عندما تجثو البراءة ردم الأساطير

، بقلم نوزاد جعدان جعدان

أحببنا الحياة حين كنا صغاراً، لأننا لم نكن نعلم أن الموت هو النهاية الحتمية والمصير المشترك لكل منا، حسبنا الدنيا ملكنا وأن العمر طويل جداً ولن نكبر بسهولة، وكبرنا بومض البصر وأصبحنا نخشى المرايا والتقينا بالموت في أكثر من مناسبة، فقدنا براءة الحياة وتعرفنا على خبث الموت وغدر المرايا.

كنا مراهقين عشقنا من لجة القلب حبيبنا الأول وكان هوانا عذرياً، لا نجد إلاه ولا أغنية سواه، هو الملاك الحافظ الوحيد، والباب المشرع الجديد، كانت أحادينا بريئة ساذجة ومجرد فلسفة سفسطائية، وما إن كبرنا حتى فقدنا براءة الحب وتعرفنا على خبث الخيانة في مدينة للخطيئة تفرعت شوارعها، تعددت علاقاتنا ولم نعد نعلم أي حب هو الحب، وخصوصاً إن أخطأنا في مطارنا الأول يبقى هذا القلب مسافراً دون الركون.

كانت أسطورة الجد تتربع في مخيلتنا كبطل من أبطال الروايات منزهاً عن الخطأ، وفعل الصواب من شيمه، وما إن بدأت خطوط الزمن ترسم ملامحها على وجوهنا المتعبة حتى أيقنا أن هذي الأسطورة ما هي إلا خزانة ترابية وسقط متاع للأخطاء والآثام، فقدنا أسطورة البراءة وتعرفنا على خبث الأساطير.

كنّا قضاة حازمين إن سقط شخص من عيننا لا يرفعه شيء، ننظر إلى الصداقة بأنها شيء سامٍ ونؤمن برب أخ لم تلده أمك والصديق وقت الضيق .. الخ، وما إن فقدنا براءتنا حتى أيقنا أن الصديق يوماً يضع كتفه تحت رأسك وأخرى تحت تابوتك، وأنه سيهز شجرتك بريحه مرة فتهديه الثمار، ثم سيعيد الكرة ويهزها مرة أخرى فيعري شجرك، وأخيراً سيحضر فأسه ويقطع شجرتك .. تبددت أواصر الثقة وفقدنا أسطورة الثقة، وتحطمت سماء تكسوها غمامات قصص الوفاء لتحل محلها رؤى الرياء.

كنا أبطالاً لا نهاب شيئاً، نحسب أنفسنا قوة جبارة والأرض ملكنا، خُلقت لنا لنمشي عليها نحن الملوك، وما إن كبرنا حتى عرفنا أن كلمة الحقيقة جزاؤها عسير، وأصبحنا نخشى من عامل التنظيفات وهو يطلب أكياس القمامة ومن بقال الحارة، ونحسبه من العسس ومن جباية الهاتف وهي تطلب الفاتورة. أصبحنا نخشى الإبحار لأننا أدركنا أن الدنيا ليست ملكنا، وإنما هي قوانين خلقها الإنسان لا يجب التمرد عليها، تعرفنا حينها على زوال البطولات والتفكير ملياً قبل القيام بأي بطولة.

من يعد لي براءتي، أعطه ما تبقى من سنين عمري.