حَمَل وذئاب

، بقلم يونس البوتكمانتي

ضباب يرخي أجنحته على مهل.. يعانق الجبال.. يحتضن قرى الريف ومداشره المتعبة بالعزلة والنسيان.. الأطيار أعلنت على نفسها حضر التحليق.. كويرات الصباح البيضاء، الذي سيولد كجنين، تزاحم سوداء الليل، الذي يقضي رويدا رويدا كشيخ بلغ أرذل العمر..
الطريق التي يسلكها محسن، من بيت "سيده" إلى سقاية الدوار، موحلة طيلة موسم الشتاء. يقود عربة يدوية حديدية تفوقه وزنا وحجما، تحتضن في جوفها ما يقارب العشرين قارورة من فئة الخمس لترات.. يتوقف بين الحين والآخر لينفخ في راحتي كفيه عساهما تنتفعان مما يختزنه جسمه الضئيل من حرارة.. قلت في قرارة نفسي: "مدفأة بشرية..!!" يُسمع تصايح لديكة، فيذوب أهل السماء والأرض في خشوع أزلي.. رائحة الموت تجوس خلال الديار..
تنجلي غشاوة النوم، وظلام الليل عن عينيه ، فيلحظ أقدام رجل أو ربما طفل مثله مر قبله من نفس الطريق.. تمتم: "الناس سباقون إلى كل شيء، حتى إلى الشقاء!!" يحاول أن يتذكر خاطرة أو ذكرى مسلية فلا يجد في متاهات مخيلته غير الآلام القاسية والآمال الزائفة.. يسلي نفسه بوريقات الأشجار والأعشاب التي يثقلها ماء الطل.. يتخيلها تنحني له، و لمن يسكن جوارها من المنسيين والمغربين..
يفك أغطية القوارير غطاء تلو الآخر، يملؤها من صنبور متهالك سئم حياة البؤس والقسوة.. تخيله يكلمه ويقول: "بكّرت لتقاسمني ما أنا عليه.. حسبتني في نعيم!!" ينفلت غطاء من يده المتجمدة.. ينحني إليه ليلتقطه، رياح غربية خفيفة ترسل سهام برد إلى أجساد البؤساء.. تتطاير إليه خيوط من ماء الصنبور، فتزيد قدميه ويديه العاريتين تجمدا.. ألقى نظرة خاطفة على قاع الغطاء متأكدا من نظافته، تراءى له وجه عمه الجيلالي.. سافر به الوجه إلى مسقط رأسه.. تذكره بالشارب الكثيف والكرش البارزة والهيأة البغيضة.. قال بصوت شبه جهوري: "تفو على..." تمر قدام عينيه صورته وهو ينصح أباه حين لمحا محسنا يتقدم إليهما حاملا محفظته المدرسية المهترئة:
- أرسلْ هذا العجل ليدبر أمور حياتك وحياته.. إن أبقيت عليه هنا، صار ثورا لا تقدر على ترويضه..
لحظ محسن أباه يرمق عمه:
- ألا تراه.. مازال صبيا يدرس.
- درسوا قبله.. ذهبوا حتى فاس فما جنوا شيئا..
الخبث تشي به عينيه.. ربت على كتفه، وأضاف:
- أهل المدن سبقونا إلى الدراسة والعلم. أما نحن، هنا بالبادية، ما زلنا، يا أخي، نتخبط في الأوحال وفي روث الثيران.. أرسله للعمل ليشحذ عقله وجسمه..
فكر الوالد برهة، وسأل:
- إلى أين..؟
- مع ولْد علي.. سمعت أباه يقول أن الناس في الريف يطلبون الأطفال لخدمتهم..
- الفتى مازال، آ الجيلالي، رخوا لا يقدر على "تَمَارَا"..
ابتسم الجيلالي ابتسامة ساخرة خبيثة، وقال:
- كما قلت.. مازال فتى.. اغتنم الفرصة ما دمت قادرا على التحكم في أموره.. إذا اشتدت سواعده، ستحار معه، وستلعن اليوم الذي لم تسمع فيه لكلامي.. وتبصق في وجه اليوم الذي فكرت فيه في الزواج..
نظر أب محسن وبصر.. فكر وتأمل.. ضرب الأخماس في أسداس، وقال:
- أُرسله إلى فقيه ليحفظ القرآن.. عساه يصير إماما..
زفر الجيلالي بقوة، وقال وهو يغادر مكانه:
- أنا.. أسديت إليك نصحي.. أنت اعمل ما تمليه عليك قريحتك..إيه.. وسترى مع مرور الزمن..
سبه محسن بصمت.. لعنه وبصق على كل جوارحه.. هوى عليه بهراوة، في خياله، وشق رأسه..
هرع نحو قواريره المملوءة.. صفها في أحضان عربته اليدوية.. صفعته يد برد قارس على خده الأيمن.. أعطاها خده الأيسر.. انطلق راجعا إلى البيت مهرولا، فلا شك سيده مزيان حمادي سيمطره بسيول من السباب والشتم.. ولا شك أنه يعوي الآن بالبيت:
- أمازال هذا النذل لم يعد بعد.. متى تراه يخرج القطيع.. أووه.. حتى تستقر الشمس في قلب السماء..
يرد عليه محسن أحيانا في سره:
- مهلا..مهلا يا عمي مزيان، فالشمس لم تطلع بعد.. ولن تبلغ قلب السماء حتى تبلغ روحي حافة الموت وتعود..!!