من أين أنت؟ السؤال المُحيِّر

، بقلم فيصل سليم التلاوي

من المألوف في مجتمعاتنا العربية أنه عندما يسألك سائل عن اسمك، أن يظل السائل منتظرا بعد إعلامك إياه باسمك واسم أبيك وجدك، متطلعا إلى صفحة وجهك، وكأن جوابك لم يشف غليله بعد. فهو ينتظر أبعد من ذلك، ينتظر أن تكمل اسمك، فأنت ما زلت نكرة لديه، وما لم تختتم جوابك، أو تبدأه فورا باسم العشيرة، فأنت لم تجب بعد على سؤاله.

لا ترتسم على وجه سائلك ملامح تعبير من أي نوع، إلا بعد سماعه الاسم الأخير، اسم العشيرة، فهو الذي يرمي إليه فقط، عندها تنفرج أسارير وجهه رضًا، أو تنقبض تبرما، تبعا لمكانة الاسم الأخير الذي قرع أذنيه، فيبادر لتلبية طلبك، أو يتجاهله و يتجاهلك معه. ينبري للترحيب بك والتقرب منك، أو ينفر منك نفورا يبدو على شفتيه صمتا، ويرتسم على قسماته تجهما.

ذلك أمر مألوف و معروف في بيئتنا العربية، وقد اعتدنا عليه و تعايشنا معه،وهيأ كثير منا نفسه لتحمل تبعاته، و نتائجه المحبطة والمثبطة، خاصة عند من لا تنتهي أسماؤهم في بطاقات التعريف والهوية باسم عشيرة معروفة نافذة، أو أن اسم العشيرة قد سقط سهوا أو خطأ ساعة التبليغ عن الولادة من قِبَلِ أب أو قريب ساذج

جاهل بالمقامات والألقاب، فاكتفى باسم الأب والجد ومن يليه، ولم يدرج اسم العشيرة، فأورث هذا الابن المنكود تبعة خطئه، وتركه عاريا في الطريق، مجردا من لقب عشائري يتفيأ ظلاله، أو يضطره لاحقا لتدارك ذلك الزلل، والسعي لتصحيحه في دائرة الأحوال المدنية، بتذييل اسمه باسم العشيرة الرفيع، وإلا بقي نكرة و بقي
أبناؤه من بعده نكرات،لا يشفع لهم أي تفوق، أو سبق في ميادين العلم والعمل في أماكن تواجدهم. ما دام اسم العشيرة لا يزين خاتمة أسمائهم، فهم مثل بيت من الشعر لم تكتمل قافيته و رَويّه.

لا يكتمل تعريف الشخص عندنا إلا باسم العشيرة، عندها يحق لصاحبه أن يمد قدميه غير هيّاب ولا وجل، وأن ينام قرير العين، وأن يردد القول العربي القديم :

- ( من يطل هنُ أبيه ينتطق به ).

ذلك أمر بدهي أعرفه، وأعرف مقدارمعاناة كثيرين من معارفي وأصدقائي، بسبب عدم تحققه لهم ولأبنائهم، وأعـرف مقدار ما ينغص عليهم حياتهم، و يعيق كثيرا من معاملاتهم و أمور حياتهم.

لكن السؤال الآخر الذي حيرني دهرا، وأنا أسمعه يتردد على ألسنة طلابي مدة أربعين عاما، و ما سمعته قبلها مطلقا خلال الثماني عشرة سنة الأولى من حياتي، التي عشتها في موطن نشأتي الأولى في إحدى قرى الضفة الغربية، حيث لم يكن هناك من مبرر للسؤال. السؤال العجيب الذي كنت أسمعه من فم كل طالب، لدى تعارفه للمرة الأولى بزميل جديد، سواء كان هذا الطالب في المرحلة الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية أو الجامعية هو : - من أين أنت؟
ولم يكن هذا السؤال مقتصرا على فئة الطلاب فحسب، بل يسأله الرجل الكهل والشيخ لجاره الجالس بجانبه على مقعد الحافلة لدى لحظة التعارف الأولى، و يسأله الموظف القديم لزميله الجديد في يوم عمله الأول، و تسأله المرأة للمرأة التي تلتقي بها مصادفة في المركز الصحي التابع لوكالة غوث اللاجئين، أو وهما تنتقيان حاجات منزليهما في سوق الخضار. إنه السؤال التقليدي الذي لا سؤال قبله :

- ( منين إنتِ يا اختي بلا زُغرَة )؟

قد يرى الشخص المحايد في هذا السؤال مبعث دهشة و غرابة، فما معنى أن تسأل ابن صفك وابن حارتك، الذي تعلم علم اليقين أنه قد ولد في نفس الحي الذي تعيش فيه، هو و أبوه وأمه : - من أين أنت؟

وهل كنا نسأل أنفسنا مثل هذا السؤال يوم كنا في قريتنا أو مدينتنا في فلسطين؟

والذي يزيدك حيرة و دهشة، أن السؤال لا يَلقى استغرابا أو استنكارا من متلقيه، بل تجده وقد تهيأ له، و كأنه يعلم علم اليقين أن لا سؤال يُبتدأ به التعارف سواه، فينساب جوابه الفوري التلقائي على لسانه، ليجيب وهو الذي وُلد في هذا المكان، وولد فيه أبوه وأمه وربما جده من قبل :

- أنا من اللد، أنا من الناصرة، أنا من طـوباس، أنا من حلحول، أنا من بئر السبع، أنا من سخنين، أنا من الفالوجة، أنا من عين غزال، أنا من نابلس، أنا من سلمة...

كأن أرواحهم لا تعيش في المكان الذي تعيش فيه أبدانهم، وكأن كل واحد منهم تعيش في ذاكرته مدينته أو قريته الأولى، التي انحدر منها آباؤه وأجداده.

إنه الوطن الذي يتجسد في ذاكرتهم جميعا، ولا يرتضون عنه بديلا، وإن نَعِمَ بعضهم برغد من العيش، ما حلم به أبوه ولا جده هناك على أرض وطنه. فتعجب كيف يتحقق ذلك بتلقائية وغريزية، غير خاضعة للتلقين والتربية والتعبئة الوطنية، فأنت قد تفاجأ بآباء و أمهات لا يعيرون اهتماما للتنشئة الوطنية لأبنائهم، ولا لتذكيرهم وتعريفهم ببلدتهم الأولى التي ينحدرون منها في فلسطين، ولا بغرس حبها

والتعلق بها في نفوس أبنائهم، في غمرة انشغالهم وحرصهم على تعليمهم،والوصول بهم إلى أعلى الدرجات العلمية، التي يحسبونها بديلا عن المكانة المفقودة بفقد الوطن، فيفاجئ هؤلاء الأبناء آباءهم وأمهاتهم بانتماء وطني عميق، وتعلق بالوطن ما بعده تعلق، يتجسد بانخراطهم في المنظمات الفدائية والجهادية مفاجأة لم تخطر لذويهم على بال، فتوقن أنها الرابطة الفطرية والانسياق الغريزي.

فتسائل نفسك قبل سواها :

- ألا تغادر أسماك السلمون الفتية مواطنها التي نشأت فيها، في الروافد والقنوات التي تتجمع لتشكل نهر كولمبيا في أمريكا الشمالية، في هجرة جماعية تحملها بعيدا عبر المحيط الهادئ حتى تصل إلى خليج ألاسكا، حيث تمضي دورة حياتها، فإذا شبت عن الطوق وتاقت للتزاوج،عادت من حيث أتت إلى أوطانها
عبر المحيط، مهتدية بمواقع الشمس والنجوم خلال سيرها؟ أما في رحلتها عبر روافد النهر وعكس اتجاه جريان تياره، فإن كلا منها يهتدي إلى موطنه الذي غادره صغيرا، متشممة رائحة التربة وعبق النباتات والأعشاب، التي علقت بذاكرتها يوم

غادرت موطنها صغيرة، ولم تخنها تلك الذاكرة يوما.

تصل إلى مواطنها لتتزاوج فتبيض ثم تموت، فتكمل صغارها من بعدها دورة حياة جديدة، في هجرة جماعية دائمة تتكرر جيلا بعد جيل. لا يمنعها من تكرار ذلك كل ما ينصبه لها الإنسان من شراك صيده، ولا ما تبتلعه الأسماك العملاقة من جموعها في رحلتي الذهاب والإياب. فهل نكون نحن أعجز من الأسماك؟

تمتلئ نفسك ثقة و طمأنينة مع هذا اليقين بالانتماء الغريزي المتجذر، وتدفعك للسخرية من حلم ديفيد بن غوريون حين حلم أن:

- ( الجيل الذي عاصر النكبة سيموت، والأجيال التي تليه سوف تنسى، و بذلك تنتهي القضية ).

ولم يسأل نفسه : - لماذا لم ينس هو و قومه، وقد ظلوا ينشدون العودة إلى أورشليم طيلة ألفي عام بزعمهم؟ بفعل الذاكرة الحية التي ظلوا يشحذون بها مخيلة أجيالهم. لكنه بخياله المحلق الواهم، الذي يصورله أنه و قومه أناس متميزون، وأنهم شعب الله المختار، و أن ما يستطيعون فعله لا يقدرعلى مجاراتهم فيه غيرهم من شعوب
الأرض، وأنه لا أحد سواهم يستطيع العيش بوطن محمول في الذاكرة لأجيال وأجيال. فإذا الحقيقة الناصعة تدحض زيف وهمه.

لقد استطاع اليهود العيش داخل الذاكرة اليهودية وحدها على مر الزمن، لأن دينهم كان مختلفا دائما عن دين سواهم ممن عاشوا بينهم، و بفضل الشحذ الذهني المتواصل الذي كانوا يمارسونه على أجيالهم، وتلقينهم خرافة تميزهم على سائر أمم
الأرض من ( الجوييم )، وبفضل طلاسم اللغــة المميزة التي ظلوا ينسخون بها أسفارهم، وإن تبدلت حســب المكان الذي حلوا فيه ما بين ( ياديشية ) و(عبرية)، وبفضل جدران (الجيتوات) التي عزلوا أنفسهم داخلها في كل بلد حلوا فيه.
وأهم من ذلك كله، أن المحيط الذي كانوا يقيمون فيه كان يجمع على رفضهم ونبذهم، ولا يطيق ابتلاعهم أو ذوبانهم فيه لعلة فيهم، تجعل الأقوام جميعا تتحاشاهم، وتنفرمن قربهم، فانطبق عليهم القول القديم الذي ننقله كما روي بلحنه ( مكره أخاك لا بطل ).

لكن النموذج الأروع هو ما يضربه الفلسطيني، الذي يعيش بين أناس يشترك معهم في دين واحد و لغة واحدة، و روابط مشتركة من تاريخ ودم و قرابة، بل وتواصل قبلي وعشائري يجمعه ويوحده مع كل من حوله، و هـي الروابط التي حلم بن غوريون بأنها ستكون عوامل إذابة للفلسطيني في المحيط العربي
.
لكن المعجزة التي قلبت كل حساباتهم، ولم تخطر لهم على بال، أن الفلسطيني وإن أبعدوه عن فلسطين ولم يعد يسكنها، فقد ظلت تسكنه، و ما صار لاجئا منها إلى غيرها كما توهموا، بل (صارت الأرض لاجئة في جراحه )، فقد ظل متمسكا بها،

رافضا الاندماج في غيرها والانتماء لما سواها، متجاهلا كل الحقائق التي أحدثها العدو المحتل على أرض فلسطين، منتميا للبلدة التي مُحيت من الوجود، وليس للمكان الذي يعيش فيه، لأنه يعتبر وجوده فيه طارئ و مؤقت.

الطفل الصغير الذي وُلد هو وأبوه و أمه في بلد بعيد عن فلسطين، يكون سؤاله الأول لزميله في المدرسة أو الشارع :

- من أين أنت؟

ويكون الجواب الفوري والعفوي والتلقائي :

- أنا من الطيرة، أنا من جنين، أنا من رام الله، أنا من صفد، أنا من بيت داراس، أنا من باقة الغربية، أنا من دورا، أنا من دير الأسد، أنا من جماعين، أنا من صرفند، أنا من تل.. وهو الذي ما وطئتها قدماه ولا قدما أبيه أو أمه، لكنه يظل منتميا لها وتظل منتمية له، أكثر من انتماء من يريد أن يروضها و يخضعها لقوته وجبروته.

إنها حرب الذاكرة التي ننتصر فيها، وينهزم فيها عدونا، بل إنها شيء يتفوق على الذاكرة، فالذاكرة استرجاع شيء غير حاضر فيك، بينما نحن كما قال شاعرنا محمود درويش

- ( نحن في حلٍ من التذكار، فالكرمل فينا، وعلى أهدابنا عشب الجليل. لا تقولي : ليتنا نركض كالنهر إليها. نحن في لحم بلادي، وهي فينا ).

إن أزياء أمهاتنا وثيابهن المطرزة المزركشة، التي تعلن على الملأ :

• هذا ثوب رام الله، و هذا ثوب الخليل، وهذا ثوب غزة. هذه الأزياء الضاربة الجذور في أعماق الوطن، وحدها تهزم كل العابرين، وأغنياتنا التراثية الهادرة، التي تتدفق صارخة من حناجرنا جيلا بعد جيل، فتردد أصداءها جنبات الأودية، وبطون الوهاد مرددة :(جفرا ويا هالربع) و(على دلعونا) و( يا ظريف الطول) و ( هيهات يا بو الزلف ) و( مواويل الميجنا والعتابا ). ستظل نغماتها تصدح على قمم جبالنا وفي بطون أوديتنا، تلاحقهم في صحوهم و نومهم، فتصم أسماعهم، وتبعث في نفوسهم الرعب والفزع، وهي تطاردهم ليل نهار مطاردة الأشباح للخائف الفزِع.

أرأيتم قتيلا يطارد قاتله مطاردة تودي به إلى الرعب والفزع والجنون؟ فنحن (الرَصَدُ ) الذي لقنتنا إياه جداتنا صغارا في ثنايا حكاياتهن المرعبة، من أنه الشبح الذي يحرس جثة القتيل الذي لم يُؤخذ بثأره، و يستوطن المكان الذي قتل فيه، و يظل ينبعث في ظلمة الليل لكل عابر سبيل، تقوده خطواته العاثرة إلى جوار المكان. تلك الحكايات التي أورثتنا جُبنا، و ملأتنا رعبا من ظلمة الليل، لكنها انغرست في ذاكرتنا، و علمتنا أن نكون (الرصد ) ذاته، الذي يحرس المكان فلا يبرحه أبدا.

إن امرأة عجوزا تسند ظهرها إلى جذع زيتونة قديم، و تعبئ صدرها حجارة، تزود بها الأطفال من راجمي الجنود، لكفيلة بأن تبعث في قلوبهم الرعب والفزع.

وإن شيخا يتكئ على (كابوسة ) محراثه الروماني القديم، يشق أثلاما في أرضه، يقتلع معها الأعشاب والنباتات الطفيلية الغريبة، ليشعرهم أنه يقتلعهم مع كل عشبة برية يقتلعها، ويلقي بها على جانبي الثلم.

ما أسوقه ليس من قبيل الأحلام أو الأوهام، لكنها الحقائق الوحيدة المأمولة في زمن عزت فيه الحقائق والآمال. فأنا أدرك و يدرك معي أبناء جيلي، أن هذا الانتماء العميق، وهذه الذاكرة المحتشدة هي الأمل الوحيد الذي يبزع في ليلنا الحالك الظلمة.

لأننا ندرك فداحة التقصير، الذي قصّره جيلنا و جيل آبائنا و أجدادنا، على مدى مئة عام في مواجهة الهجمة الصهيونية، بانشغالهم في تغليب صراعاتهم وانقساماتهم الثانوية على الصراع الرئيسي مع العدو.

كم كنت سعيدا طول سنوات عمري وأنا أسمع تلاميذي في كل مكان، وهم يبدؤون لقاءات تعارفهم بالسؤال التلقائي المعهود :

- (إنتَ منين؟) وبالعجائز من النساء وهــن يسألن السؤال ذاته ولكن بطريقتهن الخاصة والمهذبة : - (منين إنتو يا اختي بلا زُغره؟)

لأنه السؤال المُوَحِّد، بقدر ما كان يسوؤني في زمن مضى، ويسوء الآن غيري على أرض فلسطين سؤال آخر:
- أنت من فتح؟ أنت من حماس؟ أنت من الجبهة الشعبية؟ أنت من الجهاد؟ أنت من الديمقراطية؟ أنت من فدا؟ أنت من زعيط؟ أنت من نطاط الحيط؟

لأنه السؤال المُفرِّق، الذي فرّقنا طويلا، هو وأمثاله على مدى قرن من الزمان، وأحبط جهودنا وأفشل مسيرتنا عند كل منعطف.

أتساءل أحيانا، والعبرة بالنتائج لا بالوقائع والأحداث :

- هل قربتنا كل هذه المنظمات التي استنزفت أعمارنا جيلا بعد جيل، شبرا واحدا من فلسطين؟ وهل عجلت في عودتنا إليها بمقدار يوم واحد؟

لن أحاول الإجابة على هذا السؤال، بل سأتركه معلقا يجيب عنه كل بما يراه.

لكنني أعترف لها بمزية واحدة، وأقولها جازما جادا غير ساخرولا مستهزئ، وهي أنها قد أضافت إلى ذاكرتنا مادة خصبة شحذتها بها. فأنا أزعم أن الأطفال من الجيل الثالث، الذين ما ولدوا على أرض فلسطين ولا رأوها، ترتجف فرائصهم، وتطفر الدموع من مآقي عيونهم حيثما وجدوا، كلما وقر في آذانهم ذلك
النشيد الجنائزي في نبرته النائحة :

- ( من سجن عكا وطلعت جنازة، محمد جمجوم وفؤاد حجازي.... ) فيحسون أنهم يسيرون في موكب جنائزي جماعي مهيب، يضم جنازات كل أهلهم الذين سقطوا على أرض فلسطين أو في الطريق إليها جيلا وراء جيل، هؤلاء الشهداء البعيدين عنهم مكانا و زمانا، لكنهم القريبون إلى قلوبهم، القاطنون في ذاكرتهم. فتعتصرمهجهم ألما، و تتوهج أرواحهم انتماء لفلسطين فيرددون على بعدالزمان والمكان :

- ( طل سلاحي من جراحي يا ثورتنا طل سلاحي... )

ورغم يقينهم أن السلاح لم يعد يُطِل، وأن الجراح وحدها هي التي بقيت مشرعة مثل راية في الريح، لكنهم يكتفون بهذه الطلة، ويترحمون على ثورتهم المغدورة.

هذه الأغنيات التي بقيت تحرّض الذاكرة، وتشحذها حتى يحين الأوان المناسب، بعد أن تخلى عنها أصحابها و مطلقيها الأوائل، واستبدلوا بنبراتها الحماسية ومفعولها المدوّي نبرات دبلوماسية هادئة تناسب إطلالاتهم الجديدة، بل إقامتهم الدائمة على شاشات الفضائيات، مسوقين بضاعة كسدت، ومروجين لمشاريع وهمية، ولدولة لا مكان لها حتى في أحلامهم،فهم أدرى الناس باستحالة قيامها، أنهم أقرب الناس لأعدائهم و مفاوضيهم، و يعلمون علم اليقين أنهم حاطبو ليل، لكن لسان حالهم يقول :

- ما ضرنا أن نشتري الوقت بالثمن المتاح؟

فلذلك تراهم يطيلون أمد التفاوض، ليضمنوا استمرار قبض الثمن.هؤلاء المتلاعبين بالكلمات العابرة، آن لهم أن ينصرفوا.
ليحملوا أوراقهم ولينصرفوا أولا، قبل أن ينصرف العدو الحقيقي، لأنهم المروجون لسلعته.

فليست فلسطين تلك التي تأتها زائرا و مستأذنا و مستسلما، ليُروك بعض قسماتها برهة، ثم يحجبوها عن ناظريك.
فلسطين تلك التي تأتها فاتحا، فتمد ذراعيها على سعتهما، ليحتضن ترابها كل أبنائها، أحياء و أمواتا، لا فرق في ذلك.

أما إن جئتها مستأذنا خاضعا لشروط عدوك، فأنت أبعد أبنائها عنها، وأنت أبعد ما تكون عن ترابها، ولو وطئت رقعة ضيقة من بدنها، أعاروك إياها حينا من الدهر، بل هي أقل من الإعارة شأنا.

إن مثلنا و مثل هؤلاء الراكضين وراء السراب، كمثل خلدون و خالد ابني سعيد س، في رائعة غسان كنفاني ( عائد إلى حيفا ). فهم أشياع خلدون الذي تحول إلى

( دوف ) وما أدراك ما دوف؟

و نحن مريدو خالد و حواريوه، والسائرون على دربه الطويل. وإن كان دوف لا يحمل وزرالطريق التي لم يخترها بنفسه، بل اختارها له غيره، بعد أن تُرك وحيدا منقطعا بلا جذور، أما هؤلاء فقد اختاروا نهجه وطريقه بمحض إرادتهم.
وتكفينا هذه الذاكرة المشتعلة أبدا، و يكفينا هذا التمسك بالسؤال المذهل الذي يحير العقول، والذي لا يلقنه والد لولد، ولا أم لابنة، بل كأنما يرضعه الصغير من ثدي أمه :
- إنتَ منين؟
فليجرب أبناء ديفيد بن غوريون و تلاميذه أن يسألوا بعضهم بعضا السؤال ذاته:

- من أين أنت؟ وليأتهم الجواب :

- أنا من بـولندا، أنا من اليمن، أنا من روسيا، أنا من المغرب، أنا من فرنسا، أنا من إيران، أنا من بريطانيا، أنا من العراق، أنا من أمريكا، أنا من الحبشة، أنا من الأرجنتين، أنا من ألمانيا، أنا من المجر... وليرددوا معا نشيدا جماعيا جوابيا :

- نحن ( شعيرات الشحاذ ).