مرافئ الذاكرة وسفن الكتابة

، بقلم نوزاد جعدان جعدان

لم تكن رسائل الشاعر الألماني ريلكه إلى شاعر شاب سوى خلاصة ما توصلت إليه تجربته الأدبية وصائفة عمره المادي، أدوات أقلته إلى تخوم التجارب الثرية، لتكتشف مكنونات الكنز الثمين، الذاكرة جبين العمر، والثلج الذي لا ينحل إلا بشمس المثول إلى لحظات الغيم الأولى، عندما يغدق غيث الكتابة الناضجة.

الكتابة التي تنقلك إلى مشهد أول قطار يمر في حقول القطن، إلى جوهر الحياة، تلك الذاكرة المرحة التي تدفع ضريبة الاعتقاد بالسعادة، تعود بنا إلى كفِّ الجدِّ الدافئ وبندقيته المتوترة المعلقة على حائط البيت العتيق، إلى رواق البيت الأول وحبال البامياء المعلقة على جدار الدار، إلى فناء الحوش ورائحة الحطب وسترة الجدّ الزرقاء المطرزة بدوائر العمر، يعتليها التين المجفف.

ذاكرة القرية وثلة من الفلاحين على جرار متعب يشقون دروبهم عبر البساتين المؤدبة، الأشجار التي تكسر رقابها لتُصنع منها كراسٍ تُؤلمها مسامير القروح، سماور الشاي في الشتاء الذي يغلي ويصدر صفيراً مراراً ولا تسمعه آذان المجلس الكبير، جثالة المدينة وأعمدة الرصيف الطويلة، وشبّاك الحبيبة مرفأ القلب، الكهوف الناعسة والفجر النطاسي، وجبة من الخبيز في حضن خبز التنور تحت عريشة منهكة كالصوف المتوجع الذي يحاك بين يدي الأم لتدثر أبناءها من برد الشتاء.
الذكرى والذاكرة والامتثال للمضي بعيداً نحو تلك الحدود امتثالاً لا إرادياً، دون التساؤل عن الذي منحنا هذه القدرة في الإبحار نحو ذلك العمق، مع بقاء الإحساس بالارتعاشات المرافقة وملامح الوجه التي تتبدل بتغير قوارب الذاكرة، رموز الذاكرة التي تنضج في هيئة حقائق ثابتة لا يفك شيفرتها إلا من حمل يوماً صدفة من ذلك الشاطئ.

ضربٌ من العجز أن تقف صاغراً أمام أحذية الماضي، حينها يتحول الفعل الضمني إلى تجربة مفتوحة على الورق لتصل إلى جوهر الحياة، أشياء لم تعد مشبوهة بل ذاكرة قاطعة وصل إليها ريلكه الشاعر الذي قتلته وردة.