ميراث الريح

، بقلم رضا سليمان

فى اعتقادى، و أحسبه فى اعتقاد الكثير غيرى، أن مقياس نجاح أى عمل فنى هو جماهيرية هذا العمل، أى عمل فنى أيها السادة ما هو إلا عملا يتم تنفيذه من أجل الجماهير و طبيعى جدا أن يكون ترمومتر نجاح و فشل هذا العمل هؤلاء الجماهير و أنا شخصيا أختلف مع الكثير من المتخصصين الذين يجلسون لمشاهدة العمل من زاوية رؤية خاصة بهم، أى رؤية متخصصة فاحصة متجاهلين فى ذلك الجمهور العادى الذى يميل أحيانا نحو الثقافة و أحايين أخرى كثيرة نحو السطحية.

هدفى هنا كرجل يقدم عملا فنيا يحمل رسالة هو ببساطة الوصول إلى الجماهير مجتمعة و التأثير فيهم من خلال رسالتى الفنية و تغيير كل أو جزء من أفكارهم.

أما أن أقدم عملا و إن كان شكلا جميلا و لكنه فى نفس اللحظة لا يحقق المطلوب و هو الوصول إلى الجماهير فهذا ما أعتبره فشلا منذ اللحظة الأولى.

هذا ما استشعرته من بداية عرض مسرحية ميراث الريح على مسرح ميامى و " ميراث الريح" مأخوذة عن نص لجيروم لورانس وروبرت إي لي، وهي من إخراج طارق الدويري، وبطولة أحمد فؤاد سليم وأشرف عبد الغفور وعدد من الوجوه الشابة وديكور محمد جابر.

العمل عبارة عن فذلكة و استعراض عضلات فنية على الجماهير القليلة جدا التى كانت موجودة فى الصالة. فأتت الحركة كثيرة و متداخلة بعيدة تماما عن التعبير المطلوب توصيلة أو أنها كانت أكثر تعقيدا من أن تفهم ببساطة، و هذا يٌعد فى حد ذاته أحد العيوب الفنية، بساطة وصولك إلى المتلقى هى عبقرية، أنت تعرض عملا فنيا للجماهير و ليس للمتخصصين، أنت تعرض عملا فنيا للتثقيف و الامتاع و ليس لمتلقى عليه أن يذهب خلف الأحاجى و الألغاز ومحاولة فك طلاسم الحركة و الموسيقى و الإضاءة.

هناك عدد من المتخصصين يقفون أمام مثل تلك الأعمال مستخرجين منها نظريات و فلسفات و أبعاد ثنائية وثلاثية محاولين إضفاء العبقرية على العمل و الارتقاء به إلى العالمية و ذلك خشية أن يٌقال عليهم أنهم لم يفهموا العمل، و رغبة فى أن يقال عنهم أنهم يمتلكون تلك العقلية المتخصصة التى استخرجت من هذا العمل أو ذاك كنوزه. أنا ضد هذه الفكرة تماما، فعدم استشعارى بجودة العمل و أنا شخص من الجماهير أجلس بينهم و أشعر بضجرهم يجعلنى أقول مباشرة أن العمل المسرحى ميراث الريح لم يجذبنى لحظة بل بالعكس جعلنى أبحث عن أى مهرب للخروج من ذلك الجو الكئيب الذى زاده كآبة الإلحاح على الفكرة البسيطة جدا التى يدور حولها العمل و هى تجار الدين فى مواجهة أصحاب المنطق حتى إن أهالى المدينة الذين يتكدسون على المسرح تارة و بين الجماهير تارة أخرى بشكل ممل يصيحون باستمرار لعرض سلعهم و التى على رأسها النصوص المقدسة.

العمل مزج بشكل مقبول بين العامية و الفصحى وفى الأعمال المترجمة أشفق على المتلقى من الأسماء الأجنبية الغريبة على الأذن فيا ليتهم قاموا بتعريب الأسماء للتقريب فالعمل لا ينقصه تغريب و ابتعاد عن الجماهير.
لم يتم استخدام الفنانين الاستخدام الأمثل و توظيفهم فنيا و فى نفس الوقت لم تتم بروزة و إظهار الجمل و الايفهات على قلتها بالاضافة إلى ذلك الفارق الرهيب بين حركة الجموع على المسرح التى كان فيها مبالغة مستمرة من خلال الحركة العنيفة و بين حركة النجوم الذين وقفوا أو تحركوا على المسرح بهدوء فى حين كانت الأنظار مسلطة عليهم بطبيعة الحال.

عفوا أيها الفنان القدير أشرف عبد الغفور و الفنان القدير أحمد فؤاد سليم و الفنان خالد الذهبى مدير المسرح، عفوا أيها السادة، فأنا فى مثل هذه المساحة كتبت سعيدا عن عرض المحروس و المحروسة الذى تم تقديمه على هذا المسرح بطولة سوسن بدر و أحمد راتب و أنا اليوم أقول لكم: لقد انتظر العدد القليل جدا من الجماهير أى فرصة للهروب من الصالة و ما إن أتت الاستراحة التى لم يعلم أحد أنها استراحة حتى فروا هاربين و لم يكملوا مشاهدة العرض حتى نهايته.
أشفقت على الجماهير التى نسعى بكل الأشكال إلى توجيهها إلى مسارح الدولة فعمل مثل هذا يبعدهم كثيرا عن مسارح الدولة. و أنا كمتلقى و أحد الجماهير عندما أشاهد عملا فنيا مميزا أنصح كل الأصدقاء بالذهاب لمشاهدته و أمام عمل مثل هذا النصيحة الوحيدة و التى تقتضيها الأمانة هى أننى لن أوجه أحد مطلقا لمشاهدة هذا العمل " ميراث الريح " بل بالعكس أطالب السادة المسئولين فى البيت الفنى بإيقاف هذا العمل فورا لأنه يعد إهدارا حقيقيا للمال العام و تجهيلا متعمد للجماهير من خلال إبعادهم عن مسارح الدولة.

أخيرا.. لماذا تلك العقدة المستمرة فى تمصير الأعمال الأجنبية و إهمال متعمد للكاتب المصرى و الكاتب العربى. إنها عقدة الخواجة التى لن تتركنا أبدا و التى لن تجعلنا نتيح الفرصة لأجيال من الكتاب تنمو يوما بعد يوم كما كان المسرح فى فترة تألقه فى الستينات حينما كان يقدم أعمالا هادفه مفهومة تحمل رسالة قومية لكتاب مصريين، نحن أيها السادة لا نطلب المستحيل إننا نطلب الوضوح و أن تكون الرسالة مباشرة أو غير مباشرة متفقة مع عقول الجماهير.

البيت الفنى عليه أن يصدر قرارا فى هذه المرحلة المهمة من تاريخ مصر بأن تكون الأعمال لكتاب مصريين يعبرون عن المرحلة و يوجهون رسالة إلى المتلقى تضمن دمجه فى المرحلة الثقافية الحالية.