مع الجواهري بعيدا عن السياسة و الأدب «٧»

، بقلم رواء الجصاني

...وها نحن من جديد مع الجواهري الخالد، وما لم ينشر عنه، وبعض خصوصيات، بعيدة عن السياسة والادب(!) بقدر ما نستطيع،ونظن وفيها كما نظن- وليس كل الظن أثماً – ان في الكثيــــر منها رؤى ومواقف تؤشر لجوانب
مما نريد ونأمل ...

29- حافظ الاسد يزور الجواهري معزياً..

أثناء وجود الجواهري في لندن أوائل عام 1992 في زيارة راحة وأستجمام، تتوفي زوجته "أمونة" بعد عارض صحي مفاجئ، وترسل الرئاسة السورية طائرة خاصة لنقل الجثمان الى دمشق، بصحبة الشاعر الخالد، وعدد من أفراد العائلة، والاصدقاء، ويوارى الثرى في متربة السيدة زينب، بتشييع مهيب، وابيات شعرمؤثرة يلقيها الزوج المكلوم، برحيل حبيبته، وسقف داره، بحسب وصفه، ومنها:

ها نحنُ أمّونةٌ ننأى ونفترقُ ، والليلُ يمكثُ والتسهيدُ والحرقُ
والصبحُ يمكثُ لا وجهٌ يُصَبّحُني، به، ولا بسماتٌ منكِ تنطلقُ ...
خمسٌ وخمسونَ عشناها مراوحةً، نبزّ مَن سُعِدوا فيها، ومن شُنِقوا

وأذ تحل مراسيم العزاء، يقوم الرئيس السوري حافظ الاسد في صبيحة اليوم الثاني، بزيارة الجواهري في مضافته الدمشقية، وفي سابقة استثنائية، معزياً، وليستمر هناك ملاطفاً ومخففاً من بعض الام الحزن عن الشاعر الخالد، وبعض افراد الاسرة الذين كانوا هناك، وعلى مدى اكثر من ساعة وأربعين دقيقة، وقد كان مقرراُ ساعة فقط، على حد بعض ما نقله اليّ "كفــاح" عن رحيل والدته.

وبحسب "نجاح" نجل الفقيدة البكر، فأن مجلس العزاء كان حاشداً، وقد أمّه العشرات من العراقيين المقيمين في دمشق، كما والسوريين، رسميين وسياسيين وشخصيات عامة وغيرهم. وأضاف، في لجة الحزن، وعلى حين غرة، سأله الجواهري: أين "رُواء"؟ فنقل اليه أن ظروفاً صحية طارئة، حالت دون تمكني من الوصول من براغ. ثم عوضتُ عن ذلك حين شاركت في مراسيم أربعين الفقيدة العزيزة.

30- الجواهري ... والملح!

سمعت من بعض" اهل البيت" عن واقعة حدثت في بيت الجواهري، في عقوده الاولى، وعن حبه لان يكون الطعام مالحاً، وأهمية ذلك له. ومرة وقد كان الملح اكثر من اللازم، ولتدارك الامر، اتفقوا بأن يقول احدهم على المائدة: لم الاكل "ماسخ" اليوم، خلافاً للحقيقة. وإذ بالجواهري يفور غضبا ويقلب "السفرة" أو يكاد، شاتماً ومعربداُ، لعدم اكتراث الاهل بطلبه وتوصياته الدائمة بأن لا ينسوا الملح الزائد في الاكل!!!
.... كان ذلك في عقود الجواهري الاولى، كما اسلفت. وقد استمر "الملح" ملك الطعام للشاعر الخالد، وحتى سنواته الاخيرة، دون أهتمام، بل ولا حتى تذكر بمضار ذلك صحياً، أو تأثيره على الضغط وغير ذلك. وللتوكيد، أنقل هنا ان مملحة، بل واكثر، كانت تحيط بالجواهري، اين ما كان، وأحداها صغيرة، وأنا شاهد عيان، في جيب "روبه" البيتي، في كثير من الاوقات .

31- الجواهري يؤسس "دار الرافدين" للنشر

لم يكل الجواهري، أويكف عن الجديد والتميز، والمثير، حتى وهو في التسعينات، وهاكم هذه الحال التي أزعم انها تكفي لمزيد من الاستدلال على ما اريد التنويه اليه:

في أواخر الثمانينات، وتزامناً مع اتمام مؤلفه ذي الجزأين" ذكرياتي" يفاجئنا الجواهري بأنه قرر ان يفتتح في دمشق" دارالرافدين" للنشر، ويعرض عليّ الانتقال من براغ، وأسكن معه، وتحمل مسؤولية العمل ... وقد ترددت طويلاً ثم أكتفيت بان أوعده بالمساعدة جهد ما استطيع، ولكن دون تحمل المسؤولية المباشرة ... وهكذا ينطلق المشروع ويُستأجر له مقر وسط دمشق، ويؤثث، وعلى ان يداوم فيه الجواهري نفسه، وان يتابع العمل معه، نجله "كفاح" والذي تحمل كل التبعات لاحقاً، بعد ان تخلى الوالد عن رغبته التسعينية، بعد فترة من قصيرة من الوقت..

وللطرافة أذكر هنا ان الجواهري نزل علينا ذات صباح مبكر، غاضباُ على المصمم والخبير الطباعي آنذاك: إنتشال هادي كاظم، لأنه تأخر يومين ولم ينجز الورق الرسمي لـ" دار الرافدين" بحجة انه لم يعثر على صورة "نخلة" مناسبة تكون شعاراً للدار، بحسب رغبة "صاحب العمل". ولكي تتوضح الحال أكثر، أقول ان الجواهري حين حاجج بالامر، اخرج من جيبه رسم "النخلة" المطلوبة، مستلة من احدى صفحات" المنجد" .

32- في المقامة المجرية

لان الجواهري لا يحمل غير "منقار واجنحة" بحسب احد تعابيره، ولأسباب اخرى خاصة، تستعر حمى السفر لديه عام 1990 فيقرر الاقامة في العاصمة المجرية، بوادبست، موقعا اوربياً بديلاً عن براغ، ليتردد اليها من مضافته الدمشقية بين حين وآخر.

وبرغم علمنا اليقين بأن تلك "النوبة" الجواهرية لن تطول، وانه لن يستبدل براغ التي "أطالت الشوط من عمره" فما كان في اليد من حيله امام القرار الجديد. وهكذا تردد الشاعر الشاعر على بودابست، لثلاث مرات احداهن طويلة نسبياً، قضاها باهتمام الناشر، وصاحب دار"صحارى" حميــد برتو، وعنايته، مع عصبة محبة وأولها: نبيل ياسين وأنتشال هادي كاظم... ثم أنتهت "النوبة" فعلاً وليعود الجواهري يتناصف دمشق، وبراغ التي يبدو انه لم ينسَ وعده لها: عهد المرؤة ان أعود وان أعاد وان أعيدا!.

وبرغم انه وصف بودابست بالجميلة، والمشرقة، ألا ان الجواهري لم يكتب عنها ولا بيتا واحداً، خلافا للعديد من عواصم ومدن العالم التي زارها او اقام فيها مثل وارسو وفارنا وأثينا وطاشقند وطهران ... دعوا عنكم العواصم والمدن العربية. ولعل ابرز حدث للجواهري في بودابست، انه وافق هناك على المشروع الذي عرضه الفنان ضياء العزاوي، وقد نفّذ لاحقا، وهو أصدار ألبوم أنيق، محدود التوزيع، وبحجم كبير، وورق فخم، شمل لوحات فنية أستوحيت من بعض قصائد الديوان العامر..

.33- الجواهري طباخاً

بسبب قضائه فترات طويلة لوحده في براغ، تعلم الجواهري بعض شؤون الطبخ، وأن يعدّ، طعامه بنفسه، في الكثير من الأحيان، ثم ليدعي بعدها أنه ماهر في تلكم الصنعة، ويا ويل من يقول بغير ذلك ..

وأذكر من طبخاته المعتادة: "البامية" و"الباذنجان" وخليط الرز مع العدس، أو الماش، والكفتة المقلية، أو المسلوقة!... أما الطبخة الاشهى عنده، فهي ما يسمى"طاس الكباب" وبطريقة جواهرية خاصة. ولمن يريد تعلمها فهي كالآتي: تقطيع اللحم لقطع صغيرة، والبصل أيضا، مع توابل معينة، وكذلك البطاطة احياناُ... وتوضع كل تلك الخلطة، نيــةًً، ومع الرز، في آن واحد على نار هادئة، لساعتين او أكثر قليلاً، ثم لتصبح جاهزة للأكل. أما تلك الطريقة الجواهرية فهي ان يترك الطبخة تستوي بهدوء، ويستغل الوقت بالذهاب الى مقهى أو حانة قريبة، ويعود ليجد"طاس الكباب" منتظراً من يريده. وأشهد انه كان متميزا بتلك الطبخة، وليس كما قالت له زوجته "أمونة" في دمشق ذات يوم من عام 1957:
"رحت في حرفٍ تزخرفهُ، وعلى شئٍ سواه، غبي!!!"

وللحديث صلة، في الحلقة الثامنة


رواء الجصاني

باحث عراقي

من نفس المؤلف