فراس حج محمد لسنا الومضة

"النقد ملكة تتخلق مع ذات الشخص ليكون أقدر على التواصل الحساس مع النصّ الأدبي"
فراس حج محمد كاتب وناقد فلسطيني مقيم في نابلس، له مجموعة من الكتب المنشورة، ومشارك بفاعلية في الحركة النقدية والثقافية العربية، يستعد لنشر كاتبه "القصة القصيرة جدا- قراءات ونصوص" عن دار النابغة للنشر في جمهورية مصر العربية.

استضافته مجموعة سنا الومضة، وهي مجموعة على الفيس بوك مخصصة لنشر نصوص الومضة الأدبية، وكان هذا اللقاء بمبادرة من القاص السوداني الشاب عباس طمبل عبد الله الملك وزميله القاص المصري عصام الشريف المشرفين على الصفحة، واشترك فيه كوكبة من الأدباء العرب، وهم: محمد الدعفيس وأحمد منصور وجمعة الفاخري وفتحي إسماعيل، ومحمد نوح، وحسام شلقامي، تناول المحاورون قضايا تهم الإبداع والكتابة الأدبية بشكل عام، وخاصة فيما يتصل بفن الومضة والقصة القصيرة جدا، وحضورها على مستوى الإبداع والنقد!

عباس طمبل عبد الله الملك،

نرحب بالكاتب فراس حج محمد، ونبدأ الحوار بالحديث عن فراس المبدع قبل الناقد.

بدأت الكتابة في سن مبكرة، وقد لاحظ معلم اللغة العربية وقتذاك موهبتي في الكتابة، فأخذ يوليني رعايته واهتمامه، وصار يقرأ على الطلاب موضوعاتي، فنمى لدي حب المطالعة والقراءة، حتى غدوت شغوفا بها، وصرت ألتهم الكتب واحدا بعد الآخر، وأذكر أنني اشتريت أول كتاب من مصروفي الشخصي وأنا عمري 14 سنة، حتى تحقق لي مكتبة مهمة فيها ما يزيد عن 3000 كتابا منوعاً.

وفي مرحلة الجامعة تابعت الكتابة، حتى نشرت لي أول نص عام 1996 في مجلة محلية توقفت عن الصدور اسمها (نوافذ) ثم في صحيفة الأيام الفلسطينية، وهكذا حتى استقامت الموهبة شعرا في البداية، ومن ثم أخذت أعمل على مجالات أخرى فنية منها القصة القصيرة والنص الوجداني والمقالة الأدبية والسياسية.

فتحي إسماعيل

لهي ساعة نادرة وسعيدة أن نحظى بصحبتكم أستاذ فراس، أرى تميزكم الملحوظ في استنطاق النصوص وقراءة تكاد تسبر غور الكاتب نفسه، فهل يا ترى قرأت أو درست شيئا في علم النفس أو السيكولوجيا؟

النقد يا صديقي ملكة، وهي تتخلق مع ذات الشخص ليكون أقدر على التواصل الحساس مع النص، ولذلك تكون الملاحظات النقدية أحيانا عميقة عمق الناقد وتأمله الذاتي في الأشياء.

وعلى المثقف أن يقرأ كثيرا في شتى المعارف، حتى يستطيع المجابهة النقدية التحليلية لنصوص اختزنت نفسية أصحابها، فتحتاج لعلم النفس وعلم الاجتماع وتحتاج للعلوم البحتة والرياضيات وتحتاج للفلسفة المجردة وتحتاج لقراءة الديانات والأساطير، فثمة نصوص لا تفهم إلا من خلال معارف وإشارات خاصة كنصوص السياب وأدونيس ودرويش وأحمد مطر وغيرهم.

محمد نوح

أ. فراس سؤال من شقين رؤية الناقد الكاتب /المبدع لمنتوجه الشخصي كيف تكون؟٠٠الثاني أيهما أقسي نقد الآخر أم الذات؟

سؤال مهم جدا، يوقع الإنسان في حيرة الجواب، فعندما تكتب تتجرد من صفة الناقد، فأنت تكتب تحت وطأة الإلحاح بأنك شاعر أو قاص، وترى نفسك في تلك اللحظة منتشيا تختال بما كتبت، ولكن بعد حين سيفتر حماسك أحيانا وفي مرات كثيرة لما كتبت وتراه لا يستحق النشر أو حتى الاحتفاظ به، فهو مولود مشوه، تتخلص منه وأنت مرتاح الضمير، فلا قسوة في ذلك، فالأصل أن يكون المبدع ذا حساسية عالية في ما يختار ليدل عليه، ورحم الله درويش فقد قال بما معناه لو أنني أستطيع لحذفت كثيرا مما كتبت، وهو لم يعترف على سبيل المثال بأول ديوان أصدره عام 1960 وحذفه بالكامل.

حسام شلقامي

لا نعترف نحن العرب بمبدعينا ولا نحفل بهم ونكرمهم إلا في حالتين أن يموتوا أو يكرمهم الغرب أبناء لغات أخرى غير العربية.. فهل هذا واقع أم أنني على خطأ؟ وإن كان واقعا فما السبب وما رأيك فيه؟
فالمشكلة تكمن في كثير من العوامل، أهمها من وجهة نظري هي العلاقة المريبة في غالب الأحيان بين المثقف والسلطة، فهي تسعى لتهميش غير الرداحين والمزمرين لها، وهذا الوضع في ثقافتنا طبيعي، فانظر إلى التاريخ العربي ثمة قامات شعرية قوية لم تحقق نجاحا وشهرة، ولا نعرف من الأدباء إلا فئة قليلة بالمقارنة بحجم الأدباء الحقيقي في واقع أمة العرب، فهي أمة بلاغة وأدب وشعر، ولكن لم يكن ليظهر إلا من رعته السلطة فبرز مثلا في عصر الأمويين الأخطل وجرير والفرزدق وفي العصر العباسي كان الأبرز حضورا المتنبي، وهكذا حتى وصلت العصر الحديث.
أما بالنسبة للتكريم، فهي أمور نابعة من عدم وضع الثقافة في المستويين الرسمي والشعبي على سلم الأولويات فطبيعي أن يكون هذا التجاهل الذي تراه، وإن كنت أشكك بداية في تكريم الغرب، فله اعتبارات في هذا التكريم، ولا يرعى إلا ما اتفق مع التوجهات العامة للمكرمين (بكسر الراء).

حسام شلقامي إذن هي السياسة اللعينة لم تترك حتى المبدعين وشفعت فقط لكتاب السلطة المنافقين.

نعم يا أستاذ حسام.

عباس طمبل عبد الله الملك

ماذا عن الومضة في ميزان الأستاذ فراس، كيف تراها هل هي جنس أدبي جديد أم بنت القصة القصيرة جدا.
أخي وصديقي عباس، الومضة لم تنقطع عن الأدب العربي قديما وحديثا، وهي معترف بها في الثقافة العربية الراسخة، فخذ مثلا الأحاديث الشريفة وقول الرسول الكريم "أعطيت جوامع الكلم"، وانظر إلى القرآن وبلاغته في قصار السور، وفي بعض الآيات وما أطلقت عليه البلاغة القديمة إيجاز الحذف، وإيجاز القِصَر، ثم انظر إلى الأجوبة المسكتة والحكم والأبيات اليتيمة والتوقيعات كلها تبين وجود هذا النوع من الأدب، ولكنه يتطور ليحمل ملامح فكرية عميقة أو يتلبس بالفن السردي ليعطي المشهد بكلمات قليلة مختزنة لعواطف وأحداث، وهذا يعود لطبيعة ما وظف فيها من ألفاظ لتكون ذات إيحاءات عظيمة ومفتوحة التأويل على أفق معرفي واسع.

أما بالنسبة لعلاقتها بفن القصة القصيرة جدا، فهي هي، ولكن بتكثيف أكبر، لها مواصفاتها ولها شروطها، ولكن الومضة تقوم على التركيز أكثر وعلى الحذف المعتمد على الإحالة خارج النص وليس الحذف المجرد، فهو حذف فني اقتصادي في بنائه مفتوح ثري في دلالته.

جمعة الفاخري

بعد تحيَّاتي العطرة لك .. فأنا أختلف معك أ. فراس فيما يخصُّ وجود الومضة في أدببنا العربي، ذلك أن نقول عن جزء الآية ومضة، أو الحكمة أو التعبير البليغ ومضة .. أو الشطر الشعري ومضة، فهذا يحدث خلطًا في التلقِّي، ويسببِّ إرباكًا في تسمية الأجناس بأسمائها .. الومضة فن مستجدٌّ على أدبنا العربي .. ولم يجرَ بعد تأطير هذا الفن كما ينبغي، والاشتباك التعريفي بينها وبين القصَّة القصيرة جدًّا، والشذرة والخاطرة وقصيدة النثر والهايكو وغيرها .. ثمَّ علينا أن نخرج الآيات القرآنيَّة من هذه الدائرة .. فهي في أصلها منتزعة من سياق قرآني الذي هو كتاب هداية وإرشاد بعيدًا عن معايير السرد والنقد .. احترامي العميق لك.

الأستاذ جمعة الفاخري، تحية لك، ولكن دعني أوضح، فليس في الأدب ما هو منبتّ الصلة عن جذور ما، ما قصدته هو وجود الكلام المختصر الدال في أدب العرب مع علمي بأن ما تفضلت به نحو السرديات المكثفة من ق ق ج وومضة هي لها حدودها المفاهيمية ولكن كبنية تعنى بالتكثيف لها أصول في الأدب، وهذا الاختلاف ترى لها صدى في بحث المقامة وعلاقتها بالقصة القصيرة، والمقالة وعلاقتها ببعض ما كتب الأدباء وخاصة ما كتبه ابن خلدون في مقدمته، وكذلك في السيرة بنوعيها، هناك في الوعي الثقافي ثمة تركيز ما وتكثيف ما تمارسه أية أمة مع الاحتفاظ بالتطور والحدود المفاهيمية في كل عصر.

جمعة الفاخري نعم، صديقي، في هذا أتفق معك تمامًا .. لكن كفنٍّ مقصودٍ بعينه لا وجود له .. وهذا ما عنيته ضبطًا.

محمد نوح

أ. فراس الكل الآن يكتب فمن يقرأ؟ وهل من آليات جديدة للنقد لكبح جماح هذا الأثير الجامح لقليل من التأمل ذو البصيرة الثاقبة؟

حركة الأدب بين الناس كحركة الأشياء، فما كان جيدا سيصمد أمام الزمن، دع الناس يكتبون ويكتبون، ومن كان ذا موهبة فسيترك بصمته على الجميع وسيكون حضوره فاتنا، أما بالنسبة لكبح جماح هذا الأثير، فأنا أقول فليزدد الأثير هيجانا وليس كبح جماح، علينا أن نكتب، ورواد المواقع كثيرون، وتأكد أن القراء كثيرون وأكثر مما نتصور، ولكنهم يقرؤون بصمت، وهذا عن تجربة ومعرفة، وما شاع بأننا أمة لا تقرأ ليس صحيحا بالمطلق، فنحن أمة تقرأ ولكن لا تفاخر بفعل القراءة فالقراءة ديناميكية بطبعنا نحن العرب، لا ندعي أننا قرأنا وقرأنا، من فتح جهاز الحاسوب وتجول هنا وهناك، فهو يبحث عن شيء يقرأه ويدغدغ مشاعره ويلبي حاجته، فالمسؤولية على الكتاب أولا وليس على القراء.

عباس طمبل عبد الله الملك

كيف ترى العلاقة بين الكاتب والناقد؟

علاقة الناقد بالكاتب وليس علاقة الناقد بالمبدع، وذلك لأن الطرفين مبدعان، فالنقد إبداع والكتابة إبداع!
أما عن العلاقة بينهما فهي لم تكن منسجمة ومتوافقة في أحايين عدة، تعرض كثير من النقاد للهجاء من الشعراء، ولكنهم لم يصمتوا، وفي العصر الحاضر أصبحت العلاقة أكثر متانة مع وجود الهاجس والتوجس، توجس الكاتب من الناقد، ولكن الكاتب يسعى إلى الناقد جاهدا ليكون حاضرا في معمله النقدي، فتناول أعمال الكتاب بالدراسة أمر يطمح إليه أي كاتب حتى ولو كان النقد قاسيا ومتجنيا، فمبجرد أن تدخل منطقة الناقد فأنت محظوظ، وفي آخر المطاف فالعلاقة تكاملية وليست ضدية لا ناقد بدون إبداع كاتب، ولا حياة لكاتب دون إبداع من الناقد في استخراج جيد النصوص وإبراز سماتها الإبداعية

عباس طمبل عبد الله الملك

هذه الإجابة تحيلنا إلى سؤال عدم تقبل النصح وينتظر صاحب النص مدحا فقط خصوصا إن كان في الأمر تسابق، ولا يقبل قط أن نصه غير متوافق مع الشروط.

ربما يا صديقي، فالنقد صعبة مراميه، قاتلة سهامه، ولذلك كان النقد دائما مرعبا، ولكن يجب توضيح مسألة مهمة، وهي أن الناقد لا يلتفت إلى الأعمال الفجة الساذجة ولا يعطيها اهتماما، فماذا سيقول فيها؟ ولكنه يمنح وقتا لعمل أدبي راقٍ، يرى فيه محاسنه، وينبه إلى ما فيه من هفوات، على الرغم من أنني أنا شخصيا لا أكتب النقد لأي عمل سيضطرني لذم النص، وذلك ليس خوفا من الهجاء، ولكن قد يكون الخلل فيّ أنا ربما لم أفهم النص جيدا، ولعلك تلاحظ أن كل ما كتبته في النقد هو في أعمال لم أرَ فيها عيبا لأنبه عليه، وهذا منهجي في النقد ولن أحيد عنه! فأنا أختار ما يستفزني ويخرج ما فيّ من قدرة على قول أحسن الميزات في النص الأدبي!

عصام الشريف

كفلسطيني هل أدى الأدباء دورهم تجاه القضية الفلسطينية أم ما زالوا مقصرين؟

حييت يا أستاذ عصام الشريف، ولكن لا أدري كيف يكون التقصير أو حتى أداء الأمانة بنجاح؟ الحركة الأدبية في فلسطين حملت فلسطين بكل همومها، وخلقت القضية الفلسطينية قامات أدبية راقية عالميا، في شتى المجالات في الشعر والقصة والرواية والبحث وإصدار المجلات، فكان غسان كنفاني علما في فن القصة القصيرة، وجبرا إبراهيم جبرا علما في فن الرواية ومعين بسيسو علما في الشعر المسرحي وكانت الكرمل ومشارف مجلتين تحملان كل ذلك التنوع الحيوي في الأدب الذي كرّس أصحابه جهودهم لخدمة القضية الفلسطينية، فهم أدوا وما زالوا يؤدون وظيفتهم الإبداعية والإنسانية دون كلل، فكان عندنا آلاف من الكتاب المنتشرين في العالم، وترجمت كثير من الأعمال إلى لغات كثيرة، وبعضهم كتب بلغات غير العربية

عصام الشريف

كيف ترى مستقبل الومضة؟ وما يواجهها من صعوبات حتى على مستوى التنظير

محمد الدعفيس

تشرفنا أستاذ فراس.. إجابتك عن كيفية تعاطي الناقد الأديب مع أدبه، تقودني إلى تساؤل، ترى إلى أي مدى تؤثر فينا مهنتنا وتعاطينا الاحترافي فتسبغ على إنتاجنا ظلالها.. للتوضيح أكثر، كتبت قصة ذات يوم، فقال لي صديق ناصح: حاول أن تنزع عنك ثوب الصحفي حينما تكتب أدباً.. لا تغرق كثيراً في الحالة المشهدية.. أود أن أسمع منك تعليقاً حول هذه الجزئية وتأثير العمل أو المهنة على النتاج الأدبي؟
أخي محمد، زادك الله شرفا،،، الكاتب ينهل من مصادر كثيرة، وتؤثر فيه عوامل كثيرة، وأحد تلك العوامل هي العمل، وهناك ربط بين مهنة الشخص وأدبه، فتنعكس في أدبه، يلفت الأستاذ الدكتور والناقد عادل الأسطة في إحدى مقالاته إلى الأطباء الذين كتبوا روايات، ويرى أن لهذه الروايات تميزا ما لأن كتابها أطباء، طبعا هو من قرأ وأنا أستعين بما قرأ وأوافقه الرأي بكل تأكيد، فالعمل والمهنة لها حضورها المؤثر بلا شك.

محمد نوح

فكره النقد التعليمي /الموجه والنقد الموازي للنص ابداعا٠٠أيهما انسب لجنس الققج والومضة، مستصحبين حداثة التجربة وما تفرزه خارج تكهناتها الضمنية والشكلية؟

فن الومضة راسخ ولن يتزعزع، لعدة اعتبارات، أولها أن هذا الفن مناسب لطبيعة العصر وما تفرضه مشاغل الحياة وتشابكاتها ووسائل النشر فيها، فهي أكثر مناسبة للتكنولوجيا التي غزتنا ونحن في مضاجعنا بهواتفنا الذكية فكيف لها أن تموت أو تتراجع والعالم مقبل على المزيد؟

وهي مثلها مثل أي فن لها كتابها ولها نقادها، فليست إلا كبقية الأجناس الأدبية فلا تعاني من خطر التلاشي، والصعوبات التي تكتنفها تكتنف أي أدب وأي فن فليس لها فيما أرى صعوبات خاصة فيها، ومن كتب فيها سيتابع وستجبر بمنطقيتها ودلالتها وإضافتها المهمة أن يأتي النقاد إليها متذللين خاشعين لعلها تفتح لهم أبواب ما ترفع عن أكف العابثين من الكتاب وصغار النقاد.

أما ما يخص النقد التعليمي أو النقد الموازي فكلاهما يلزم حسب طبيعة الكاتب والعلاقة والظرفيّة التي تحكم النص، فالناقد المتمرس مرات سيمارس دور التوجيه والتعليم لاسيما إذا كان مؤمنا برعاية المواهب ويعطيها اهتماما، فهنا سيكون موجها لأي مبتدئ في أي فن!

أما النقد التحليلي الإبداعي الذي يخلق نصا نقديا إبداعيا فهو لازم حتى مع الفن الحديث النشأة مع تسليمي العميق بأن من يضع شروط الفن المولود ليس الناقد وإنما هو الأديب نفسه وتضافر التجارب بنسق ما تتولد المعايير، فالناقد لا يضع معايير، وإنما يستنتجها استنتاجا، ويؤطرها لتكون طريقا وسبيلا للآخرين، ولكن المبدع من الكتاب هو من يكسر نمطية الناقد دوما وإلا لأصبح العمل الأدبي في متناول الجميع.

احمد منصور

أستاذ فراس .. هل إعادة صياغة نفس الأفكار بالنسبة للومضة ممكن أن يكون سبب ضعفها .. أنتَ تعلم جيدا أن الكثير من الكتاب يتناولون الفكرة نفسها .. وكونها قليلة الكلمات نشعر أننا أمام تكرار لنفس الأفكار .. أعلم أن لكل كاتب أسلوبه .. لكن أشعر بأننا مع العدد الكبير من الكتاب بأن الومضة ستعاني كثيراُ من هذا .. هل تتفق معي ؟

المشكلة يا أستاذ أحمد ليس في هذا الفن، هذا الفن له شروطه ومن أراد أن يكتب فيه فليكن على قدر ما تذرع به، أما كثرة الكتاب لا تجعل أي فن في مأزق! تذكر يا صديقي قول عنترة "هل غادر الشعراء من متردم"، قالها عنترة في العصر الجاهلي، فهل فتّ هذا في عضد الشعراء؟ بل إنني أزعم أنهم لم يلتفتوا لما قال، فثابروا وكتبوا وأبدعوا.
في كل مرة أسأل نفسي عن جديدي وعن جديد من أقرأ له، وهذه مهمة الكاتب عليه أن يكتب لا من أجل إثبات الحضور، بل من أجل أن يضيف جديدا، وهذه بالمناسبة مهمة أخلاقية وإنسانية لأنها تتعلق بتراث أمة وثقافة أمة، وليس الأمر بهيّن.

أحمد منصور

هل وضع مقياس لعدد الكلمات يكون قيد على خيال المبدع ؟

سؤال يمس معيارا لا أراه منطقيا أقصد المعيار، فالتحديد دائما يحد من التدفق الطبيعي، وقد تُفشل هذه العملية وتحبط وجود نص جديد، ولذلك دائما أنادي بالكتابة بعيدا عن التوصيف الأدبي، اكتب ولا تصنف، وقضية التحديد بعدد الكلمات ليست فكرة جديدة، فالقصة القصيرة حدد لها النقاد عدد كلمات، ولكن من منا يكتب قصة قصيرة ويحصي عدد كلماتها، وخاصة قديما، أما اليوم فسهل لطبيعة ما تتيحه برامج الحاسوب من العد الفوري لكل كلمة تكتبها، فإذا ما استولى هاجس العدد، فشل الإبداع وصار منطقيا بحدية صارمة يجب ألا تكون معيارا في أي فن، فهي قيد وليس قيدا فقط، بل أحيانا تؤدي إلى موت نص سيكون جميلا لو ظل على طزاجة خروجه من رحم مبدعه الخلاق.

عباس طمبل عبد الله الملك

كيف ترى حال المثقف العربي الشاب فماذا سيحتاج كي يصبح كاتب جيداً؟

اختصارا ومن ثم التوضيح أقول لك يا صديقي إنه كحال المثقف المكرس، لا فرق، لا مسؤول معني بالأدب والثقافة بقدر ما تخدمه، ولذلك الأدب كله في مأزق كبير! فلا بد من أن يبذل المثقف والمبدع الشاب جهودا أكبر، ولا يظنن أنه بلغ المجد لمجرد بعض نصوص كتبها، فثمة معايير أكثر عمقا يجب أن يلتفت إليها منها الرؤية والعمق والتأمل والفلسفة الوجودية للأشياء، والاختلاف والتميز والبحث عن البصمة الخاصة في الأسلوب والأداة، وهذه تحتاج إلى نفقات فكرية باهظة الثمن من السهر والكد والعمل لا بد من دفع الفاتورة إن أراد أن يحصل على مكانته بين العظماء الخالدين، وأن يكون صبورا ذا نفس طويل لا يستعجل الشهرة والنشر

عباس طمبل عبد الله الملك

ماذا عن وطننا العربي الكبير تجمعنا الصفحات الإسفيرية وتفرقنا النكسات والمزاج العام للساسة، طبقا للمصلحة الخاصة لهم تارة ميمنة وتارة ميسرة نتأرجح كالريشة معهم؟

هو ذاك يا صديقي مرضنا كـأمة، العالم يبحث عن وحدته، إلا نحن فنتشرذم كل يوم، ففلسطين غدت كيانين، والسودان سودانين، والعراق ثلاثة، وسوريا تفتت، وليبيا في نفق مظلم لما يحدث فيها، واقع سياسي حنظلي المذاق، أسود الرؤيا غير مستساغ، ولكن نقتنع ونحن نجتمع افتراضيا! فالواقع مأزوم لنفوس أكثر أزمة، أثرت الشجون يا صديقي فعذرا عذرا.

عباس طمبل عبد الله الملك

يقودني إلى جانب أخر؟ رغم التطور التكنولوجي لكن إلا ترى انحطاطا في الذوق العام في أي شيء حتى الأدباء المفترض أن يكونوا أكثر خلقا وحسن ذوق، بعض منهم كم وصفت لك؟

ما دمنا بلا فكر ولا فلسفة وحياتنا بأدق تفاصيلها مرهونة لهلوسات جندي إسرائيلي على حاجز هنا وحاجز هناك، توقع ألا نستطيع القيام بقضاء حاجتنا الشخصية... كم هو مؤلم أن تشعر بالعجز، هو العجز عن التغيير ما يخلق واقعا عبثيا يعاني من الانحطاط! والرقي الفكري أو انحطاطه ليس له علاقة بالتكنولوجيا فما فائدة التكنولوجيا ونحن نفكر بعقلية الوثن وتصنيم الزعيم!!

عباس طمبل عبد الله الملك

وانتم أكثر الشعوب العربية معاناة وأزمة رغم ذلك تعيشون حياتكم على أمل، هل الأزمات تصنع الإبداع وتمد بالمواد الخام للمبدع؟

الإنسان بطبيعته يعاني "لقد خلقنا الإنسان في كبد"، فالمعاناة غير مقصورة على شعب أو على فرد ما، فلكل معاناته وقضاياه، ولكن مع اختلاف في التوتر والحساسية، الأمريكان والألمان واليابانيون والسويسريون يبدعون، وهم شعوب مرفهة لا تعاني احتلالا أو نكبات، فليس المقياس بتلك البساطة والتعميم.

عباس طمبل عبد الله الملك

كيف ترى مجموعة سنا الومضة في فترات قصيرة من عمرها، بصفتك أخصائي
أعجبني جدا ذلك التقرير الصحفي في صحيفة الوطن السعودية والذي أعده الزميل محمد الدعفيس، ويتحدث عن إنجاز الصفحة، وهذا بحد ذاته مؤشر قوي لنجاح التجربة وتقدمها بثبات، وقد استقطبت كتابا ونقادا كبارا، أتمنى لكم مزيدا من النجاح والتقدم، فإلى الأمام ومن رقي إلى رقيّ.

عباس طمبل عبد الله الملك

نختتم بتقديم النصح للزملاء في الصفحة وصبرهم على النقاد.

حقيقة هي فرصة لتطور الأدوات الفنية، على الكتاب أن يتأنوا في الكتابة، خلال محادثة سابقة مع إحدى كاتبات القصة القصيرة جدا، قلت: ليس المهم أن تكتب كثيرا، المهم أن تحرص على الكتابة الجيدة، فما تتركه يدل عليك، وليس المهم أن يكون لك مجموعة كتب مبثوث فيها جيدك، ولكن أن يكون لك كتاب جيد ذو مستوى رفيع فهو الأروع والأجدى بالتأكيد.
وعليه لا بد من أن يستوعب الكاتب الناقد، وبالمقابل على الناقد ألا يكون قاسيا مزاجيا فهو يحمل رسالة ليوجه ويعلم، وخاصة في مثل هذه الصفحات.

واسمح لي أخي عباس أن أشكر مجموعتكم على هذا الشرف الذي منحتموني إياه في هذا الحوار الشائق الماتع، شاكرا وممتنا لكل الزملاء الذين أبدوا وجهة نظرهم وقدموا أسئلتهم وورد ذكرهم وسجلوا حضورهم في هذا المساء العابق، تحياتي لكم جميعا أيها الفضلاء

عباس طمبل عبد الله الملك التحية الكبيرة على أمل اللقاء معك في هذه المجموعة التي دوماً تتشرف بالكبار أمثالكم التحية الكبيرة وأمنياتي لك بالتوفيق والنجاح الباهر تحياتي للجميع في انتظار ناقداً آخر.