في كل مراحل العمر، بغض النظر عن المركز الاجتماعي ومستوى التعليم والثقافة.

يطيب لنا أن نقارن أنفسنا، كشعوب متحضرة، بالرومان القدماء الأقل تحضرا. الذين كانوا يذهبون، للترفيه عن أنفسهم، بمشاهدة الأسرى وهم يلقون للأسود الجائعة. نحن نكتفي الآن بمشاهدة العنف على شاشات التليفزيون. وما دام العنف على الشاشة الصغيرة، فهو عنف غير حقيقي، يمكن قبوله.

في الماضي، قُطِّع جسد ابن المقفع، مؤلف كتاب كليلة ودمنة، وأكره على أكله مشويا حتى مات وهو في مقتبل العمر، لم يتجاوز السادسة والثلاثين، لمجرّد كتابة مخطوطة للخليفة العبّاسي، أبو جعفر المنصور، "رسالة الصّحابة"، تضمّنت رؤِيته لإصلاح عيوب الخلافة والمستخلفين والقادة والجنود والقضاة وحتّى جباة الجزية.

لقي الحلّاج بعد تكفيره، مصيرا مشابها، حيث تمّ صلبه حيًّا، وفي مرحلة ثانية تم تقطيع جسده هو الآخر، لأنّه هو وابن العربي الذي كفّروه أيضا، كانا يعتقدان بوحدة الوجود، ويعني توحّد الخالق بمخلوقاته.

كان المسيحيون البروتستانت فى "تولوس" فرنسا غير مسموح لهم بمزاولة مهنة الطب أو المحاماة، أو امتلاك محلات بقالة أو مكتبات، أو حتى مزاولة مهنة المولدات. فى يوم من الأيام، ترك "مارك كالاس" الابن، عائلته وذهب إلى أقرب كوخ ليشنق نفسه.

جاءت الشائعات تتهم "جين كالاس" الأب، البروتستانتي الديانة، بقتل ابنه مارك، بسبب تحوله إلى الكاثوليكية. سرعان ما تم القبض على الأب وباقي العائلة. حكم على الأب، بعد محاكمة سريعة غير عادلة لم يسمع فيها شهود النفي، بالتعذيب والإعدام.

تعرض الأب المسكين لعمليات تعذيب تفوق الوصف. نزعت عظام يديه ورجليه من مفاصلها بآلة خاصة. كان يضرب بقضبان الحديد على صدره لتحطيم ضلوعه. زبانية الجحيم، كانت تراعي بقائه أطول مدة حيا حتى يتجرع من الآلام والعذاب أشده وأقساه. بعد ذلك، تم شنق ما تبقى منه وحرق جثته.

في القرن العشرين وحده، قتل ما بين 80 و 100 مليون نفس قتلا عنيفا. "إيفان الرهيب"، الذي قتل ابنه، أباد سكان ثاني أكبر مدينة في إمبراطوريته. الحرب العالمية الثانية، تسببت في قتل ما يقرب من 50 مليون نفس، ما بين قتل مباشر بالغازات السامة أو بسبب التعذيب أو بالقنابل الذرية.

نحن لا نتحدث عن الرومان أو المغول، وإنما عن جيل شارون وبن لادن وجورج بوش، والأجيال القليلة السابقة له مباشرة. في الواقع، نحن لا نختلف عن الملوك والسلاطين القدامى الذين كانوا يوسطون أعداءهم (أي شطرهم بالسيف من الوسط)، أو بسمل عيونهم بمسمار محمي، أو بخنقهم في السجون الرطبة المظلمة.

لماذا تنفتح شهيتنا على العنف وندمنه؟ هل هناك ضرورة له، حتى نبقى على قيد الحياة؟ وهل حاجتنا للعنف مثل حاجتنا للماء والهواء؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل ورثنا هذه الغريزة عن جدودنا الحيوانات المفترسة؟ أم هو شئ تعلمناه منذ نعومة أظافرنا؟

الإجابة على هذه الأسئلة ليست سهلة. لقد حارت فيها العقول، واختلف فيها علماء النفس والسلوك. حتى العظيم شيكسبير، نجده يتساءل: "هل هناك شئ في الطبيعة، يجعل هذه القلوب مثل الصخر؟"

إننا لا نتحدث عن شئ نظري. إننا نتحدث عن الحياة والموت. عنف الإخوان والتكفيريين، والعنف المضاد من قبل الحكومة، عنف حقيقي. جرائم القتل بسبب العقيدة، أو بسبب السرقة، تزايدت بصورة مقلقة في المجتمع المصري. أسلوب القتل، من الإلقاء من الأدوار العليا للعمارات، إلى الذبح بالسكين والتمثيل بالجثث، أصبح شيئا مثيرا للغثيان.

في الولايات المتحدة، تزايدت جرائم القتل ثلاثة أضعاف في الآونة الأخيرة. 3% من جرائم القتل، ارتكبها آباء ضد أبنائهم. حالات الاغتصاب وضرب الزوجات، ارتفعت بشكل خطير.

في الولايات المتحدة، كل عام، ما يقرب من ثلاثة آلاف زوجة ماتت من ضرب الزوج. 162 ألف إمرأة تم اغتصابهن. 19 ألف شخص تم قتله. مليون ومئة ألف، تم سرقتهم. إننا نعيش في ظل الرعب النووي، الذي قد يقضي علينا جميعا، إذا قامت حرب نووية بين الدول.

هل نحن قد نجحنا حقا في تحويل العنف الحقيقي إلى مجرد مشاهد تليفزيونية وأفلام سينمائية، مثل "إبراهيم الأبيض"؟ لكن تبقى الحقيقة المؤسفة، وهي أنه بالرغم من الحضارة الحديثة التي نعيشها، لازلنا نتربع على عرش المجتمعات التي تعشق العنف والإجرام.

هل يولد الإنسان مسالما، كما يعتقد بعض الناس؟ أم تولد معنا دوافع غريزية لا حيلة لنا فيها؟ دوافع عدوانية غير سوية نرثها أبا عن جد. تدفعنا إلى قتل أنفسنا أو قتل بعضنا البعض. أو تعذيب رفاقنا فى السجون والمعتقلات. وتجعل الحكام يحتكرون السلطة والثروة. والدول القوية تشن الحروب على الدول الضعيفة لنهب ثرواتها وقتل نسائها وأطفالها.

سيجماند فرويد يجد صعوبة فى تفسير مذابح الحرب العالمية الأولى. لذلك هو يفترض وجود غريزة الرغبة فى الموت داخل عقل الإنسان. بسبب قيام الحرب العالمية الثانية، وضرب اليابان بالقنابل الذرية، يعتقد كلا من "كونارد كورنز" و"روبرت آردرى"، أن الإنسان ينحدر من سلالة قاتلة من القرود، تعشق العنف.

بينما هناك آخرون يختلفون فى هذا الرأي. لا يعتقدون أن العنف فى الإنسان شئ غريزي، إنما هو شئ مكتسب. فمثلا جان جاك روسو، يعارض بشدة، ويقول: إن الإنسان طيب وخير بالمولد. لكن فساده يأتي من المجتمع الذي يعيش فيه.

نحن نولد بطبيعتنا أبرياء عطوفين شرفاء لا نعرف الكذب. لكن بغبائنا والتربية الخاطئة والحكومات الفاسدة، نخلق الجحيم على الأرض. أما الآخرين مثل "برندت" و"ميد" و"واتسن" و"سكنر"، فيقولون إن الإنسان يولد على الفطرة. لاهو شرير ولا هو طيب. كما تشكله يتشكل.

بالنسبة لباقي المخلوقات التي تعيش فى جماعات، الحيوان الأكثر شراسة وعدوانية داخل المجموعة، هو أكثرهم وصولا للطعام، وأنجحهم فى الاستئثار بالإناث والإنجاب. لكن فى عصرنا هذا عصر التكنولوجيا والضغط على الزراير، فرصة الإنسان المسالم والمرأة الضعيفة لا تقل فى النجاح عن الإنسان العدواني.

العلم والمعرفة فى هذا العصر، أهم من القوة الغاشمة. بالرغم من أن النساء لازلن تفضلن الرجل القوي، عريض المنكبين، على الرجل الذكي المثقف. هذا يتضح من هيام المرأة الغير ناضجة بأبطال كرة القدم وضباط الجيش والشرطة.

القوة الغاشمة والتهديد باستخدام العنف وإثارة الخوف بين أفراد المجتمع، تعطي المعتدي بعض المزايا. تجعله ينفرد بالولائم والمغانم والثروات والإناث. هذا ما تفعله بالضبط الحكومات والسياسيون . فلكسب التأييد الشعبي، يلجأ الحكام إلى أسلوب التخويف والتحذير من خطر ما.

الإرهاب مثلا كما كان الحال بالنسبة للمحافظين الجدد فى الولايات المتحدة الأمريكية. التخويف من خطر سيطرة الإسلاميين على الحكم، كما هو الحال عندنا. يدفع المواطنين إلى للتفاف حول الحكومة طلبا للحماية.

أُلقيت كمية كبيرة من الموز إلى مجموعة من القرود، تعيش فى مكان منعزل. جاء كبيرهم، القرد القوي المفتري، واستأثر بالكمية كلها. هذا ما فعله عيدي أمين سابقا بالثروة فى أوغندا. وما يفعله الحكام في بلادنا بثروة شعوبنا.

لكن كمية الموز كانت كبيرة، لا يقدر قرد واحد على حمايتها بمفرده. فجاء قرد ثاني وغافله، ثم اختطف صباع موز وفر هاربا. عندما رآه يجري وفي يده شئ أصفر، ترك ما لديه وطمع فى صباع الموز المسروق وجرى خلفه.

حينئذ، وجد قرد ثالث كومة الموز بدون حراسة، فانقض عليها كالصاعقة، يحاول أن يحمل ما يستطيع حمله بسرعة قبل أن يحضر القرد المفتري. مسك بكل يد كمية من الموز، ووضع بعضها فى فمه وتحت إبطيه وجرى بما حمل وهو ينظر خلفه.

حينما أدركه القرد المسيطر، وهو يصرخ ويزمجر غاضبا، حرر اللص إحدى يديه، وربت على رأس القرد المفتري ولسان حاله يقول: لم الغضب. اهدأ فلديك كمية كبيرة تكفيك، لا تستطيع أن تأكلها كلها وحدك. لكن المفتري لم يقتنع، وهجم عليه وهويصرخ ويكشر عن أنيابه. مما أجبره على ترك ما حمل ولاذ بالفرار.

هناك نواعان من استخدام العنف عند الحيوانات التي تعيش فى مجتمعات. النوع الأول، هو عنف يقوم بين مجتمع وآخر. حروب وأسر وسبي واستيلاء ودفاع عن أوطان وممتلكات وخلافه. النوع الثاني يكون بين أفراد المجتمع الواحد، لتحديد الترتيب الإجتماعي للأفراد. كل واحد لازم يعرف حدوده. إنت عارف بتكلم مين.

إذا وضعت مجموعة من الفراريج فى حيز ضيق. فإنها تقوم على الفور بالهجوم على بعضها، بالنقر ونتف الريش وفقع الأعين وإسالة الدماء فى معركة حامية الوطيس. يستمر الحال على هذا المنوال حتى يتحدد المركز الاجتماعي المناسب لكل فروج. أو بالبلدي المريح، كل واحد يعرف مقامه، وأنت عارف بتكلم مين؟

فنجد فى نهاية المعركة، الفروج المفتري صاحب السلطة المطلقة. قد يكون أقرعا أو أعورا، لكنه يستطيع نقر كل الفراريج، ولا يستطيع أن يقترب منه فروج آخر. يليه الفروج الثاني فى سلم السلطة، وهو الفروج الذي يمكنه نقر باقي الدجاج فيما عدا الفروج الأول. وهكذا إلى أن نصل إلى الفروج المسكين، الذي تقوم كل الدواجن بنقره، دون أن يكون فى مقدوره نقر أحد.

المثل الشعبى يقول:"ما يقعد على القور إلّا الفرخ الأعور". العور هنا لا يعني الضعف والعجز، إنما يرمز للقوة والجبروت، ودلالة على خوض الحروب الطاحنة فى سبيل السلطة، مثل موشى ديان.

هذه المعركة ضرورية لاستقرار الأمن الاجتماعي بين الدواجن، متى عرف كل منهم وضعه المناسب بين الرفاق. فالدواجن لا تعرف الديموقراطية، وليس لديها ميثاق اجتماعي وحقوق دواجن شبيهة بحقوق الإنسان. لكن الإنسان المتحضر، وجد بديلا لنظام نقر الدواجن هذا، وأطلق عليه اسم الديموقراطية.

فهل يختلف نظام الحكم فى بلادنا كثيرا عن نظام نقر الدواجن؟ وهل نحن إلا ناقر أو منقور. وهل الفرخ المسكين الذي يُضرب من الجميع، يختلف كثيرا عن الشعب المسكين الواقف فى طوابير العيش؟ ومتى نرتقي في سلم التطور إلى شئ أفضل، ونحكم بنظام لا يشبه نقر الدواجن؟

هذا القانون يسري بين الحيوانات الأخرى التي تعيش فى جماعات. فالأبقار والكباش والماعز، عندما توضع مع بعضها، يحدث لها نفس الشئ. ويحدث أيضا بالنسبة للإنسان إذا لم يقيد بالحضارة والقوانين.

لقد وُجد أن الأطفال الأكثر عدوانية تكون فرصتهم فى النجاح الاجتماعي أكثر من غيرهم. والأطفال الخجولة المستكينة، تكون فى قاع المجتمع فى الكبر.

لكن، ما هو العنف بالضبط؟ وما هي التغيرات البيولوجية التي تعتري الإنسان، فتجعله مسالما في لحظة ما، ومستعدا للقتل في اللحظة التالية؟ ومن أين يأتي الغضب والرغبة في استخدام العنف؟ وأي سلسلة تفاعلات كيميائية داخلنا تسبب الغضب والعنف؟

مخ الإنسان يمر بأربع حالات إثارة: القتال، الهرب، الغذاء، الجنس. عندما تشاهد التليفزيون ثم يأتي وقت الإعلانات وتعرض فطيرة بيزا على الشاشة، تشعر بجوع مفاجئ. وعندما تسير أمامك بدلال، امرأة شابة جميلة في الشارع، والعطر يفوح منها، يتغير استعداد مخك وتتسع حدقتي عينيك وتذداد نبضات قبلك وتأخذ في التخيل.

عندما تشاهد فيلما مرعبا على الشاشة، وعندما يقفذ القاتل من الظلام إلى دائرة الضوء وفي يده الخنجر، تقفذ أنت أيضا من مقعدك. في كل حالة، يكون رد فعلك آنيا سريعا بدون تفكير. العلماء تستطيع الآن تتبع ما يحدث داخل رؤوسنا أثناء هذه الانفعالات.

المعلومات تدخل المخ عن طريق العينين والأذنين والأنف واللمس. عندما يظهر القاتل من وراء الستارة، تستقبل العين صورته وتنقلها خلال العصب البصري إلى جزء في المخ يعرف بالقشرة الجديدة، "نيوكورتكس".

داخل القشرة الجديدة، تتحول صورة القاتل إلي نبضات كهروكيميائية، تنتقل بسرعة 330 قدم في الثانية إلى الذاكرة. داخل الذاكرة، يتم التعرف على هذه النبضات، ومطبقتها بنبضات القتلة.

أيوه، هذه صورة قاتل. في هذه اللحظة، يتم نقل الصورة إلى الجهاز الليمباوي (الجهاز الحوفي)، وهو مركز العواطف، لا القلب كما يعتقد العامة. هنا نجد أن جزءا من المخ يستشير جزءا آخر، ماذا نفعل بهذه الصورة؟ الأحداث هنا تلقائية لا دخل لنا فيها.

داخل الجهاز الليمباوي بالمخ، يوجد جزء اسمه الحصين، "هيبوكامبوس"، في شكل فرس البحر. يقوم بمقارنة نبضات الصورة، بالصور المخزونة سابقا. نعم هذه الصورة تستحق الانتباه. لكن أي نوع من الانتباه؟ هل هو انتباه القتال، أم الفرار، أم الغذاء، أم الجنس؟ لا نعرف بعد.

"الهيبوكامبوس"، عليه أن يستشير في ذلك، اثنين من المستشارين. "أميجدالا" و"سيبتوم". الأول، "أميجدالا"، متخصص في الإثارة الجنسية. الثاني، "سيبتوم"، يعمل على عدم الإثارة الجنسية. "الهيبوكامبوس" يعمل كالقاضي في هذه الحالة. يزن رد فعل كلا منهما لكي يقرر. هنا نبضات الصورة تتحدد على أنها صورة قاتل، لا صورة امرأة جميلة.

ثم ترسل إشارة عن طريق العمود الفقري إلى العضلات وإلى غدد الأدرينالين في وسط الجسم. تبدأ الغدد في ضخ الأدرينالين في الدم فتشعر بالنشاط. تتحفز العضلات، والقلب تتزايد نبضاته. فيضخ كمية أكسوجين زيادة لعضلات بعينها.

لم تمض سوى عدة ثوان منذ مشاهدتك للقاتل على الشاشة أو للمرأة الجذابة. أنت الآن مستعد تمام الاستعداد للقتال أو للهرب أو للغذاء أو للجنس.

كون مراكز الإثارة تتجمع في مكان واحد، يجعلها عرضة لخطأ الاتصال فيما يشبه السيال الكهربي في بعض الأشخاص. فيجعل الفاشل في الحب يفرط في الأكل أو في ممارسة العنف. ويحول العاجز جنسيا إلى قاتل محترف.

مراكز الإثارة في المخ، أشياء موروثة. ساعدت جدودنا على الحياة في الغابة وسط الوحوش الضارية. وما حالات الاغتصاب، ومزج العنف بالجنس، إلا دليلا واضحا على لخبطة تركيبة سلوك المخ الخاصة بالإثارة.

يقول "إي أو ولسون"، الأستاذ بجامعة هارفرد، أن مراكز الإثارة في المخ، هي سبب العنف. هذا هو السبب، في أننا نجد متعة في مشاهدة العنف. وهذا هو السبب في أن الإعلانات، مليئة بصور النساء الجميلات، والإيحاءات الجنسية.

بعض العلماء يذهبون إلى أبعد من ذلك. فيقولون أننا نرث أيضا الميل للعنف. الإنسان عبارة عن حيوان مفترس. منهم الدكتور ماكلين. إذا كان العنف شيئا مكتسبا، فنحن نفعل ما تفعله الحيوانات من عنف. نحن لازلنا حيوانات، نمتلك عقل الحيوانات. لم تؤثر فينا 250 مليون سنة من التطور.

منذ 250 سنة، قبل ظهور أول الثدييات، كانت الزواحف تقاتل لحماية أقاليمها ومناطق نفوذها. الدفاع عن الإقليم أو الوطن، له أهمية، تعادل أهمية القتل من أجل الغذاء أو القتال من أجل الأنثى. كلها أمور لازمة لبقاء النوع.

أثناء هذا الصراع الرهيب من أجل البقاء، تطور مخ الزواحف وأصبح مبرمجا على العنف. هذه البرمجة، كما يقول ماكلين، لاتزال داخل رؤوسنا. تقودنا إلى العنف والعدوانية.

لكن، هل الإنسان حقا عدواني، كما يقول ماكلين، مثل زوج من ذكور الثعابين تتقاتل فوق الصخور من أجل منطقة نفوذ، أو من أجل أنثى ؟ ليس بالضبط. فالثعابين أكثر تحضرا مما نظن. الثعابين في قتالها، تسلك سلوك الفرسان النبلاء، أيام "كاميلوت" والملك "آرثر" أو صلاح الدين الأيوبي.

قتال الثعابين، يحدث بهدف اختبار القوة، لا رغبة في القتل. كل منها يختبر قوة خصمه أثناء الصراع. عندما يشعر أحدهما بقوة خصمه، وأنه غير قادر على هزيمته، يرفع راية الاستسلام، ويبدي علامات الهزيمة.

فيقوم المنتصر بإفساح مكان له للهرب بدون ضرر. إذا كانت الثعابين سامة، فهي تتصارع دون أن تفكر في استخدام أنيابها السامة في القتال. صراع الزواحف، صراع غير مميت. وياريت كان صراع الإنسان مع أخيه الإنسان، مثل صراع الزواحف.

منذ 180 مليون سنة، انفصل نوع من الزواحف وتطور إلى نوع جديد من الحيوانات تعرف بالثدييات. طفل الثدييات عند الولادة، يعرف جزءا صغيرا مما يعرفه البالغ. بعكس طفل الزواحف، الذي يولد وهو يعرف كل شئ.

يولد طفل الثدييات وهو عاجز تماما، لا يستطيع الدفاع عن نفسه. مما يجعله عرضة لافتراس الحيوانات الأخرى. هنا يأتي نوع جديد من العنف. وهو عنف الدفاع عن الأولاد. طول المدة اللازمة لحماية الأطفال، خلق مفهوم الأسرة. ومفهوم الأسرة، خلق مفهوم الغرباء. نحن وهم. الإخوان عندما كونوا جماعة، أصبحوا معزولين ومختلفين عن باقي المجتمع.

القرود لديها نوعان من العنف. عنف يستخدم داخل العائلة، وعنف آخر يختلف تماما، يستخدم ضد الغرباء. العنف داخل الأسرة، هو أقرب للطقوس والروتين. يستخدم للفوز بالأنثي والحصول على الطعام أو لتحديد المركز الاجتماعي.

هو في الواقع عنف بكش، وبرطمة وتهويش وصراخ ورقص وتهديد، أكثر منه عنف حقيقي. مثل عنف الأب أو الأم على الأولاد حتى يتركوا التليفزيون ويبدأوا الاستذكار. لكن بالنسبة للغرباء، فالأمر يختلف.

لمدة طويلة، كان العلماء يعتقدون أن الثدييات، أي التي تلد وترضع، هي حيوانات مسالمة، لا تقتل إلا إذا كانت جائعة. لكن "جين جودال"، عام 1975م، اكتشفت أثناء دراستها للشمبانزي في تانزانيا، شيئا مختلفا.

في أحد الأيام، وبدون سابق إنذار، انفصلت مجموعة صغيرة من الشمبانزي عن المجموعة الكبيرة، واختارت لنفسها مكانا قصيا في الغابة. ظلت "جين جودال" تراقب المجموعة الصغيرة، فوجدت خمسة من أعضائها، تقترب خلسة من المجموعة الكبيرة، وتستفرط بأحد أفرادها وحده وتقوم بسرقته وضربه وعضه لمدة 20 دقيقة متواصلة. بعد ذلك، اختفى الشمبانزي المعتدى عليه.

بعد ذلك، في غضون شهر واحد، تعرض فرد آخر من المجموعة الكبيرة، للضرب والعض من شلة البلطجية الخمسة من المجموعة الصغيرة. ثم اختفى هو الآخر. ظل الأمر كذلك، و"جين جودال" تراقب هذه الأحداث لمدة ثلاث سنوات كاملة، والمجموعة الكبيرة تفقد أعضاءها، واحدا بعد الآخر بهذه الطريقة، إلى أن أبيدت المجموعة عن آخرها.

اكتشفت "جين جودال" شيئا أكثر إثارة من ذلك. وجدت إحدى أمهات الشمبانزي، تقوم بقتل أطفال الشمبانزي، وأكلها أمام أمهاتها. وكانت الشمبانزي الأخريات، يتوسلن للمشاركة في هذه الوليمة العظيمة.

عندما أنجبت ابنة الشمبانزي القاتلة طفلا، أخفته عن جدته لمدة أسبوعين، خوفا من أن تفترسه الجدة المتوحشة. لم ينج من أطفال هذه المجموعة، أثناء فترة المراقبة التي استمرت ثلاث سنوات، إلا طفل واحد.

لم يعد الإنسان وحده، هو الكائن الذي يقتل أبناء جنسه. الشمبانزي، أقرب الكائنات إلينا في شجرة التطور، هو أيضا لديه هذه المكرمة. دراسات على قرود البابون في شرق أفريقيا، أيدت هذه الحقيقة. لكن بالنسبة لباقي الثدييات، لم يثبت حتى الآن أنها تقتل أبناء جنسها، إلا بالنسبة للدب الذي يقتل أولاده، والأسد الذي يقتل أولاد غيره.

لكن يبقى السؤال، هل العنف لدى الإنسان، شئ لا إرادي لا حيلة لنا فيه؟ لحسن الحظ، كل أنشطة المخ، فيما عدا الانعكاسات اللإرادية، مثل ضربات القلب والتنفس، تمر بجزء المخ الخاص بالإنسان،"نيوكورتكس"، الذي له الكلمة العليا.

هل يمكن التحكم في غريزة العنف داخل كل منا، لكي نصبح "دكتور جيكل ومستر هايد" في نفس الجسد؟ وكيف نفعل ذلك؟ لا نريد التخلص من استخدام العنف كلية، وإلا كيف ندافع عن حياتنا وأوطاننا؟

العنف في كلمات قليلة، كما يقول "ويلسون"، هو ناتج عوامل بيولوجية موروثة، وعوامل اجتماعية مكتسبة(التربية والتعليم والمجتمع والعادات، إلخ). الإنسان لم يولد لكي يكون عنيفا. إنما التربية والمجتمع والأفكار الخاطئة، هي التي تجعله عنيفا متطرفا، مستعدا لتفجير نفسه والمجتمع حوله.

لكي يبرهن "مونتاجو"، على صحة هذه المقولة، أعطانا كمثال قبيلتين بدائيتين. الأولى قبيلة "كونج" في أفريقيا، والأخرى قبيلة "يانومامو"، من الهنود الحمر. قبيلة "كونج"، قبيلة مسالمة تنبذ العنف. تحل مشاكلها بهدوء بدون اللجوء للعنف. لا تعرف الحرب أو القسوة.

على النقيض، نجد قبيلة "يانومامو"، تعشق العنف. رجالها مقاتلون أشداء. يربون أولادهم على أن الرجولة لا تكتمل، إلا بعد أن تقاتل وتخدع وتقتل. لذلك يعلمون أولادهم طرق القتل، كشئ ضروري لحياة القبيلة، مثل الصيد تماما.

"الكونج" و"اليانومامو" في المجتمعات، مثل "دكتور جيكل" و"مستر هايد" في الإنسان. جانب مشرق وجانب معتم. إذا كان "الكونج" قد اختاروا أن يعيشون في سلام، ينبذون العنف والحروب، فنحن نستطيع ذلك أيضا. قبيلة اختارت أن تروض العنف وتعيش بدونه، والقبيلة الأخرى اختارت أن تنمي العنف وتعيش به، وتربي أطفالها عليه. مسألة خيار فقط.

لكن، ما هو خيارنا نحن. وأي قيم نربي أولادنا عليها. أم نتركهم للدعاة ومشايخ وأمراء التكفير، لكي يملئون روسهم بفتاوي التكفير والعنف وجلد الذات والاغتراب والهوس الديني؟

وما هو تأثير العنف في التليفزيون والسينما على أولادنا؟ الأبحاث التي قامت في الولايات المتحدة، تشير إلى أن العنف في التليفزيون، هو سبب ازدياد الجرائم بصورة مريعة. الأطفال الذين يشاهدون العنف في البرامج حتى سن الثمانية، هم أنفسهم الذين يقترفون أبشع الجرائم قبل أن يصلوا لسن الثلاثين.

منذ عام 1950م وحتى 1980م، الطفل الأمريكي قبل أن يصل إلى سن 11 سنة، يكون قد شاهد 18 ألف جريمة قتل أو سرقة أو اغتصاب على الشاشة. ويكون قد شاهد نصف مليون إعلان لشراء سلع استهلاكية.

هذه الإعلانات تشعره بالفشل والإحباط، لأنه ليس لديه ما لدى الغير. وأن الحياة لا تطاق بدون الحصول على هذه السلع بأسلوب أو بآخر. وأصبحت السلعة أهم من وسيلة الحصول عليها. كما أن الأخبار تهتم بالجرائم أكثر من أي شئ آخر. وكذلك الرسوم المتحركة لا تخلوا من العنف.

الطفل بصفة عامة، يتعلم عن طريق التقليد الأعمى. العنف أمامه يبدو كأنه شئ حقيقي يحدث باستمرار. لذلك الدعوة لارتكاب الجرائم تكون شئ طبيعي يحدث كل يوم.

موضوع العنف في التليفزيون يستحق اهتمام المسؤولين أكثر من ذلك. وكذلك برامج التربية والتعليم، يجب إعادة تقييمها على أسس علمية سليمة، وأيضا الخطاب الديني، يجب مراجعته، إذا أردنا حقا القضاء على العنف في بلادنا التي أصبحت مثل قبيلة "يانومامو" الهندية.
zakaria@att.net