ثَلَاثٌ وعُشرون قاطرةً

، بقلم عبد الرحمان مقلد

تحملتُ ضعفي ودخنتُ هذا الهواءَ
وقلتُ كرهتُ طمأنينةً فى عيونِ الحكيماتِ
لا أتحملُ ضيقَ المكانِ
ولا حرفيةَ باعوضِه فى اختبارِ دمي
وكرهتُ معاملةَ الناسِ لى
كخيالِ مخرفة
تعبتُ من الحدقاتِ التى تتوجَه نحوى
تعبتُ من اليرقاتِ تضيقُ علىَّ
أدَوِّرُ عن حادثات مررتُ بها
لأفرَّ وأهربَ منهم
وأذكرُ أنى الوحيدُ
الذى غادرَ المدنَ الساحليةَ للبحرِ
قبل انتشارِ الطاعونِ بها
أهلُوها طاردونى فغادرتُها
من ثلاث وعشرينَ قاطرةً
فحيتُ بذاكرة عذبة
تعلمتُ أن أختفى لأبينَ
وأن أتمشى لأسرعَ
أن أرتخى لأحسَّ بسرعةِ نبضى
وأن أُشبه الببغاءَ
أكررُ ما أسمعُ:
الأرض منبعج قطرُها فى الشمال
لأن ثقيلا تمدد لم تحتمله فمالت
أكررُ ما أسمعُ:
العبقرىُ زميلُ الدراسة جنَّ
لأن أخاه اختفى فى المياه
ولم يستطعْ أن يمدَّ يديه له
حزمةُ القشِ لم يحتملْ ثقلَها جدُنا
فأصيب بغيبوبة لم يفقْ بعدُ منها
حبيبةُ حوزى قريتنا غادرته
فمالَ على بغله وبكى
 
أكترى شمعدانا يضىء لى الأرض
أدخلُ فى خيمةِ لعجوز
تغيبُ ملامحُها
يطلعُ الحكىُ
من حكة لعجوز تقصُّ:
تشققتُ فى البردِ
هذا دمى يتيبسُ
لم تدخلِ الشمسُ دارتنا
منذ غادرها رجلى
حاملًا قوسَه
ماسحَا عتبَ البيتِ بى
أتشبثُ:
لا تتركنْ زوجةً وبنين وبيتًا
لليل طويل وسَهَارَة
وفتيل يَقلُّ مع الوقتِ
لا تتركنْ زوجةً وبنينَ وبيتَا
سوف تقتلُ يا رجلى
وأموتُ من الحزن والبرد..
 
لا أتتبعُ أثرى
فقط أشترى شمعدانًا يضىءُ لىَ الأرضَ
أو أشترى برتقالاً
أقشرَه وأغنى على ساحلِ البحرِ
لا أتذكرُ كم ساعة قدماى
تشققَتا فى غيابى عن الوعى
 
صدقتُ قلبى فأرشدنى
أن أغيرَ واجهتى وأتوه
أُدَوِرُ عن أرضِ قومِ
وعن كائناتِ تَرانى كما أشتهى
وإناثِ تؤججُ رغبتَها بالصياحِ
ومستنقع يتألفُ فيه الفراشُ
وقلت أحِّفظُ شِعرى
لزوجين من ضفدع
عند مطلعِ هذا النهارِ
لكى تسمعَ الكائناتُ صداه
وقلتُ سأودعه فى زجاجةِ خمر
وأقذفها فى اتساع يدىَّ من البحرِ
يحملُه الموجُ
قد يتصادفُ أن يتعلقَ
فى شَبكِ الصيدِ
أو فى عباءةِ بحارة
أو ربما تَتَسلى به ترسةٌ
 
وصدقتُ قلبى فأرشدنى
أن أحبَ فتاةَ
فأغريتُها بالحياة معى
قلتُ تنفعنى فى ممارسةِ الصمتِ
وتشبهنُى فى طبيعةِ حزنى
فألفت 6 قصائد فيها
وشبهتًها بالندى والتوابلِ
لم أمتلكْ غير ذلك من أدواتِ البلاغةِ
قلتُ أحبك
أهديتُها وردةً وثلاثةَ كتب
ولكنها لم تشأ أن تعانقنى
فى النهايةِ صَادقتُ بنتَا
وأغريتُها بالحياةِ معى
قلتُ سوف أكوِّن كوخًا
من العشبِ أسفل شجرةِ سرو
ولكنها لم تشأ أن تصارحَنى
أننى لا أناسبُها فاختفتْ
وندمتْ ثلاثا وعشرين قاطرة
وبقيتُ أدندنٌ:
لا أحدٌ يا ابن آدم يهواك
لا أحدٌ ينتمى للطبيعةِ مثلك
أنت الذى لا تناسبُه التكنولوجيا
وأنت الذى يتبسطُ كالحيوانِ
إن خفتَ تقطنُ كهفًا
إذا أعجبتك فتاةٌ
تصفرُ
تهذي إذا غاضَبتك
ولم تنزلِ النهرَ فى الفجرِ
 
منذ ثلاث وعشرين قاطرةً
لم أنمْ مطمئناً
ولم أتخلصْ من الخوفِ
أيتها القسماتُ وأيتها الأرضُ
لا أتغيرُ فى الحُلمِ بل فى الحقيقة
أرصدُنى ساعةً أتربصُ بالنملِ
أقتلُ واحدةً لأبدلَ من شهوةِ القتلِ عندى
فأهدأُ
 
أسرقُ نصفَ رغيف من الجارِ
أصعدُ نخلته
أقطفُ التينَ ثم أفرُ
وأسخرُ من عتباتِ الفضيلةِ والصدقِ
أكذبُ:
إن أبى ليس فى البيت يا أيها الدائنون
وليس ينامُ بخزَّانةِ القمحِ
ينتظرُ الموتَ
لا تقتلوه ولا تقتلونا
ويا أيها الدائنون
تغيرت القسماتُ وأصبحتُ أعمى
فلا تَعبثوا بالديارِ
وصرتُ حكيماً يؤرخُ
ما شاهدته النوافذُ والولدُ المطمئنُ
ومرتْ عليه ثلاثٌ وعشرون قاطرة
 
حين سجنتُ عرفتُ الحقيقةِ فى شكلِها
وصاحبتُ حزنى وضعفى وصمتى
الحياةُ تملكتُها بيدىّ
فصاحبتُ سجنى وصرتُ أعرفه
السقفُ لحظةُ كشفِ
وطاقةُ روح تفتَّحُ
هذا البَلاطُ سريرى وحاضنُ أضلعى
الحوائطُ كَونى
الذى ينبغى أن أجاوزه بالخيالِ
تمنيتُ خارج سجنى
القناديلُ تسطعُ
والعثراتُ تقلُّ
الصبايا يغازلن صبيةَ أحيائِهن
النباتاتُ تنمو
(تمنيتُ أن تتخلى بلادى عن الموتِ
أن تتبسمَ فى وجه أعدائها)
 
أيها القسماتُ تغيرتُ فى الحلمِ
لا فى الحقيقيةِ
يوجعنى جانبى الأيمنُ
رأسى تفجرَ من قلةِ النومِ
والقسوةُ العائليةُ لا تمنحُ الواحدَ
الوقتَ حتى يموت
 
ثلاث وعشرين قاطرة عشتُ فيها
ونادمتُ أصحابَها
وأكلتُ طَعامَهمُ
وشربتُ سوائلهم
 
ثلاث وعشرين قاطرة
غادرتْ للشمالِ وودعتُها
وسقطتُ بضربةِ فأس
لأنتظرَ القاطراتِ الجديدةَ
ها أنا ذا أتسلى بجمعِ الثمارِ
التى تتساقطُ من شجرِ التوتِ
عند المحطةِ
منذ ثلاث وعشرين قاطرة
لم يمرْ سواها..