التطرف... والأصولية..لم يرحما الفن الأدبي علي نسر

يشغل مصطلحا التطرف والأصولية وما يتفرع منهما وضدهما من أيديولوجيات، مساحةً واسعة من كتابات المفكرين والكتّاب والمؤرخين، نظرا الى هيمنتهما على الساحة الكونية بالقوة والفعل...وهناك من يرى أنهما يصبّان في بحيرة المعنى الواحد، بينما يرى آخرون أنّ الأصولية شيء والتطرف شيء آخر، وهذا الأخير هو الأكثر خطورة. وبالفعل فإنّ الأصولية قد لا تكون عاملَ خطرٍ على الوجود بالمعنى العربي للكلمة، ولكنها حسب معناها الغربي، حيث ولادتها الأصلية، تعني التطرف بكل ما يحمله من معنى وهو مرفوض لدى المتنورين من الشعوب الشرقية والغربية، فمصطلح الأصولية بالمعنى الخطير قد أُسقط اسقاطا على ثقافتنا وتفكيرنا، وليس له جذر في اللغة العربية بالمعنى المتداول أي التطرف، إذ إنّ لكل شيء أصولا وهذا ليس تهمة..وأكثر ما التصقت تهمة الأصولية - بمعنى التطرف وليس بمعناها الايجابي- بالحركات الاسلامية المتطرفة والتي تعمل على الغاء الآخر الذي لا يوافقها آراءها وطروحها، بينما نجد اصوليات أخرى يطبّق عليها المعنى والمصطلح أنفسهما وهو التطرف، كالتطرف القومي أو الماركسي أو الليبرالي أيضا، إذ لا بد من أن ينغلق المرء ويتقوقع وهو يرفع شعار اللاتطرف واللاتقوقع، وهذا ما تنبه اليه جبران خليل جبران في قوله:"والحرُّ في الأرض يبني من منازعه/سجنا له وهو لا يدري فيؤتسرُ". فتثبت التجارب وخصوصا في عالمنا العربي أن هذه الأيديولوجيات تعاملت مع خصومها في الفكر والرأي كما تعامل أصحاب الطرح الديني في أوروبا سابقا وفي بلادنا منذ نصف قرن حتى اليوم على الأقل، عبر الالغاء وتشريع كل وسائل الاقصاء وصولا الى العنف.
هذا من الناحية الفكرية والسياسية والاجتماعية، أما على الصعيد الفني، والأدبي خصوصا، فلا بد من انعكاس هذه الظاهرة في الأدب ابداعا ونقدا، خصوصا أن الأدب يدخل في مكونات البنية الفوقية التي يحددها ماركس والتي تستجيب لحركة البنية التحتية وما فيها من علاقات اجتماعية واقتصادية وما له علاقة بعوامل الانتاج وما شابه ذلك.. فقد وصلت الأصولية بمعناها السلبي أي التطرف الى تخوم الكتابات الأدبية شعرا ونثرا، وهذا أمر مسوّغ لأن الفكر يحدده الواقع والوجود الاجتماعي، وينعكس في انتاجات اصحابه...فهناك تجارب عديدة أثبتها التاريخ الأدبي قديما وحديثا تثبت انتقال عدوى التطرف أو الأصولية بمعناها السلبي الى النتاجات الأدبية، إذ غالبا ما أسقط الأدباء والنقاد على كتاباتهم قوالب فكرية وأيديولوجية جاهزة محاولين ترويجها على أساس أنها الحقائق الوحيدة الجانب، فقالت الأيديولوجيا المتطرفة أحيانا قولها في الشعراء والروائيين، فأسقطت النصوص وأسقطت أصحابها، إذ لم يستطع بعض هؤلاء التوفيق بين الفنية والطرح الأيديولوجي فاستحالت أعمالهم مراجل تنضح وتغص بالآراء والأفكار على حساب التقنيات الفنية وتحولت الى كتل وعظية ومنبر استغله اصحابه لترويج طروحهم الفكرية الجاهزة في قوالب سابقة، وقد لا يكون في هذا خطأ إلا في فرض تلك الأفكار فرضا فيه الكثير من التطرف، ما يؤدي الى التجني على العمل الفني ومن لا يتفق مع مثل هذه الأفكار اذ لا بد أن يقابلها بالرفض أيضا وهذا يدخل في باب النقد كما سنشير لاحقا...وما سيشار اليه من نماذج يدخل في باب المثال وليس الحصر.....فقد كان لتجربة الشاعر الكبير بدر شاكر السياب ما يدل على ما نقوله، إذ تحولت بعض قصائده الى صفحات وتقارير شبه سياسية وذلك عندما كتبها في أثناء مرحلة التزامه الماركسية...وكذلك حصل مع الروائي حيدر حيدر في بعض تجاربه خصوصا في روايته الاشكالية (وليمة لأعشاب البحر) التي وصل فيها الى حد التطرف الاصولي الماركسي، إذ رفض كل ما لا يتفق مع وجهة نظر الشخصيات الأساس القائلة والناطقة بأيديولوجيته، وراح يعمل على ترويج أفكار ماركسية في مجتمع غير مؤهل لمثل هذه الطروح، منقلبا على مبدأ ماركس الأساس القائل بأن الأفكار لا تُسقط اسقاطا انما عبر الممارسة او ما يعرف بـ(البراكسيس)، والأصولي المتطرف اول ما ينقلب ينقلب على اصحابه...وكذلك حصل مع بعض تجارب جبرا ابراهيم جبرا الذي تطرف في بعض رواياته ليبراليا هذه المرة إذ حاول أن ينشر أفكارا استقاها من العالم الغربي ناسيا أن المجتمع العربي لم يكن مستعدا لاستيعاب هذه الأفكار بعد، فراح يسخط على التخلف العربي اجتماعيا وسياسيا وفكريا...وكذلك حصل مع البياتي ومظفر النواب والكثيرين من الأدباء والمبدعين في مراحل مختلفة خصوصا في مرحلة ما عرف بالحداثة...ورغم خطورة ذلك على الناحية الأدبية الابداعية، فإن هذا يبقى سهلا امام التطرف في العمل النقدي أحيانا، إذ يشكل النقد كتابة أخرى للعمل الأصلي الذي يبقى ثابتا وتختلف حوله القراءات وهذه وصية من الامام علي حين قال: القرآن قول مسطور لا ينطق بنفسه بل يحتاج الى رجال.. ولكن يجب أن يكونوا رجالا أوفياء للنص لا تحركهم غرائزهم الفكرية ليصبحوا اصوليين متطرفين في الحكم على النص...والتطرف في النقد يجني على العمل الابداعي، فينظر اليه كما ينظر المتطرفون سياسيا واجتماعيا، فيحكمون على من لا يتفق معهم بالرفض والالغاء، ويعلون من شأن ما لا يستحق الاعلاء، فتقول الأيديولوجيا في الناقد على انها الحقيقة الوحيدة الجانب ايضا، فلا يرى الناقد في النص سوى ما يقوله منهجه، مسقطا أحكاما مسبقة ومبادئ قبْلية، فيسقط الابداعي من النص لمجرد انه لا يقول قوله او يشوه الحقيقة حفاظا على الايديولوجيا التي يؤمن بها. والامثلة كثيرة أيضا، فبتطرف اصولي ماركسي تعامل الناقد والمفكر حسين مروة مع بعض مسرحيات توفيق الحكيم خصوصا (الطعام لكل فم)، إذ جنى على بعض جوانبها الفنية لأن محتواها لا يتفق مع النظرة الاقتصادية الماركسية، وكذلك فعل في حكمه على بعض قصائد خليل حاوي خصوصا قصيدة (لعازر 62). وهكذا تعامل بعض النقاد المتطرفين اسلاميا مع فنية الرواية في (وليمة لأعشاب البحر) لحيدر حيدر إذ افتخروا برميها في سلال المهملات بحجة الكفر فيها والتطاول على بعض التابوات والمحظورات، وكذلك حُكم على بعض كتابات طه حسين بتطرف فيه الكثير من التجني، وهذا ما فعله الناقد طه حسين أيضا في تعامله مع شعرية المتنبي إذ تطرف في حكمه على ما قاله المتنبي من قرون على مصر والمصريين...وكذلك يكون حكم بعض المتطرفين القوميين على نتاجات لا تتفق معهم ومع حكامهم بحجة مقولة عبد الناصر يوما بأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، تلك المقولة التي كرّست الديكتاتورية على مختلف الصعد واخطرها على الصعيد الثقافي والأدبي...وبهذا يعمل النقاد بتطرفهم الأصولي على المزج بين أفكار الكاتب وفنية أعماله، من دون الفصل بين المؤلّف بكسر اللام والمؤلَّف بفتح اللام، ولا يعملون بوصية الرسول محمد حين حكم على الشاعر امرئ القيس فاصلا بين ابداعه وتصرفاته وافكاره، فلم يتغاض عن سيادته في الشعر حين قال: "امرؤ القيس سيّد الشعراء وقائدهم الى النار." فليس الكفر بالتابوات العقائدية المختلفة سمة من سمات اخفاق العمل الابداعي، وإلا كانت اعمال أبي نواس وكعب بن زهير وبشار..وغيرهم مصيرها الاتلاف، وكذلك ليس الايمان بأية فكرة سمة من سمات نجاح النص. فالنص قد يخفق بما فيه فنيا ومضمونيا سواء أكان غاصا بالكفر أو الإيمان.