بائعة الدخان....

، بقلم عبد الجبار الحمدي

آه يا نفسي.. كم انا حيرى بك؟
فمذ نفثني الزمن بين عيدان الثقاب عن كنف والدَيَ وأنا استبيح الطرقات في بيع سموم آدمية، أتريني حقا آدمية مثلهم؟ أم اني فتاة فقدت رمق الحياة على اعتاب يُتم موت مبكر؟!

لقد ايقظ الموت نفسه فَزِعا من تكالب الايام، فصفع دون رحمة وجهها، أطاح من فمها كل ضحكة رامت العيش بداخله، ليس بإرادته حتما، فقد قُدر لها ان تكون بين أضراس تطحن بعضها البعض دون هوادة، فلاكت من لاكت، ثم رمت بي في جنح الظلام كالقرابين المبكرة، فقط لتهدئة غضب الموت، أو جعله يركن الى النوم قليلا عن ابناء وطني... وطني؟؟ ذاك الذي تركني من حكموه وِسادةً لأحلامهم اللامنتهية.. ثم باعونا كاحلام دخانية، أسكرت من تَنَفَسها اللون الأزرق، حتى شرعوا الى تعليبها بعلب، روجوا لبيعها الى أُناس رأس مالهم الحياة بسلام، أما أنا فقد حَمَلت ما روجوا له وصرت انادي... علب دخانية للبيع... من يشتري حلم يُوقَد بعود ثقاب، هكذا ابدأ يومي، أنادي من لا حياة لهم، ترمقني العيون ثم تذرف الدموع على حالي، فمن مثلي الكثير بعد ان رافقهم يُتمَ الأباء لايام ساقطة في ليل مظلم، لم أرثي لحالي ابدا، بل أرثي لمن حملوا الرايات الحمر عناوين شرف، بيعت في خيم ملونة ببطاقات مرور حمراء وزرقاء على حساب وطني...!!
وطني الذي تَسَربَلتُ به حزنا وهو يقطع آلاف السنين لَهِثا بتأريخ متناثر بعيد، محاولا ان يمسك ببقايا شرفاء ليستروا عورته التي انكشفت من موبقات اعمال حُكامهِ...

دخان للبيع ... ليس من صنع بلادي، أنه مستورد كعلب الصفيح وملابسنا الداخلية، حتى رجالات وطني مستوردون، هيا دخنوا بقداحات غريبة الشكل بدل أعواد الثقاب، إنها تشعل لكم النار دون ان تحرق اصابعكم، كونها مصنعة لطارحي الغرام ليلا، حين لا تسمع سوى همسهم وطقطقة قداحات مع دخان مخدر للعقول...، هيا اشربوا رحيق ملذاتكم من دم الابرياء، هيا اصطفوا لتناول عدالتكم بكل المحرمات..؟

لعلي شَنَفت آذانكم بالحديث عن متغيرات وطني... هكذا اصبحت! بعد ان أمسيت بغير ما أنا عليه الآن، أحمل صندوقي هذا وأعلقه على رقبتي بقطعة قماش خضراء.. بركة من اولياء الله...ملاذي وملاذ الكثيرين..
هكذا عقلي يقول لي .. عقلي الذي لم يلوثه الدخان المستورد بعد ألفيته نقيا، أقسم على ذلك، فقد ارضعتني أمي حليب ثديها صافيا دون شوائب، اقول الحق لكم.. أني لست من هذا الزمن، ولا أظن أني سأحيا فيه... فالضياع في وطني هو جريمة، لكن من يحاسب المجرم على جرمه بحقي، بعد أن سلب البراءة من عينيي وعيون الملايين ممن استباح بكارة ايامي، لوثها بصهاريح المياه الآسنة بعد أن غلفها بمختلف الألوان مثل هذه السجائر...

وفجأة!! تَوَقَفَت بين حشد من الناس، صاحت سجائر للبيع... من يشتري؟ رهان يومه لينفثه على قارعة طريق او في مقهى متدلي الأرجل كحال مرتاديه، من يدخن وهما مخدرا لبراعم انفية؟ أزكمتها رائحة قيح المسئولين عن إدخالها الى جوف من لثمها كديمقراطية العهد الجديد، ألا من مشتر لسموم مباحة، فبرغم التحذير الذي كتب عليها إلا أن هناك من يستبيح قتل نفسه بيده ببراءة... كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، إنه قتلٌ بأنفاس وَهمٍ دخانية لذيذة ملونة، يا لفاقة الحياة بكم يا أبناء وطني، يا عاري المزمن بأبجدية الحروف التي كُتِبت المعلقات بها، يا حسرة الشمس التي سلمت على بيادر السنابل في بلادي بعد أن باعت شعرها الاصفر كأمرأة ايوب من أجل قطعة خبز... يا دهاليز إرثي الذي سيق مثل مِروَد كحل ليعمي عيون من به أمل بحرية...

أنهكها الكلام، خارت قواها، لفحت حرارة الشمس وجهها، صَفَقَ الجوع ببطنها، أطبق على أنفاس بريئة ابواب الرزق، لم تبع شيئا...!! الجميع لا يسأل، الجميع لاه في حاله، جلست لتريح اقدام لبست الشوارع عناوين دلالة... هذه مُحَفرة، هذه غير مُعبدة، هذه بها آثار إنفجار قبل ايام مضت، وتلك اغلقت بقواطع كونكريتية احتارت الى اين تتجه!؟ ركنت بظهرها الى جدار مقبرة قديم، أزاحت مساحة ظهرها من جلده المتورم، صرخ آه يا أنتِ..؟؟ الا تبالين بكهولتي...!! التفتت الى ذلك الجدار .. وهي تهمس.. لكأني جننت!؟؟ أأسمعك تحدثني؟!! اجابها ولم لا .. لا تستغربي يا صغيرتي!! لا تحزني، وأقول دون مقدمات لك.. لا تعولي خيرا في وطنك هذا .. فكما تريني اثخنت تقرحا من بول السكارى في عتمة ليل وحتى في وضح النهار، كرهت تقيأهم عَليَ دون سبب، فقط كوني لا أحرك ساكنا، حزنت في بداية الامر، حاولت زحزحة نفسي لتغيير، لكن قيود وقوانين ابرمت بدستور باهت أفلتت حقي، فصرت أداوي تقرحاتي بنفسي، أني يا ابنتي عاصرت من الحكام الكثير، كلهم على شاكلة واحدة، لا يتغير فيهم سوى اللسان والشعار، اما اللباس؟ فذاك ما يحضره لهم من يَسود ويَتَسيد عليهم بعصا موسى، ثم يستبيح الدعر وشرب الخمر مدعيا ان المسيح قد فعل ذلك ...

إننا يا ابنتي بقايا من أديم الارض، لا ينفع فينا التغيير، لأننا منافقين حتى على الله، هيا قومي الى غير مكان، ابتعدي عن الطرق المقطعة والحواجز، إذهبي حيث المقابر، فالبيع فيها هناك رواج لبضاعتك، الكل يبحث عن وَهمٍ للموت.. أظنك تحمليين أحد أشكاله ... هيا أذهبي... لقد جاء عتم الليل
سرقت نفسها وخوفها، دلفت تجري بعيدا عن ذلك الجدار الخرف، إلا أن فكرة البيع في المقابر راقت لها، جاءها الصباح ليوقظها على فتات بقايا طعام ليل من جارة لأمها..

حَنَت عليها بعد موت والديها، ثم استغلت براءتها عملا في بيع علب السجائر، مضغت كسرة الخبر مع شربة ماء، لبست حجابها الذي هو وشاح طهارتها الذي عاهدت أمام الله لا الناس، خرجت مسرعة الى حيث ما سمعته من هاجس الامس..
أنها سرحت الى بيع الاموات في عالم الاحياء، هكذا قولبتها... بعكس المعايير والمقاييس الانسانية، كان مهولا ذلك العالم بالنسبة لها، فكم من الاحياء يزورون الاموات؟!! احتارت مع نفسها..!! فما أن وقفت حتى جاء شخص ليشتري.. ثم آخر .. وآخر..، فرحت رغم ما تراه من وجوه وعيون باكية، الجميع يبكي أو يتباكى على من فقد حتى هي، لم تسعفها نفسها فبكت على فقيديها .. اللذان راحا ضحية العوز، لا... بل ضحية الطغيان، الفساد، والايدي الخفية، إنه الإرهاب ..هكذا سمعتهم يطلقون عليه، سارت تخط أرجلها التراب المثار من الزائرين، رامت تنادي سجائر وقداحات للبيع من يشتري المستورد والملون المعلب...

في باطن نفسها لم ترد فكرة الترويج للبيع، إلا انها رأت ان الحياة في المقابر أكثر نشاطا من عالم الاحياء، فالموت هناك يَختِل في كل جانب و ركن، حتى أنه يسير بينهم دون أن يشعروا به!! هنا الحياة هي للموتى، والموت للأحياء الذين يأتون ليريقوا ضيم بقائهم احياء، اما الدخان فرائحته تضيع بين رائحة البخور والتراب الذي يعفر الوجوه، لم تعد تميز رائحة السجائر التي تبيعها، لقد تاهت هي الأخرى بين كثرة القبور التي لجأ اليها الاحياء هربا من واحة السلطان الذي ترك جرذان مرض الطاعون يستشري في بيوت من الصفيح .. ثم يخرج بِنايهِ عازفا لها... يجمعها وهو يسير امامها ليرمي بها الى البحر، ثم يُظهر نفسه أنه المنقذ المخلص الجديد بعد التغيير، ونسي ان من عزف قبله على الناي .. سقط بهروات صانعي السجائر المستوردة... لكن بدخان مختلف.